نبراس الدعوة


نبراس الدعوة هو منتدى دعوي إسلامي يهدف إلى نشر الوعي والتواصل الإجتماعي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحباً بكـــــم في منتديــــات نبــــــراس الـــــدعوة
‏"وَإِن من شيءٍ إلا يُسبّحُ بحمدِهِ.." انت ذرّةٌ من هذا الكون الذاكر؛ فلا يسبقنّك جبلٌ أصم وحجرٌ صلد، فكلُّ الكَون يُسبّح للسبّوح القدّوس.
‏" اجتمعَا عليه وتفرّقا عليه" هذه خريطَة الوصول نحو الظلّ ، لا تعدُ عنها ."
اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء
اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك

شاطر | 
 

 •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأحد مايو 25, 2014 5:20 am




تفسير سورة البقرة


هي مدنية ‏[‏1 ـ 5‏]‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {‏الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏




تقدم الكلام على البسملة‏.‏ وأما الحروف المقطعة في أوائل السور‏,‏ فالأسلم فيها‏,‏ السكوت عن التعرض لمعناها ‏[‏من غير مستند شرعي‏]‏‏,‏ مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثًا بل لحكمة لا نعلمها‏.‏




وقوله ‏{‏ذَلِكَ الْكِتَابُ‏}‏ أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة‏,‏ المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم‏,‏ والحق المبين‏.‏ فـ ‏{‏لَا رَيْبَ فِيهِ‏}‏ ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه‏,‏ يستلزم ضده‏,‏ إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب‏.. ‏




فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال‏:‏ ‏{‏هُدًى لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ والهدى‏:‏ ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة‏.‏.




وقال في موضع آخر‏:‏ ‏{‏هُدًى لِلنَّاسِ‏}‏ فعمم‏.‏ وفي هذا الموضع وغيره ‏{‏هُدًى لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق‏.‏ فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا‏.‏ ولم يقبلوا هدى الله‏,‏ فقامت عليهم به الحجة‏,‏ ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر‏,‏ لحصول الهداية‏,‏ وهو التقوى التي حقيقتها‏:‏ اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه‏,‏ بامتثال أوامره‏,‏ واجتناب النواهي‏,‏ فاهتدوا به‏,‏ وانتفعوا غاية الانتفاع‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا‏}‏ فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية‏,‏ والآيات الكونية‏.‏




ولأن الهداية نوعان‏:‏ هداية البيان‏,‏ وهداية التوفيق‏.‏ فالمتقون حصلت لهم الهدايتان‏,‏ وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق‏.‏ وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها‏,‏ ليست هداية حقيقية ‏[‏تامة‏]‏‏.‏




ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة‏,‏ والأعمال الظاهرة‏,‏ لتضمن التقوى لذلك فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏}‏ حقيقة الإيمان‏:‏ هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل‏,‏ المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس‏,‏ فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر‏.‏ إنما الشأن في الإيمان بالغيب‏,‏ الذي لم نره ولم نشاهده‏,‏ وإنما نؤمن به‏,‏ لخبر الله وخبر رسوله‏.‏ فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر‏,‏ لأنه تصديق مجرد لله ورسله‏.‏ فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به‏,‏ أو أخبر به رسوله‏,‏ سواء شاهده‏,‏ أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله‏,‏ أو لم يهتد إليه عقله وفهمه‏.‏ بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية‏,‏ لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم‏,‏ ومرجت أحلامهم‏.‏ وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله‏.‏.‏




ثم قال‏:‏ ‏{‏وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ‏}‏ لم يقل‏:‏ يفعلون الصلاة‏,‏ أو يأتون بالصلاة‏,‏ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة‏.‏ فإقامة الصلاة‏,‏ إقامتها ظاهرا‏,‏ بإتمام أركانها‏,‏ وواجباتها‏,‏ وشروطها‏.‏ وإقامتها باطنا بإقامة روحها‏,‏ وهو حضور القلب فيها‏,‏ وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ‏}‏ وهي التي يترتب عليها الثواب‏.‏ فلا ثواب للإنسان من صلاته‏,‏ إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها‏.‏




ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ‏}‏ يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة‏,‏ والنفقة على الزوجات والأقارب‏,‏ والمماليك ونحو ذلك‏.‏ والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير‏.. ‏




وفي قوله‏:‏ ‏{‏رَزَقْنَاهُمْ‏}‏ إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم‏,‏ ليست حاصلة بقوتكم وملككم‏,‏ وإنما هي رزق الله الذي خولكم‏,‏ وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده‏,‏ فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم‏,‏ وواسوا إخوانكم المعدمين‏.‏




وكثيرًا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن‏,‏ لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود‏,‏ والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود‏,‏ وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه‏,‏ فلا إخلاص ولا إحسان‏.‏




ثم قال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏}‏ وهو القرآن والسنة ..‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏}‏ يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه‏,‏ خصوصًا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم‏.‏




ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}‏ و ‏"‏الآخرة‏"‏ اسم لما يكون بعد الموت، وخصه ‏[‏بالذكر‏]‏ بعد العموم‏,‏ لأن الإيمان باليوم الآخر‏,‏ أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و ‏"‏اليقين‏"‏ هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك‏,‏ الموجب للعمل‏.‏




‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ أي‏:‏ الموصوفون بتلك الصفات الحميدة ‏{‏عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ أي‏:‏ على هدى عظيم‏ ..‏




‏ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ والفلاح ‏[‏هو‏]‏ الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم‏,‏ وما عدا تلك السبيل‏,‏ فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك‏.‏‏




فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقًا‏,‏ ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ يخبر تعالى أن الذين كفروا‏,‏ أي‏:‏ اتصفوا بالكفر‏,‏ وانصبغوا به‏,‏ وصار وصفًا لهم لازمًا‏,‏ لا يردعهم عنه رادع‏,‏ ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون على كفرهم‏,‏ فسواء عليهم أأنذرتهم‏,‏ أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة الكفر‏:‏ هو الجحود لما جاء به الرسول‏,‏ أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة‏,‏ وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إيمانهم‏,‏ وأنك لا تأس عليهم‏,‏ ولا تذهب نفسك عليهم حسرات‏.‏




ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال‏:‏ ‏{‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان‏,‏ ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم‏,‏ ولا يسمعون ما يفيدهم‏.‏




‏{‏وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ‏}‏ أي‏:‏ غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن النظر الذي ينفعهم‏,‏ وهذه طرق العلم والخير‏,‏ قد سدت عليهم‏,‏ فلا مطمع فيهم‏,‏ ولا خير يرجى عندهم، وإنما منعوا ذلك‏,‏ وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق ..‏




ثم ذكر العقاب الآجل، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ وهو عذاب النار‏,‏ وسخط الجبار المستمر الدائم‏.‏




ثم قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر فقال‏:‏




‏[‏8 ـ 10‏]‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ‏}‏




واعلم أن النفاق هو‏:‏ إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي‏,‏ والنفاق العملي ..




وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام‏,‏ فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودًا قبل هجرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏[‏من مكة‏]‏ إلى المدينة‏,‏ وبعد أن هاجر‏,‏ فلما كانت وقعة ‏"‏بدر‏"‏ وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم‏,‏ فأظهر بعضهم الإسلام خوفًا ومخادعة‏,‏ ولتحقن دماؤهم‏,‏ وتسلم أموالهم‏,‏ فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم‏,‏ وفي الحقيقة ليسوا منهم‏.‏




فمن لطف الله بالمؤمنين‏,‏ أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها‏,‏ لئلا يغتر بهم المؤمنون‏,‏ ولينقمعوا أيضًا عن كثير من فجورهم ‏[‏قال تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ‏}‏ فوصفهم الله بأصل النفاق فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ لأن الإيمان الحقيقي‏,‏ ما تواطأ عليه القلب واللسان‏,‏ وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين‏.‏




والمخادعة‏:‏ أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئًا‏,‏ ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون‏,‏ سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك‏,‏ فعاد خداعهم على أنفسهم ..‏




ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع‏,‏ بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم‏,‏ والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك‏.‏




وقوله‏:‏ ‏{‏فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏}‏ والمراد بالمرض هنا‏:‏ مرض الشك والشبهات والنفاق، لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله‏:‏ مرض الشبهات الباطلة‏,‏ ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك والبدع‏,‏ كلها من مرض الشبهات، والزنا‏,‏ ومحبة ‏[‏الفواحش و‏]‏ المعاصي وفعلها‏,‏ من مرض الشهوات ، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏ وهي شهوة الزنا، والمعافى من عوفي من هذين المرضين‏,‏ فحصل له اليقين والإيمان‏,‏ والصبر عن كل معصية‏,‏ فرفل في أثواب العافية‏.‏




وفي قوله عن المنافقين‏:‏ ‏{‏فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا‏}‏ بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين‏,‏ وأنه بسبب ذنوبهم السابقة‏,‏ يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ‏}‏ فعقوبة المعصية‏,‏ المعصية بعدها‏,‏ كما أن من ثواب الحسنة‏,‏ الحسنة بعدها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى‏}‏




‏[‏11 ـ 12‏]‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏




أي‏:‏ إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض‏,‏ وهو العمل بالكفر والمعاصي‏,‏ ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين ‏{‏قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ‏}‏ فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض‏,‏ وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح‏,‏ قلبا للحقائق‏,‏ وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقًا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية‏,‏ مع اعتقاد أنها معصية فهذا أقرب للسلامة‏,‏ وأرجى لرجوعه‏.‏




ولما كان في قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ‏}‏ حصر للإصلاح في جانبهم ـ وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح ـ قلب الله عليهم دعواهم بقوله‏:‏ ‏{‏ألا إنهم هم المفسدون‏}‏ فإنه لا أعظم فسادًا ممن كفر بآيات الله‏,‏ وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه‏,‏ ووالى المحاربين لله ورسوله‏,‏ وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح‏,‏ فهل بعد هذا الفساد فساد‏؟‏‏




‏[‏13‏]‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏




أي‏:‏ إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس‏,‏ أي‏:‏ كإيمان الصحابة رضي الله عنهم، وهو الإيمان بالقلب واللسان‏,‏ قالوا بزعمهم الباطل‏:‏ أنؤمن كما آمن السفهاء‏؟‏ يعنون ـ قبحهم الله ـ الصحابة رضي الله عنهم‏,‏ بزعمهم أن سفههم أوجب لهم الإيمان‏,‏ وترك الأوطان‏,‏ ومعاداة الكفار، والعقل عندهم يقتضي ضد ذلك‏,‏ فنسبوهم إلى السفه‏;‏ وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحجى والنهى‏.‏




فرد الله ذلك عليهم‏,‏ وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة‏,‏ لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه‏,‏ وسعيه فيما يضرها‏,‏ وهذه الصفة منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أن العقل والحجا‏,‏ معرفة الإنسان بمصالح نفسه‏,‏ والسعي فيما ينفعه‏,‏ و‏[‏في‏]‏ دفع ما يضره، وهذه الصفة منطبقة على ‏[‏الصحابة و‏]‏المؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاف والبرهان‏,‏ لا بالدعاوى المجردة‏,‏ والأقوال الفارغة‏.‏




ثم قال تعالى‏:‏ ‏[‏14 ـ 15‏]‏ ‏{‏وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏




هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و‏[‏ذلك‏]‏ أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين‏,‏ أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم‏,‏ فإذا خلوا إلى شياطينهم ـ أي‏:‏ رؤسائهم وكبرائهم في الشر ـ قالوا‏:‏ إنا معكم في الحقيقة‏,‏ وإنما نحن مستهزءون بالمؤمنين بإظهارنا لهم‏,‏ أنا على طريقتهم، فهذه حالهم الباطنة والظاهرة‏,‏ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله‏.‏




قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ وهذا جزاء لهم‏,‏ على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة‏,‏ حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين‏ ..‏




قوله‏:‏ ‏{‏وَيَمُدُّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يزيدهم ‏{‏فِي طُغْيَانِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ فجورهم وكفرهم، ‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ حائرون مترددون‏,‏ وهذا من استهزائه تعالى بهم‏.‏




ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم‏:‏




‏[‏16‏]‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}‏




أولئك‏,‏ أي‏:‏ المنافقون الموصوفون بتلك الصفات ‏{‏الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى‏}‏ أي‏:‏ رغبوا في الضلالة‏,‏ رغبة المشتري بالسلعة‏,‏ التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة‏.‏ . فما ربحت تجارته‏,‏ بل خسر فيها أعظم خسارة‏.‏.‏




وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}‏ تحقيق لضلالهم‏,‏ وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء‏,‏ فهذه أوصافهم القبيحة‏.‏



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه (17) إلى (24) °•    الإثنين مايو 26, 2014 6:03 am

‏17 ـ 20‏]‏ ‏{‏مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏


أي‏:‏ مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارًا، أي‏:‏ كان في ظلمة عظيمة‏,‏ وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره‏,‏ ولم تكن عنده معدة‏,‏ بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله‏,‏ ونظر المحل الذي هو فيه‏,‏ وما فيه من المخاوف وأمنها‏,‏ وانتفع بتلك النار‏,‏ وقرت بها عينه‏,‏ وظن أنه قادر عليها‏,‏ فبينما هو كذلك‏,‏ إذ ذهب الله بنوره‏,‏ فذهب عنه النور‏,‏ وذهب معه السرور‏,‏ وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة‏,‏ فذهب ما فيها من الإشراق‏,‏ وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة‏:‏ ظلمة الليل‏,‏ وظلمة السحاب‏,‏ وظلمة المطر‏,‏ والظلمة الحاصلة بعد النور‏,‏ فكيف يكون حال هذا الموصوف‏؟‏ فكذلك هؤلاء المنافقون‏,‏ استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين‏,‏ ولم تكن صفة لهم‏,‏ فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم‏,‏ وسلمت أموالهم‏,‏ وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت‏,‏ فسلبهم الانتفاع بذلك النور‏,‏ وحصل لهم كل هم وغم وعذاب‏,‏ وحصل لهم ظلمة القبر‏,‏ وظلمة الكفر‏,‏ وظلمة النفاق‏,‏ وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها‏,‏ وبعد ذلك ظلمة النار ‏[‏وبئس القرار‏]‏‏.‏


فلهذا قال تعالى ‏[‏عنهم‏]‏‏:‏ ‏{‏صُمٌّ‏}‏ أي‏:‏ عن سماع الخير، ‏{‏بُكْمٌ‏}‏ ‏[‏أي‏]‏‏:‏ عن النطق به، ‏{‏عُمْيٌ‏}‏ عن رؤية الحق، ‏{‏فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ‏}‏ لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه‏,‏ فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال‏,‏ فإنه لا يعقل‏,‏ وهو أقرب رجوعا منهم‏.‏


ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ يعني‏:‏ أو مثلهم كصيب، أي‏:‏ كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب‏,‏ أي‏:‏ ينزل بكثرة، ‏{‏فِيهِ ظُلُمَاتٌ‏}‏ ظلمة الليل‏,‏ وظلمة السحاب‏,‏ وظلمات المطر، ‏{‏وَرَعْدٌ‏}‏ وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، ‏{‏وَبَرْقٌ‏}‏ وهو الضوء ‏[‏اللامع‏]‏ المشاهد مع السحاب‏.‏


‏{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ‏}‏ البرق في تلك الظلمات ‏{‏مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا‏}‏ أي‏:‏ وقفوا‏.‏


ولما كانوا مبتلين بالصمم‏,‏ والبكم‏,‏ والعمى المعنوي‏,‏ ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ الحسية‏,‏ ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية‏,‏ ليحذروا‏,‏ فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض‏.‏


وفي هذه الآية وما أشبهها‏,‏ رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى‏,‏ لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏


‏[‏21 ـ 22‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏


هذا أمر عام لكل الناس‏,‏ بأمر عام‏,‏ وهو العبادة الجامعة‏,‏ لامتثال أوامر الله‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ وتصديق خبره‏,‏ فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏


ثم استدل على وجوب عبادته وحده‏,‏ بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم ..


‏{‏وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً‏}‏ والسماء‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ كل ما علا فوقك فهو سماء‏,‏ ولهذا قال المفسرون‏:‏ المراد بالسماء ها هنا‏:‏ السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، ‏{‏فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ‏}‏ كالحبوب‏,‏ والثمار‏,‏ من نخيل‏,‏ وفواكه‏,‏ ‏[‏وزروع‏]‏ وغيرها ‏{‏رِزْقًا لَكُمْ‏}‏ به ترتزقون‏,‏ وتقوتون وتعيشون وتفكهون‏.‏


‏{‏فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا‏}‏ أي‏:‏ نظراء وأشباها من المخلوقين‏,‏ فتعبدونهم كما تعبدون الله‏,‏ وتحبونهم كما تحبون الله‏,‏ وهم مثلكم‏,‏ مخلوقون‏,‏ مرزوقون مدبرون‏,‏ لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، ‏{‏وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أن الله ليس له شريك‏,‏ ولا نظير‏,‏ لا في الخلق‏,‏ والرزق‏,‏ والتدبير‏,‏ ولا في العبادة ‏


وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ يحتمل أن المعنى‏:‏ أنكم إذا عبدتم الله وحده‏,‏ اتقيتم بذلك سخطه وعذابه‏,‏ لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ أنكم إذا عبدتم الله‏,‏ صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى‏,‏ وكلا المعنيين صحيح‏,‏ وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة‏,‏ كان من المتقين، ومن كان من المتقين‏,‏ حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏


‏[‏23 ـ 24‏]‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏


وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحة ما جاء به، فقال‏:‏ ‏{‏وإن كنتم‏}‏ معشر المعاندين للرسول‏,‏ الرادين دعوته‏,‏ الزاعمين كذبه في شك واشتباه‏,‏ مما نزلنا على عبدنا‏,‏ هل هو حق أو غيره‏؟‏ فها هنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم‏,‏ ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم‏,‏ لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله‏,‏ وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون‏,‏ فأتوا بسورة من مثله‏,‏ واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم‏,‏ فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصًا وأنتم أهل الفصاحة والخطابة‏,‏ والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من مثله‏,‏ فهو كما زعمتم‏,‏ وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز‏,‏ ولن تأتوا بسورة من مثله، ولكن هذا التقييم على وجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى‏,‏ ودليل واضح ‏[‏جلي‏]‏ على صدقه وصدق ما جاء به‏,‏ فيتعين عليكم اتباعه‏,‏ واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة ‏[‏والشدة‏]‏‏,‏ أن كانت وقودها الناس والحجارة‏,‏ ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب‏,‏ وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله‏.‏ فاحذروا الكفر برسوله‏,‏ بعد ما تبين لكم أنه رسول الله‏.‏


وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي‏,‏ وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى ‏{‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏


وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ‏}‏ إلى آخره‏,‏ دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق إن كان صادقا في طلب الحق‏.‏


وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه‏,‏ فهذا لا يمكن رجوعه‏,‏ لأنه ترك الحق بعد ما تبين له‏,‏ لم يتركه عن جهل‏,‏ فلا حيلة فيه‏.‏


وكذلك الشاك غير الصادق في طلب الحق‏,‏ بل هو معرض غير مجتهد في طلبه‏,‏ فهذا في الغالب أنه لا يوفق‏.‏




وفي قوله‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ونحوها من الآيات‏,‏ دليل لمذهب أهل السنة والجماعة‏,‏ أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة، وفيها أيضًا‏,‏ أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار‏,‏ لأنه قال‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ فلو كان ‏[‏عصاة الموحدين‏]‏ يخلدون فيها‏,‏ لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج والمعتزلة‏.‏



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: °• تفسير سورة البقرة من آيه (25) إلى (29) •°   الثلاثاء مايو 27, 2014 4:48 am

25‏]‏ ‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏




لما ذكر جزاء الكافرين‏,‏ ذكر جزاء المؤمنين‏,‏ أهل الأعمال الصالحات‏,‏ على طريقته تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب‏,‏ ليكون العبد راغبا راهبا‏,‏ خائفا راجيا فقال‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏يا أيها الرسول ومن قام مقامه‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ بقلوبهم ‏{‏وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ بجوارحهم‏,‏ فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة‏.‏




ووصفت أعمال الخير بالصالحات‏,‏ لأن بها تصلح أحوال العبد‏,‏ وأمور دينه ودنياه‏,‏ وحياته الدنيوية والأخروية‏,‏ ويزول بها عنه فساد الأحوال‏,‏ فيكون بذلك من الصالحين‏,‏ الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته‏.‏




فبشرهم ‏{‏أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ‏}‏ أي‏:‏ بساتين جامعة من الأشجار العجيبة‏,‏ والثمار الأنيقة‏,‏ والظل المديد‏,‏ ‏[‏والأغصان والأفنان وبذلك‏]‏ صارت جنة يجتن بها داخلها‏,‏ وينعم فيها ساكنها‏.‏




‏{‏تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ‏}‏ أي‏:‏ أنهار الماء‏,‏ واللبن‏,‏ والعسل‏,‏ والخمر، يفجرونها كيف شاءوا‏,‏ ويصرفونها أين أرادوا‏,‏ وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار‏.‏




‏{‏كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ هذا من جنسه‏,‏ وعلى وصفه‏,‏ كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة‏,‏ وليس لهم وقت خال من اللذة‏,‏ فهم دائما متلذذون بأكلها‏.‏




وقوله‏:‏ ‏{‏وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا‏}‏ قيل‏:‏ متشابها في الاسم‏,‏ مختلف الطعوم وقيل‏:‏ متشابها في اللون‏,‏ مختلفا في الاسم، وقيل‏:‏ يشبه بعضه بعضًا‏,‏ في الحسن‏,‏ واللذة‏,‏ والفكاهة‏,‏ ولعل هذا الصحيح




ثم لما ذكر مسكنهم‏,‏ وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم‏,‏ ذكر أزواجهم‏,‏ فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه‏,‏ وأوضحه فقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ‏}‏ فلم يقل‏:‏ ‏"‏مطهرة من العيب الفلاني‏"‏ ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق‏,‏ مطهرات الخلق‏,‏ مطهرات اللسان‏,‏ مطهرات الأبصار ..




‏[‏26 ـ 27‏]‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مثلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مثلًا يُضِلُّ بِهِ كثيرًا وَيَهْدِي بِهِ كثيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏




يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مثلًا مَا‏}‏ أي‏:‏ أيَّ مثل كان ‏{‏بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا‏}‏ لاشتمال الأمثال على الحكمة‏,‏ وإيضاح الحق‏,‏ والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا‏,‏ جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك‏.‏ فليس في ذلك محل اعتراض‏.‏ بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم‏.‏ فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ فيتفهمونها، ويتفكرون فيها‏.‏








‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مثلًا‏}‏ فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يُضِلُّ بِهِ كثيرًا وَيَهْدِي بِهِ كثيرًا‏}‏ فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ‏}‏ فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة ‏[‏وضلالة‏]‏ وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ‏[‏ورحمة‏]‏ وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال‏.‏




ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ الخارجين عن طاعة الله‏;‏ المعاندين لرسل الله‏;‏ الذين صار الفسق وصفهم‏;‏ فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة‏.‏




والفسق نوعان‏:‏ نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان‏;‏ كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا‏}‏ ‏[‏الآية‏]‏‏.‏




ثم وصف الفاسقين فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ‏}‏ وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق‏;‏ بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه‏;‏ وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق‏.‏




‏{‏وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏}‏ وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب‏;‏ وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر الله أن نصلها‏.‏




فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم‏;‏ معتاضين عنها بالفسق والقطيعة‏;‏ والعمل بالمعاصي‏;‏ وهو‏:‏ الإفساد في الأرض‏.‏




فـ ‏{‏فَأُولَئِكَ‏}‏ أي‏:‏ من هذه صفته ‏{‏هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏ في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم‏;‏ لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم‏;‏ ليس لهم نوع من الربح ..




‏[‏28‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏




هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي‏:‏ كيف يحصل منكم الكفر بالله‏;‏ الذي خلقكم من العدم‏;‏ وأنعم عليكم بأصناف النعم‏;‏ ثم يميتكم عند استكمال آجالكم‏;‏ ويجازيكم في القبور‏;‏ ثم يحييكم بعد البعث والنشور‏;‏ ثم إليه ترجعون‏;‏ فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه‏;‏ وتدبيره‏;‏ وبره‏;‏ وتحت أوامره الدينية‏;‏ ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي‏;‏ أفيليق بكم أن تكفروا به‏;‏ وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة‏؟‏ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه‏;‏ وترجوا ثوابه‏.‏




‏[‏29‏]‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏




‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا‏}‏ أي‏:‏ خلق لكم‏,‏ برا بكم ورحمة‏,‏ جميع ما على الأرض‏,‏ للانتفاع والاستمتاع والاعتبار‏.‏
وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة‏,‏




وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏




‏{‏اسْتَوَى‏}‏ ترد في القرآن على ثلاثة معاني‏:‏ فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها‏,‏ الكمال والتمام‏,‏ كما في قوله عن موسى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى‏}‏ وتارة تكون بمعنى ‏"‏علا‏"‏ و ‏"‏ارتفع‏"‏ وذلك إذا عديت ب ـ ‏"‏على‏"‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم استوى على العرش‏}‏ ‏{‏لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ‏}‏ وتارة تكون بمعنى ‏"‏قصد‏"‏ كما إذا عديت ب ـ ‏"‏إلى‏"‏ كما في هذه الآية، أي‏:‏ لما خلق تعالى الأرض‏,‏ قصد إلى خلق السموات ‏{‏فسواهن سبع سماوات‏}‏ فخلقها وأحكمها‏,‏ وأتقنها‏,‏ ‏{‏وهو بكل شيء عليم‏}‏ فـ ‏{‏يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها‏}‏ و ‏{‏يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ‏}‏ يعلم السر وأخفى‏.‏




وكثيرًا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية‏,‏ وكما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏ لأن خلقه للمخلوقات‏,‏ أدل دليل على علمه‏,‏ وحكمته‏,‏ وقدرته‏.‏


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ٣٠ ) إلى (٣٧) °•    الأربعاء مايو 28, 2014 12:12 am

[‏30 ـ 34‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏


هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك‏,‏ وأن الله مستخلفه في الأرض‏.‏


فقالت الملائكة عليهم السلام‏:‏ ‏{‏أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا‏}‏ بالمعاصي ‏{‏وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ‏}‏ ‏[‏و‏]‏هذا تخصيص بعد تعميم‏,‏ لبيان ‏[‏شدة‏]‏ مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك‏,‏ فنزهوا الباري عن ذلك‏,‏ وعظموه‏,‏ وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ‏}‏ أي‏:‏ ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ‏{‏وَنُقَدِّسُ لَكَ‏}‏ يحتمل أن معناها‏:‏ ونقدسك‏,‏ فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون‏:‏ ونقدس لك أنفسنا، أي‏:‏ نطهرها بالأخلاق الجميلة‏,‏ كمحبة الله وخشيته وتعظيمه‏,‏ ونطهرها من الأخلاق الرذيلة‏.‏


قال الله تعالى للملائكة‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَعْلَمُ‏}‏ من هذا الخليفة ‏{‏مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم‏,‏ وأنا عالم بالظواهر والسرائر‏,‏ وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة‏,‏ أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك‏,‏ إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين‏,‏ والشهداء والصالحين‏,‏ ولتظهر آياته للخلق‏,‏ ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة‏,‏ كالجهاد وغيره‏,‏ وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان‏,‏ وليتبين عدوه من وليه‏,‏ وحزبه من حربه‏,‏ وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه‏,‏ واتصف به‏,‏ فهذه حكم عظيمة‏,‏ يكفي بعضها في ذلك‏.‏


ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام‏,‏ فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض‏,‏ أراد الله تعالى‏,‏ أن يبين لهم من فضل آدم‏,‏ ما يعرفون به فضله‏,‏ وكمال حكمة الله وعلمه فـ ‏{‏عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا‏}‏ أي‏:‏ أسماء الأشياء‏,‏ وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى‏,‏ أي‏:‏ الألفاظ والمعاني‏,‏ حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة‏.‏


‏{‏ثُمَّ عَرَضَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ عرض المسميات ‏{‏عَلَى الْمَلَائِكَةِ‏}‏ امتحانا لهم‏,‏ هل يعرفونها أم لا‏؟‏‏.‏


‏{‏فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ في قولكم وظنكم‏,‏ أنكم أفضل من هذا الخليفة‏.‏


‏{‏قَالُوا سُبْحَانَكَ‏}‏ أي‏:‏ ننزهك من الاعتراض منا عليك‏,‏ ومخالفة أمرك‏.‏ ‏{‏لَا عِلْمَ لَنَا‏}‏ بوجه من الوجوه ‏{‏إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا‏}‏ إياه‏,‏ فضلا منك وجودا، ‏{‏إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏}‏ العليم الذي أحاط علما بكل شيء‏,‏ فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السموات والأرض‏,‏ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر‏.‏


الحكيم‏:‏ من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق‏,‏ ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة‏:‏ ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة‏:‏ وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا‏,‏ واعترفوا بعلم الله وحكمته‏,‏ وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم‏;‏ وتعليمه إياهم ما لا يعلمون‏.‏


فحينئذ قال الله‏:‏ ‏{‏يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة‏;‏ فعجزوا عنها، ‏{‏فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ‏}‏ تبين للملائكة فضل آدم عليهم‏;‏ وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، ‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ‏}‏ وهو ما غاب عنا‏;‏ فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب‏;‏ فالشهادة من باب أولى، ‏{‏وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ‏}‏ أي‏:‏ تظهرون ‏{‏وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏


ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم‏;‏ إكراما له وتعظيما‏;‏ وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله‏;‏ وبادروا كلهم بالسجود، ‏{‏إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى‏}‏ امتنع عن السجود‏;‏ واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال‏:‏ ‏{‏أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا‏}‏ وهذا الإباء منه والاستكبار‏;‏ نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه‏;‏ فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره‏.‏


وفي هذه الآيات من العبر والآيات‏;‏ إثبات الكلام لله تعالى‏;‏ وأنه لم يزل متكلما‏;‏ يقول ما شاء‏;‏ ويتكلم بما شاء‏;‏ وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه‏;‏ التسليم‏;‏ واتهام عقله‏;‏ والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة‏;‏ وإحسانه بهم‏;‏ بتعليمهم ما جهلوا‏;‏ وتنبيههم على ما لم يعلموه‏.‏


وفيه فضيلة العلم من وجوه‏:‏


منها‏:‏ أن الله تعرف لملائكته‏;‏ بعلمه وحكمته ، ومنها‏:‏ أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم‏;‏ وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها‏:‏ أن الله أمرهم بالسجود لآدم‏;‏ إكراما له‏;‏ لما بان فضل علمه، ومنها‏:‏ أن الامتحان للغير‏;‏ إذا عجزوا عما امتحنوا به‏;‏ ثم عرفه صاحب الفضيلة‏;‏ فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها‏:‏ الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن‏;‏ وبيان فضل آدم‏;‏ وأفضال الله عليه‏;‏ وعداوة إبليس له‏;‏ إلى غير ذلك من العبر‏.‏


[‏35 ـ 36‏]‏ ‏{‏وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏


لما خلق الله آدم وفضله‏;‏ أتم نعمته عليه‏;‏ بأن خلق منه زوجة ليسكن إليها‏;‏ ويستأنس بها‏;‏ وأمرهما بسكنى الجنة‏;‏ والأكل منها رغدا‏;‏ أي‏:‏ واسعا هنيئا، ‏{‏حَيْثُ شِئْتُمَا‏}‏ أي‏:‏ من أصناف الثمار والفواكه‏;‏ وقال الله له‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى‏}‏


‏{‏وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ‏}‏ نوع من أنواع شجر الجنة‏;‏ الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء ‏[‏أو لحكمة غير معلومة لنا‏]‏ ‏{‏فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ دل على أن النهي للتحريم‏;‏ لأنه رتب عليه الظلم‏.‏


فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه‏;‏ حتى أزلهما، أي‏:‏ حملهما على الزلل بتزيينه‏.‏ ‏{‏وَقَاسَمَهُمَا‏}‏ بالله ‏{‏إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏}‏ فاغترا به وأطاعاه‏;‏ فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد‏;‏ وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة‏.‏


‏{‏بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ أي‏:‏ آدم وذريته‏;‏ أعداء لإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو‏;‏ يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق‏;‏ وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا‏,‏ تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى ‏{‏إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا‏}‏


ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ‏}‏ أي‏:‏ مسكن وقرار، ‏{‏وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏ انقضاء آجالكم‏,‏ ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها‏,‏ وخلقت لكم، ففيها أن مدة هذه الحياة‏,‏ مؤقتة عارضة‏,‏ ليست مسكنا حقيقيا‏,‏ وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار‏,‏ ولا تعمر للاستقرار‏.‏


‏[‏37‏]‏ ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ‏}‏


‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ‏}‏ أي‏:‏ تلقف وتلقن‏,‏ وألهمه الله ‏{‏مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ‏}‏ وهي قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا‏}‏ الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته ‏{‏فَتَابَ‏}‏ الله ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ ورحمه ‏{‏إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ‏}‏ لمن تاب إليه وأناب‏.‏


وتوبته نوعان‏:‏ توفيقه أولا‏,‏ ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيًا‏.‏


‏{‏الرَّحِيمِ‏}‏ بعباده‏,‏ ومن رحمته بهم‏,‏ أن وفقهم للتوبة‏,‏ وعفا عنهم وصفح‏.‏




_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه (٣٨ ) إلى (٤٨) °•   السبت مايو 31, 2014 6:31 am

[‏38 ـ 39‏]‏ ‏{‏قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}‏
كرر الإهباط‏,‏ ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى‏}‏ أي‏:‏ أيَّ وقت وزمان جاءكم مني ـ يا معشر الثقلين ـ هدى‏,‏ أي‏:‏ رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني‏,‏ ويدنيكم مني‏;‏ ويدنيكم من رضائي، ‏{‏فمن تبع هداي‏}‏ منكم‏,‏ بأن آمن برسلي وكتبي‏,‏ واهتدى بهم‏,‏ وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب‏,‏ والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، ‏{‏فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏
وفي الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى‏}‏
فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء‏:‏
نفي الخوف والحزن والفرق بينهما‏,‏ أن المكروه إن كان قد مضى‏,‏ أحدث الحزن‏,‏ وإن كان منتظرًا‏,‏ أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا‏,‏ حصل ضدهما‏,‏ وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه‏,‏ حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه‏,‏ من الخوف‏,‏ والحزن‏,‏ والضلال‏,‏ والشقاء، فحصل له المرغوب‏,‏ واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه‏,‏ فكفر به‏,‏ وكذب بآياته‏.‏
فـ ‏{‏أولئك أصحاب النار‏}‏ أي‏:‏ الملازمون لها‏,‏ ملازمة الصاحب لصاحبه‏,‏ والغريم لغريمه، ‏{‏هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون‏.‏
وفي هذه الآيات وما أشبهها‏,‏ انقسام الخلق من الجن والإنس‏,‏ إلى أهل السعادة‏,‏ وأهل الشقاوة‏,‏ وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب‏,‏ كما أنهم مثلهم‏,‏ في الأمر والنهي‏.‏
ثم شرع تعالى يذكِّر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال‏:‏
‏[‏40 ـ 43‏]‏ ‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏}
‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ المراد بإسرائيل‏:‏ يعقوب عليه السلام، والخطاب مع فرق بني إسرائيل‏,‏ الذين بالمدينة وما حولها‏,‏ ويدخل فيهم من أتى من بعدهم‏,‏ فأمرهم بأمر عام، فقال‏:‏ ‏{‏اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏}‏ وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافًا‏,‏ وباللسان ثناء‏,‏ وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه‏.‏
‏{‏وَأَوْفُوا بِعَهْدِي‏}‏ وهو ما عهده إليهم من الإيمان به‏,‏ وبرسله وإقامة شرعه‏.‏
‏{‏أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏}‏ وهو المجازاة على ذلك‏.‏
والمراد بذلك‏:‏ ما ذكره الله في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}‏
ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده‏,‏ وهو الرهبة منه تعالى‏,‏ وخشيته وحده‏,‏ فإن مَنْ خشِيَه أوجبت له خشيته امتثال أمره واجتناب نهيه‏.‏
ثم أمرهم بالأمر الخاص‏,‏ الذي لا يتم إيمانهم‏,‏ ولا يصح إلا به فقال‏:‏ ‏{‏وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ‏}‏ وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمرهم بالإيمان به‏,‏ واتباعه‏,‏ ويستلزم ذلك‏,‏ الإيمان بمن أنزل عليه، وذكر الداعي لإيمانهم به، فقال‏:‏ ‏{‏مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب‏,‏ غير مخالف لها‏;‏ فلا مانع لكم من الإيمان به‏,‏ لأنه جاء بما جاءت به المرسلون‏,‏ فأنتم أولى من آمن به وصدق به‏,‏ لكونكم أهل الكتب والعلم‏.‏
وأيضًا فإن في قوله‏:‏ ‏{‏مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ‏}‏ إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به‏,‏ عاد ذلك عليكم‏,‏ بتكذيب ما معكم‏,‏ لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، فتكذيبكم له تكذيب لما معكم‏.‏
وأيضًا‏,‏ فإن في الكتب التي بأيدكم‏,‏ صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به، فإن لم تؤمنوا به‏,‏ كذبتم ببعض ما أنزل إليكم‏,‏ ومن كذب ببعض ما أنزل إليه‏,‏ فقد كذب بجميعه، كما أن من كفر برسول‏,‏ فقد كذب الرسل جميعهم‏.‏
فلما أمرهم بالإيمان به‏,‏ نهاهم وحذرهم من ضده وهو الكفر به فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بالرسول والقرآن‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ‏}‏ أبلغ من قوله‏:‏ ‏{‏ولا تكفروا به‏}‏ لأنهم إذا كانوا أول كافر به‏,‏ كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به‏,‏ عكس ما ينبغي منهم‏,‏ وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم‏.‏
ثم ذكر المانع لهم من الإيمان‏,‏ وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا‏}‏ وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل‏,‏ التي يتوهمون انقطاعها‏,‏ إن آمنوا بالله ورسوله‏,‏ فاشتروها بآيات الله واستحبوها‏,‏ وآثروها‏.‏
‏{‏وَإِيَّايَ‏}‏ أي‏:‏ لا غيري ‏{‏فَاتَّقُونِ‏}‏ فإنكم إذا اتقيتم الله وحده‏,‏ أوجبت لكم تقواه‏,‏ تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل‏,‏ فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَلْبِسُوا‏}‏ أي‏:‏ تخلطوا ‏{‏الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ‏}‏ فنهاهم عن شيئين‏,‏ عن خلط الحق بالباطل‏,‏ وكتمان الحق؛ لأن المقصود من أهل الكتب والعلم‏,‏ تمييز الحق‏,‏ وإظهار الحق‏,‏ ليهتدي بذلك المهتدون‏,‏ ويرجع الضالون‏,‏ وتقوم الحجة على المعاندين؛ لأن الله فصل آياته وأوضح بيناته‏,‏ ليميز الحق من الباطل‏,‏ ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم‏,‏ فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم‏.‏
ومن لبس الحق بالباطل‏,‏ فلم يميز هذا من هذا‏,‏ مع علمه بذلك‏,‏ وكتم الحق الذي يعلمه‏,‏ وأمر بإظهاره‏,‏ فهو من دعاة جهنم‏,‏ لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم‏,‏ فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ‏}‏ أي‏:‏ ظاهرا وباطنا ‏{‏وَآتُوا الزَّكَاةَ‏}‏ مستحقيها، ‏{‏وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏}‏ أي‏:‏ صلوا مع المصلين، فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآيات الله‏,‏ فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة‏,‏ وبين الإخلاص للمعبود‏,‏ والإحسان إلى عبيده، وبين العبادات القلبية البدنية والمالية‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏}‏ أي‏:‏ صلوا مع المصلين‏,‏ ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها، وفيه أن الركوع ركن من أركان الصلاة لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها‏.‏
‏[‏44‏]‏ ‏{‏أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ‏}‏
‏{‏أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ‏}‏ أي‏:‏ بالإيمان والخير ‏{‏وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ تتركونها عن أمرها بذلك، والحال‏:‏ ‏{‏وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ وأسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير‏,‏ وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به‏,‏ وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله‏,‏ أو نهاه عن الشر فلم يتركه‏,‏ دل على عدم عقله وجهله‏,‏ خصوصًا إذا كان عالما بذلك‏,‏ قد قامت عليه الحجة‏.‏
وهذه الآية‏,‏ وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل‏,‏ فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ‏}‏ وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف‏,‏ والنهي عن المنكر‏,‏ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين‏:‏ أمر غيره ونهيه‏,‏ وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما‏,‏ لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين‏,‏ والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر‏,‏ فليس في رتبة الأول‏,‏ وهو دون الأخير، وأيضًا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة‏.‏
‏[‏45 ـ 48‏]‏ ‏{‏وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏
أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها‏,‏ والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور‏,‏ ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان‏,‏ وتنهى عن الفحشاء والمنكر‏,‏ يستعان بها على كل أمر من الأمور ‏{‏وَإِنَّهَا‏}‏ أي‏:‏ الصلاة ‏{‏لَكَبِيرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ شاقة ‏{‏إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ‏}‏ فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع‏,‏ وخشية الله‏,‏ ورجاء ما عنده يوجب له فعلها‏,‏ منشرحا صدره لترقبه للثواب‏,‏ وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك‏,‏ فإنه لا داعي له يدعوه إليها‏,‏ وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه‏.‏
والخشوع هو‏:‏ خضوع القلب وطمأنينته‏,‏ وسكونه لله تعالى‏,‏ وانكساره بين يديه‏,‏ ذلا وافتقارا‏,‏ وإيمانا به وبلقائه‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَظُنُّونَ‏}‏ أي‏:‏ يستيقنون ‏{‏أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ‏}‏ فيجازيهم بأعمالهم ‏{‏وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ‏}‏ فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات‏,‏ ونفس عنهم الكربات‏,‏ وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه‏,‏ كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه‏.‏
ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته‏,‏ وعظا لهم‏,‏ وتحذيرا وحثا‏.‏
وخوفهم بيوم القيامة الذي ‏{‏لَا تَجْزِي‏}‏ فيه، أي‏:‏ لا تغني ‏{‏نَفْسٌ‏}‏ ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين ‏{‏عَنْ نَفْسٍ‏}‏ ولو كانت من العشيرة الأقربين ‏{‏شيئًا‏}‏ لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه‏.‏
‏{‏وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ النفس‏,‏ شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له‏,‏ ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة، ‏{‏وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ أي‏:‏ فداء ‏{‏ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب‏}‏ ولا يقبل منهم ذلك ‏{‏وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله‏:‏ ‏{‏لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئًا‏}‏ هذا في تحصيل المنافع، ‏{‏وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏ هذا في دفع المضار‏,‏ فهذا النفي للأمر المستقل به النافع‏.‏
‏{‏ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل‏}‏ هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض‏,‏ كالعدل‏,‏ أو بغيره‏,‏ كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين‏,‏ لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع‏,‏ وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع‏,‏ ويدفع المضار‏,‏ فيعبده وحده لا شريك له ويستعينه على عبادته‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه (٤٩ ) إلى (٥٧) °•    الأحد يونيو 01, 2014 12:18 am




[49 ـ 57‏]‏ ‏{‏وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏
هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏}‏ أي‏:‏ من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك ‏{‏يَسُومُونَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يولونهم ويستعملونهم، ‏{‏سُوءَ الْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ أشده بأن كانوا ‏{‏يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ‏}‏ خشية نموكم، ‏{‏وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم‏.‏
{‏وَفِي ذَلِكم‏}‏ أي‏:‏ الإنجاء ‏{‏بَلَاءٌ‏}‏ أي‏:‏ إحسان ‏{‏مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏ فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره‏.‏
ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده‏,‏ أي‏:‏ ذهابه‏.‏
‏{‏وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ‏}‏ عالمون بظلمكم‏,‏ قد قامت عليكم الحجة‏,‏ فهو أعظم جرما وأكبر إثما‏.‏
ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضًا فعفا الله عنكم بسبب ذلك ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ الله‏.‏
‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏ وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله، ‏{‏فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ‏}‏ إما الموت أو الغشية العظيمة، ‏{‏وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‏}‏ وقوع ذلك‏,‏ كل ينظر إلى صاحبه، ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏
ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال‏:‏ ‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ‏}‏ وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك‏.‏
‏{‏وَالسَّلْوَى‏}‏ طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم ‏{‏كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ‏}‏ أي‏:‏ رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين‏,‏ فلم يشكروا هذه النعمة‏,‏ واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب‏.‏
‏{‏وَمَا ظَلَمُونَا‏}‏ يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين‏,‏ كما لا تنفعه طاعات الطائعين، ‏{‏وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ فيعود ضرره عليهم‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ٥٩ ) إلى ( ٦١ ) °•    الإثنين يونيو 02, 2014 2:17 am




[58 ـ 59‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}‏
وهذا أيضًا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه‏,‏ فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا‏,‏ ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل‏,‏ وهو دخول الباب ‏{‏سجدا‏}‏ أي‏:‏ خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا‏:‏ ‏{‏حِطَّةٌ‏}‏ أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته‏.‏
‏{‏نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ‏}‏ بسؤالكم المغفرة، ‏{‏وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ بأعمالهم‏,‏ أي‏:‏ جزاء عاجل وآجلا‏.‏
‏{‏فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ منهم‏,‏ ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا ‏{‏قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ‏}‏ فقالوا بدل حطة‏:‏ حبة في حنطة، استهانة بأمر الله‏,‏ واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم‏,‏ ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال‏:‏ ‏{‏فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ منهم ‏{‏رِجْزًا‏}‏ أي‏:‏ عذابا ‏{‏مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ بسبب فسقهم وبغيهم‏.‏
‏[‏60‏]‏ ‏{‏وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏}‏
استسقى‏,‏ أي‏:‏ طلب لهم ماء يشربون منه‏.‏
‏{‏فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ‏}‏ إما حجر مخصوص معلوم عنده‏,‏ وإما اسم جنس، ‏{‏فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا‏}‏ وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة، ‏{‏قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ‏}‏ منهم ‏{‏مَشْرَبَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين‏,‏ فلا يزاحم بعضهم بعضًا‏,‏ بل يشربونه متهنئين لا متكدرين‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب، ‏{‏وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ تخربوا على وجه الإفساد‏.‏
‏[‏61‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ‏}
أي‏:‏ واذكروا‏,‏ إذ قلتم لموسى‏,‏ على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها، ‏{‏لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ‏}‏ أي‏:‏ جنس من الطعام‏,‏ وإن كان كما تقدم أنواعا‏,‏ لكنها لا تتغير، ‏{‏فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا‏}‏ أي‏:‏ نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه، ‏{‏وَقِثَّائِهَا‏}‏ وهو الخيار ‏{‏وَفُومِهَا‏}‏ أي‏:‏ ثومها، والعدس والبصل معروف، قال لهم موسي ‏{‏أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى‏}‏ وهو الأطعمة المذكورة، ‏{‏بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ‏}‏ وهو المن والسلوى‏,‏ فهذا غير لائق بكم، فإن هذه الأطعمة التي طلبتم‏,‏ أي مصر هبطتموه وجدتموها، وأما طعامكم الذي من الله به عليكم‏,‏ فهو خير الأطعمة وأشرفها‏,‏ فكيف تطلبون به بدلا‏؟‏
ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه‏,‏ جازاهم من جنس عملهم فقال‏:‏ ‏{‏وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ‏}‏ التي تشاهد على ظاهر أبدًانهم ‏{‏وَالْمَسْكَنَةُ‏}‏ بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة‏,‏ ولا لهم همم عالية‏,‏ بل أنفسهم أنفس مهينة‏,‏ وهممهم أردأ الهمم، ‏{‏وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا‏,‏ إلا أن رجعوا بسخطه عليهم‏,‏ فبئست الغنيمة غنيمتهم‏,‏ وبئست الحالة حالتهم‏.‏
‏{‏ذَلِكَ‏}‏ الذي استحقوا به غضبه ‏{‏بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ‏}‏ الدالات على الحق الموضحة لهم‏,‏ فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم‏,‏ وبما كانوا ‏{‏يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏
وقوله‏:‏ ‏{‏بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏ زيادة شناعة‏,‏ وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق‏,‏ لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم‏.‏
‏{‏ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا‏}‏ بأن ارتكبوا معاصي الله ‏{‏وَكَانُوا يَعْتَدُونَ‏}‏ على عباد الله‏,‏ فإن المعاصي يجر بعضها بعضًا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير‏,‏ ثم ينشأ عنه الذنب الكبير‏,‏ ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك‏,‏ فنسأل الله العافية من كل بلاء‏.‏
واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن‏,‏ وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم‏,‏ ونسبت لهم لفوائد عديدة، منها‏:‏ أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم‏,‏ ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم‏,‏ ما يبين به لكل أحد ‏[‏منهم‏]‏ أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق‏,‏ ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين‏؟‏‏"‏‏.‏
ومنها‏:‏ أن نعمة الله على المتقدمين منهم‏,‏ نعمة واصلة إلى المتأخرين‏,‏ والنعمة على الآباء‏,‏ نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها‏,‏ لأنها نعم تشملهم وتعمهم‏.‏
ومنها‏:‏ أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم‏,‏ مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها‏,‏ حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد‏,‏ وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع‏.‏
لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع‏,‏ وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع‏.‏
ومنها‏:‏ أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها‏,‏ والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه (٢٦) إلى ( ٦٩ ) °•   الثلاثاء يونيو 03, 2014 2:34 am

[‏62‏]‏ ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏


وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة‏,‏ لأن الصابئين‏,‏ الصحيح أنهم من جملة فرق النصارى، فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة‏,‏ واليهود والنصارى‏,‏ والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر‏,‏ وصدقوا رسلهم‏,‏ فإن لهم الأجر العظيم والأمن‏,‏ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر‏,‏ فهو بضد هذه الحال‏,‏ فعليه الخوف والحزن‏.‏


والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف‏,‏ من حيث هم‏,‏ لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد‏,‏ فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن هذا مضمون أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام‏,‏ فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم‏,‏ لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها‏,‏ ومَنْ رحمته وسعت كل شيء‏.‏


وذلك والله أعلم ـ أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم‏,‏ وذكر معاصيهم وقبائحهم‏,‏ ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضًا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم‏.‏ ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها‏,‏ ليتضح الحق‏,‏ ويزول التوهم والإشكال، فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين‏.‏


ثم عاد تبارك وتعالى يوبخ بني إسرائيل بما فعل سلفهم‏:‏


‏[‏63 ـ 64‏]‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏


أي‏:‏ واذكروا ‏{‏إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ‏}‏ وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم‏,‏ برفع الطور فوقهم وقيل لهم‏:‏ ‏{‏خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ‏}‏ من التوراة ‏{‏بِقُوَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ بجد واجتهاد‏,‏ وصبر على أوامر الله، ‏{‏وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ عذاب الله وسخطه‏,‏ أو لتكونوا من أهل التقوى‏.‏


فبعد هذا التأكيد البليغ ‏{‏تَوَلَّيْتُمْ‏}‏ وأعرضتم‏,‏ وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات، ولكن ‏{‏لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏


‏[‏65 ـ 66‏]‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ‏}‏


أي‏:‏ ولقد تقرر عندكم حالة ‏{‏الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ‏}‏ وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ‏}‏ الآيات‏.‏


فأوجب لهم هذا الذنب العظيم‏,‏ أن غضب الله عليهم وجعلهم ‏{‏قِرَدَةً خَاسِئِينَ‏}‏ حقيرين ذليلين‏.‏


وجعل الله هذه العقوبة ‏{‏نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ لمن حضرها من الأمم‏,‏ وبلغه خبرها‏,‏ ممن هو في وقتهم‏.‏ ‏{‏وَمَا خَلْفَهَا‏}‏ أي‏:‏ من بعدهم‏,‏ فتقوم على العباد حجة الله‏,‏ وليرتدعوا عن معاصيه‏,‏ ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات‏.‏


‏[‏67 ـ 74‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏


أي‏:‏ واذكروا ما جرى لكم مع موسى‏,‏ حين قتلتم قتيلاً‏,‏ وادارأتم فيه‏,‏ أي‏:‏ تدافعتم واختلفتم في قاتله‏,‏ حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد ـ لولا تبيين الله لكم ـ يحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل‏:‏ اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره‏,‏ وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض‏,‏ فقالوا‏:‏ ‏{‏أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا‏}‏ فقال نبي الله‏:‏ ‏{‏أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏ فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه‏,‏ وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل‏,‏ استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه‏,‏ فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه‏,‏ والرحمة لعباده‏.‏ فلما قال لهم موسى ذلك‏,‏ علموا أن ذلك صدق فقالوا‏:‏ ‏{‏ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ‏}‏


أي‏:‏ ما سنها‏؟‏ ‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ‏}‏ أي‏:‏ كبيرة ‏{‏وَلَا بِكْرٌ‏}‏ أي‏:‏ صغيرة ‏{‏عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ‏}‏ واتركوا التشديد والتعنت‏.‏


‏{‏قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا‏}‏ أي‏:‏ شديد ‏{‏تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏}‏ من حسنها‏.‏


‏{‏قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا‏}‏ فلم نهتد إلى ما تريد ‏{‏وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ‏}‏


‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ‏}‏ أي‏:‏ مذللة بالعمل، ‏{‏تُثِيرُ الْأَرْضَ‏}‏ بالحراثة ‏{‏وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ‏}‏ أي‏:‏ ليست بساقية، ‏{‏مُسَلَّمَةٌ‏}‏ من العيوب أو من العمل ‏{‏لَا شِيَةَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم‏.‏


‏{‏قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ بالبيان الواضح، وهذا من جهلهم‏,‏ وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة، فلو أنهم اعترضوا أي‏:‏ بقرة لحصل المقصود‏,‏ ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم‏,‏ ولو لم يقولوا ‏"‏إن شاء الله‏"‏ لم يهتدوا أيضًا إليها، ‏{‏فَذَبَحُوهَا‏}‏ أي‏:‏ البقرة التي وصفت بتلك الصفات، ‏{‏وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ‏}‏ بسبب التعنت الذي جرى منهم‏.‏


فلما ذبحوها‏,‏ قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها‏,‏ أي‏:‏ بعضو منها‏,‏ إما معين‏,‏ أو أي عضو منها‏,‏ فليس في تعيينه فائدة‏,‏ فضربوه ببعضها فأحياه الله‏,‏ وأخرج ما كانوا يكتمون‏,‏ فأخبر بقاتله، وكان في إحيائه وهم يشاهدون ما يدل على إحياء الله الموتى، ‏{‏لعلكم تعقلون‏}‏ فتنزجرون عن ما يضركم‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ٧٠ ) إلى ( ٧٦ ) °•   الأربعاء يونيو 04, 2014 4:21 am




[‏67 ـ 74‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}
أي‏:‏ واذكروا ما جرى لكم مع موسى‏,‏ حين قتلتم قتيلاً‏,‏ وادارأتم فيه‏,‏ أي‏:‏ تدافعتم واختلفتم في قاتله‏,‏ حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد ـ لولا تبيين الله لكم ـ يحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل‏:‏ اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره‏,‏ وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض‏,‏ فقالوا‏:‏ ‏{‏أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا‏}‏ فقال نبي الله‏:‏ ‏{‏أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏ فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه‏,‏ وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل‏,‏ استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه‏,‏ فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه‏,‏ والرحمة لعباده‏.‏ فلما قال لهم موسى ذلك‏,‏ علموا أن ذلك صدق فقالوا‏:‏ ‏{‏ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ‏}‏
أي‏:‏ ما سنها‏؟‏ ‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ‏}‏ أي‏:‏ كبيرة ‏{‏وَلَا بِكْرٌ‏}‏ أي‏:‏ صغيرة ‏{‏عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ‏}‏ واتركوا التشديد والتعنت‏.‏
‏{‏قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا‏}‏ أي‏:‏ شديد ‏{‏تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏}‏ من حسنها‏.‏
‏{‏قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا‏}‏ فلم نهتد إلى ما تريد ‏{‏وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ‏}‏
‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ‏}‏ أي‏:‏ مذللة بالعمل، ‏{‏تُثِيرُ الْأَرْضَ‏}‏ بالحراثة ‏{‏وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ‏}‏ أي‏:‏ ليست بساقية، ‏{‏مُسَلَّمَةٌ‏}‏ من العيوب أو من العمل ‏{‏لَا شِيَةَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم‏.‏
‏{‏قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ بالبيان الواضح، وهذا من جهلهم‏,‏ وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة، فلو أنهم اعترضوا أي‏:‏ بقرة لحصل المقصود‏,‏ ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم‏,‏ ولو لم يقولوا ‏"‏إن شاء الله‏"‏ لم يهتدوا أيضًا إليها، ‏{‏فَذَبَحُوهَا‏}‏ أي‏:‏ البقرة التي وصفت بتلك الصفات، ‏{‏وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ‏}‏ بسبب التعنت الذي جرى منهم‏.‏
فلما ذبحوها‏,‏ قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها‏,‏ أي‏:‏ بعضو منها‏,‏ إما معين‏,‏ أو أي عضو منها‏,‏ فليس في تعيينه فائدة‏,‏ فضربوه ببعضها فأحياه الله‏,‏ وأخرج ما كانوا يكتمون‏,‏ فأخبر بقاتله، وكان في إحيائه وهم يشاهدون ما يدل على إحياء الله الموتى، ‏{‏لعلكم تعقلون‏}‏ فتنزجرون عن ما يضركم‏.‏
‏{‏ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ اشتدت وغلظت‏,‏ فلم تؤثر فيها الموعظة، ‏{‏مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم‏,‏ لأن ما شاهدتم‏,‏ مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها ‏{‏كَالْحِجَارَةِ‏}‏ التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار‏,‏ ذاب بخلاف الأحجار‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً‏}‏ أي‏:‏ إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار، وليست ‏"‏أو‏"‏ بمعنى ‏"‏بل‏"‏ ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏}‏ فبهذه الأمور فضلت قلوبكم‏.‏ ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها‏,‏ وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه‏.‏
واعلم أن كثيرًا من المفسرين رحمهم الله‏,‏ قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل‏,‏ ونزلوا عليها الآيات القرآنية‏,‏ وجعلوها تفسيرا لكتاب الله‏,‏ محتجين بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج‏)‏
والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة‏,‏ ولا منزلة على كتاب الله‏,‏ فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك أن مرتبتها كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم‏)‏ فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها‏,‏ وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة‏,‏ التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها‏,‏ معاني لكتاب الله‏,‏ مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق‏.‏
‏[‏75 ـ 78‏]‏ ‏{‏أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ *
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏}‏
هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب‏,‏ أي‏:‏ فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم‏,‏ فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه‏,‏ فيضعون له معاني ما أرادها الله‏,‏ ليوهموا الناس أنها من عند الله‏,‏ وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله‏,‏ فكيف يرجى منهم إيمان لكم‏؟‏‏!‏ فهذا من أبعد الأشياء‏.‏
ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا‏}‏ فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم‏,‏ ما ليس في قلوبهم، ‏{‏وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ‏}‏ فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم‏,‏ فيكون ذلك حجة لهم عليكم‏؟‏
يقولون‏:‏ إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق‏,‏ وما هم عليه باطل‏,‏ فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم ‏{‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ أفلا يكون لكم عقل‏,‏ فتتركون ما هو حجة عليكم‏؟‏ هذا يقوله بعضهم لبعض‏.‏
‏{‏أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم‏,‏ وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين‏,‏ فإن هذا غلط منهم وجهل كبير‏,‏ فإن الله يعلم سرهم وعلنهم‏,‏ فيظهر لعباده ما أنتم عليه‏.‏
‏{‏وَمِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ من أهل الكتاب ‏{‏أُمِّيُّونَ‏}‏ أي‏:‏ عوام‏,‏ ليسوا من أهل العلم، ‏{‏لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط‏,‏ وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم‏,‏ وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم‏.‏
فذكر في هذه الآيات علماءهم‏,‏ وعوامهم‏,‏ ومنافقيهم‏,‏ ومن لم ينافق منهم‏,‏ فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم‏,‏ لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: : •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ٧٧ ) إلى (٨٣) °•   السبت يونيو 07, 2014 6:42 am

 


[‏75 ـ 78‏]‏ ‏{‏أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ *


أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ‏}‏


هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب‏,‏ أي‏:‏ فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم‏,‏ فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه‏,‏ فيضعون له معاني ما أرادها الله‏,‏ ليوهموا الناس أنها من عند الله‏,‏ وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله‏,‏ فكيف يرجى منهم إيمان لكم‏؟‏‏!‏ فهذا من أبعد الأشياء‏.‏


ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا‏}‏ فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم‏,‏ ما ليس في قلوبهم، ‏{‏وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ‏}‏ فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم‏,‏ فيكون ذلك حجة لهم عليكم‏؟‏


يقولون‏:‏ إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق‏,‏ وما هم عليه باطل‏,‏ فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم ‏{‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ أفلا يكون لكم عقل‏,‏ فتتركون ما هو حجة عليكم‏؟‏ هذا يقوله بعضهم لبعض‏.‏


‏{‏أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم‏,‏ وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين‏,‏ فإن هذا غلط منهم وجهل كبير‏,‏ فإن الله يعلم سرهم وعلنهم‏,‏ فيظهر لعباده ما أنتم عليه‏.‏


‏{‏وَمِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ من أهل الكتاب ‏{‏أُمِّيُّونَ‏}‏ أي‏:‏ عوام‏,‏ ليسوا من أهل العلم، ‏{‏لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ‏}‏ أي‏:‏ ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط‏,‏ وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم‏,‏ وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم‏.‏


فذكر في هذه الآيات علماءهم‏,‏ وعوامهم‏,‏ ومنافقيهم‏,‏ ومن لم ينافق منهم‏,‏ فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم‏,‏ لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين‏.‏


‏[‏79‏]‏ ‏{‏فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ‏}‏


توعد تعالى المحرفين للكتاب‏,‏ الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون‏:‏ ‏{‏هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏}‏ وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق‏,‏ وإنما فعلوا ذلك مع علمهم ‏{‏لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا‏}‏ والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس‏,‏ فظلموهم من وجهين‏:‏ من جهة تلبيس دينهم عليهم‏,‏ ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق‏,‏ بل بأبطل الباطل‏,‏ وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما، ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ من التحريف والباطل ‏{‏وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ‏}‏ من الأموال، والويل‏:‏ شدة العذاب والحسرة‏,‏ وفي ضمنها الوعيد الشديد‏.‏


قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله‏:‏ ‏{‏أَفَتَطْمَعُونَ‏}‏ إلى ‏{‏يَكْسِبُونَ‏}‏ فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه‏,‏ وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة‏,‏ على ما أصله من البدع الباطلة‏.‏


وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني‏,‏ وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله‏,‏ لينال به دنيا وقال‏:‏ إنه من عند الله‏,‏ مثل أن يقول‏:‏ هذا هو الشرع والدين‏,‏ وهذا معنى الكتاب والسنة‏,‏ وهذا معقول السلف والأئمة‏,‏ وهذا هو أصول الدين‏,‏ الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة‏,‏ لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله‏.‏


وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة‏,‏ كالرافضة‏,‏ وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء‏.‏


‏[‏80 ـ 82‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏


ذكر أفعالهم القبيحة‏,‏ ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم‏,‏ ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله‏,‏ والفوز بثوابه‏,‏ وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة‏,‏ أي‏:‏ قليلة تعد بالأصابع‏,‏ فجمعوا بين الإساءة والأمن‏.‏


ولما كان هذا مجرد دعوى‏,‏ رد الله تعالى عليهم فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم يا أيها الرسول ‏{‏أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا‏}‏ أي بالإيمان به وبرسله وبطاعته‏,‏ فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل‏.‏ ‏{‏أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}‏‏؟‏ فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما‏:‏ إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا‏,‏ فتكون دعواهم صحيحة‏.‏


وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة‏,‏ فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم، وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا‏,‏ لتكذيبهم كثيرًا من الأنبياء‏,‏ حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم‏,‏ ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون‏,‏ قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم‏,‏ من أعظم المحرمات‏,‏ وأشنع القبيحات‏.‏


ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل أحد‏,‏ يدخل به بنو إسرائيل وغيرهم‏,‏ وهو الحكم الذي لا حكم غيره‏,‏ لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين، فقال‏:‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر كما ذكرتم‏,‏ فإنه قول لا حقيقة له، ولكن ‏{‏مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً‏}‏ وهو نكرة في سياق الشرط‏,‏ فيعم الشرك فما دونه، والمراد به هنا الشرك‏,‏ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ‏}‏ أي‏:‏ أحاطت بعاملها‏,‏ فلم تدع له منفذا‏,‏ وهذا لا يكون إلا الشرك‏,‏ فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته‏.‏


‏{‏فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية‏,‏ وهي حجة عليهم كما ترى‏,‏ فإنها ظاهرة في الشرك‏,‏ وهكذا كل مبطل يحتج بآية‏,‏ أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه‏.‏


‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ بالله وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر، ‏{‏وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين‏:‏ أن تكون خالصة لوجه الله‏,‏ متبعا بها سنة رسوله‏.‏


فحاصل هاتين الآيتين‏,‏ أن أهل النجاة والفوز‏,‏ هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله‏,‏ الكافرون به‏.‏


‏[‏83‏]‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ‏}‏


وهذه الشرائع من أصول الدين‏,‏ التي أمر الله بها في كل شريعة‏,‏ لاشتمالها على المصالح العامة‏,‏ في كل زمان ومكان‏,‏ فلا يدخلها نسخ‏,‏ كأصل الدين، ولهذا أمرنا بها في قوله‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏


فقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به‏,‏ استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة‏,‏ والعهود الموثقة ‏{‏لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ‏}‏ هذا أمر بعبادة الله وحده‏,‏ ونهى عن الشرك به، وهذا أصل الدين‏,‏ فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها‏,‏ فهذا حق الله تعالى على عباده‏,‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا‏}‏ أي‏:‏ أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين‏,‏ أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان‏,‏ والأمر بالشيء نهي عن ضده‏.‏


وللإحسان ضدان‏:‏ الإساءة‏,‏ وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة‏,‏ وهذا محرم‏,‏ لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى‏,‏ والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد‏,‏ بل تكون بالحد‏,‏ كما تقدم‏.‏


ثم أمر بالإحسان إلى الناس عمومًا فقال‏:‏ ‏{‏وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا‏}‏ ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف‏,‏ ونهيهم عن المنكر‏,‏ وتعليمهم العلم‏,‏ وبذل السلام‏,‏ والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب‏.‏


ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله‏,‏ أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق‏,‏ وهو الإحسان بالقول‏,‏ فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار‏,‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏


ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده‏,‏ أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله‏,‏ غير فاحش ولا بذيء‏,‏ ولا شاتم‏,‏ ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق‏,‏ واسع الحلم‏,‏ مجاملا لكل أحد‏,‏ صبورا على ما يناله من أذى الخلق‏,‏ امتثالا لأمر الله‏,‏ ورجاء لثوابه‏.‏


ثم أمرهم بإقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود‏,‏ والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد‏.‏


‏{‏ثُمَّ‏}‏ بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل‏,‏ عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها‏,‏‏,‏ وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم ‏{‏تَوَلَّيْتُمْ‏}‏ على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى‏,‏ وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ‏}‏ هذا استثناء‏,‏ لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم‏,‏ عصمهم الله وثبتهم‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ٨٤) إلى (٨٨) °•   الأحد يونيو 08, 2014 3:19 am




[‏84 ـ 86‏]‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏
وهذا الفعل المذكور في هذه الآية‏,‏ فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج ـ وهم الأنصار ـ كانوا قبل مبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشركين‏,‏ وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود‏,‏ بنو قريظة‏,‏ وبنو النضير‏,‏ وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة‏.‏
فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود‏,‏ فيقتل اليهودي اليهودي‏,‏ ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها‏,‏ وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضًا‏.‏
والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض‏,‏ ولا يخرج بعضهم بعضًا، وإذا وجدوا أسيرا منهم‏,‏ وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين‏,‏ فأنكر الله عليهم ذلك فقال‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ‏}‏ وهو فداء الأسير ‏{‏وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏ وهو القتل والإخراج‏.‏
وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ وقد وقع ذلك فأخزاهم الله‏,‏ وسلط رسوله عليهم‏,‏ فقتل من قتل‏,‏ وسبى من سبى منهم‏,‏ وأجلى من أجلى‏.‏
‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ أعظمه ‏{‏وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏
ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب‏,‏ والإيمان ببعضه فقال‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ‏}‏ توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار‏,‏ فاختاروا النار على العار، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ‏}‏ بل هو باق على شدته‏,‏ ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، ‏{‏وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يدفع عنهم مكروه‏.‏
‏[‏87‏]‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ‏}
يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل لهم كليمه موسى‏,‏ وآتاه التوراة‏,‏ ثم تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة‏,‏ إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن مريم عليه السلام، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر، ‏{‏وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ أي‏:‏ قواه الله بروح القدس‏.‏
قال أكثر المفسرين‏:‏ إنه جبريل عليه السلام‏,‏ وقيل‏:‏ إنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده‏.‏
ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها‏,‏ لما أتوكم ‏{‏بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ‏}‏ عن الإيمان بهم، ‏{‏فَفَرِيقًا‏}‏ منهم ‏{‏كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ‏}‏ فقدمتم الهوى على الهدى‏,‏ وآثرتم الدنيا على الآخرة، وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى‏.‏
‏[‏88‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ‏}
أي‏:‏ اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه‏,‏ يا أيها الرسول‏,‏ بأن قلوبهم غلف‏,‏ أي‏:‏ عليها غلاف وأغطية‏,‏ فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم ـ بزعمهم ـ عذر لعدم العلم‏,‏ وهذا كذب منهم، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أنهم مطرودون ملعونون‏,‏ بسبب كفرهم، فقليلا المؤمن منهم‏,‏ أو قليلا إيمانهم، وكفرهم هو الكثير‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين يونيو 09, 2014 1:01 am

 •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ٨٩) إلى (٩٣) °•  









[89 ـ 90‏]‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ‏}‏
أي‏:‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء‏,‏ المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة‏,‏ وقد علموا به‏,‏ وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب‏,‏ استنصروا بهذا النبي‏,‏ وتوعدوهم بخروجه‏,‏ وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا‏,‏ كفروا به‏,‏ بغيا وحسدًا‏,‏ أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله‏,‏ وغضب عليهم غضبا بعد غضب‏,‏ لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم‏.‏
‏{‏وللكافرين عذاب مهين‏}‏ أي‏:‏ مؤلم موجع‏,‏ وهو صلي الجحيم‏,‏ وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم‏,‏ وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله‏,‏ الكفر به‏,‏ وبكتبه‏,‏ وبرسله‏,‏ مع علمهم وتيقنهم‏,‏ فيكون أعظم لعذابهم‏.‏
‏[‏91 ـ 93‏] ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}‏
أي‏:‏ وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله‏,‏ وهو القرآن استكبروا وعتوا‏,‏ و‏{‏قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ‏}‏ أي‏:‏ بما سواه من الكتب، مع أن الواجب أن يؤمن بما أنزل الله مطلقا‏,‏ سواء أنزل عليهم‏,‏ أو على غيرهم‏,‏ وهذا هو الإيمان النافع‏,‏ الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله‏.‏
وأما التفريق بين الرسل والكتب‏,‏ وزعم الإيمان ببعضها دون بعض‏,‏ فهذا ليس بإيمان‏,‏ بل هو الكفر بعينه‏,‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا‏}‏
ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا‏,‏ وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه‏,‏ فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْحَقُّ‏}‏ فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات‏,‏ والأوامر والنواهي‏,‏ وهو من عند ربهم‏,‏ فالكفر به بعد ذلك كفر بالله‏,‏ وكفر بالحق الذي أنزله‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه‏.‏
فلم تؤمنون بما أنزل عليكم‏,‏ وتكفرون بنظيره‏؟‏ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى‏؟‏
وأيضًا‏,‏ فإن كون القرآن مصدقا لما معهم‏,‏ يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب‏,‏ قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه‏,‏ صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها‏,‏ ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته‏,‏ ثم يأتي هو لبينته وحجته‏,‏ فيقدح فيها ويكذب بها‏;‏ أليس هذا من الحماقة والجنون‏؟‏ فكان كفرهم بالقرآن‏,‏ كفرا بما في أيديهم ونقضا له‏.‏
ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ‏}‏
أي‏:‏ بالأدلة الواضحات المبينة للحق، ‏{‏ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ أي‏:‏ بعد مجيئه ‏{‏وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ‏}‏ في ذلك ليس لكم عذر‏.‏
‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا‏}‏ أي‏:‏ سماع قبول وطاعة واستجابة، ‏{‏قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا‏}‏ أي‏:‏ صارت هذه حالتهم ‏{‏وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ‏}‏ بسبب كفرهم‏.‏
‏{‏قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق‏,‏ وأنتم قتلتم أنبياء الله‏,‏ واتخذتم العجل إلها من دون الله‏,‏ لما غاب عنكم موسى‏,‏ نبي الله‏,‏ ولم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم‏,‏ فالتزمتم بالقول‏,‏ ونقضتم بالفعل، فما هذا الإيمان الذي ادعيتم‏,‏ وما هذا الدين‏؟‏‏.‏
فإن كان هذا إيمانا على زعمكم‏,‏ فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان‏,‏ والكفر برسل الله‏,‏ وكثرة العصيان، وقد عهد أن الإيمان الصحيح‏,‏ يأمر صاحبه بكل خير‏,‏ وينهاه عن كل شر، فوضح بهذا كذبهم‏,‏ وتبين تناقضهم‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: °• تفسير سورة البقرة من آية (94) إلى آية (101) •°   الثلاثاء يونيو 10, 2014 2:01 am




[94 ـ 96‏]‏ ‏{‏قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏


أي‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم على وجه تصحيح دعواهم‏:‏ ‏{‏إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ‏}‏ يعني الجنة ‏{‏خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ‏}‏ كما زعمتم‏,‏ أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى‏,‏ وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فإن كنتم صادقين بهذه الدعوى ‏{‏فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ‏}‏ وهذا نوع مباهلة بينهم وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏


وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم‏,‏ إلا أحد أمرين‏:‏ إما أن يؤمنوا بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم‏,‏ وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم‏,‏ فامتنعوا من ذلك‏.‏


فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله‏,‏ مع علمهم بذلك، ولهذا قال تعالى ‏{‏وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ من الكفر والمعاصي‏,‏ لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى المجازاة بأعمالهم الخبيثة، فالموت أكره شيء إليهم‏,‏ وهم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس‏,‏ حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب‏.‏


ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا فقال‏:‏ ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ وهذا أبلغ ما يكون من الحرص‏,‏ تمنوا حالة هي من المحالات، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور‏,‏ لم يغن عنهم شيئًا ولا دفع عنهم من العذاب شيئًا‏.‏


‏{‏وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏ تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم‏.‏


‏[97 ـ 98‏]‏ ‏{‏قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ‏}‏


أي‏:‏ قل لهؤلاء اليهود‏,‏ الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك‏,‏ أن وليك جبريل عليه السلام‏,‏ ولو كان غيره من ملائكة الله‏,‏ لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت‏,‏ وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك‏,‏ وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك‏,‏ والله هو الذي أمره‏,‏ وأرسله بذلك‏,‏ فهو رسول محض‏.‏


مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض‏,‏ وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالًات‏,‏ والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي‏,‏ لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك‏,‏ كفر بالله وآياته‏,‏ وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل‏,‏ لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله‏.‏


فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله‏,‏ والذي أرسل به‏,‏ والذي أرسل إليه‏,‏ فهذا وجه ذلك‏.‏


‏[‏99‏] ‏{‏وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ‏}‏‏.‏


يقول لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ تحصل بها الهداية لمن استهدى‏,‏ وإقامة الحجة على من عاند‏,‏ وهي في الوضوح والدلالة على الحق‏,‏ قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله‏,‏ وخرج عن طاعة الله‏,‏ واستكبر غاية التكبر‏.‏


‏[‏100‏]‏ ‏{‏أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏


وهذا فيه التعجيب من كثرة معاهداتهم‏,‏ وعدم صبرهم على الوفاء بها‏.‏


فـ ‏"‏كُلَّمَا‏"‏ تفيد التكرار‏,‏ فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما السبب في ذلك‏؟‏ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود، ولو صدق إيمانهم‏,‏ لكانوا مثل من قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏}‏


‏[‏101 ـ 103‏]‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏}‏


أي‏:‏ ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم، وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم‏,‏ فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به، ‏{‏نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ‏}‏ الذي أنزل إليهم أي‏:‏ طرحوه رغبة عنه ‏{‏وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ‏}‏ وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه، وحقيّة ما جاء به‏.‏


تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول‏,‏ فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون‏.‏


ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع‏,‏ ابتلي بالاشتغال بما يضره‏,‏ فمن ترك عبادة الرحمن‏,‏ ابتلي بعبادة الأوثان‏,‏ ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه‏,‏ ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه‏,‏ ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان‏,‏ ومن ترك الذل لربه‏,‏ ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل‏.‏


كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم‏.‏


وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان، بل نزهه الصادق في قيله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ‏}‏ أي‏:‏ بتعلم السحر‏,‏ فلم يتعلمه، ‏{‏وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا‏}‏ بذلك‏.‏


‏{‏يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ‏}‏ من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر‏.‏


‏{‏وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى‏}‏ ينصحاه‏,‏ و ‏{‏يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ‏}‏ أي‏:‏ لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته‏,‏ فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة‏.‏


فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين‏,‏ والسحر الذي يعلمه الملكان‏,‏ فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين‏,‏ وكل يصبو إلى ما يناسبه‏.‏


ثم ذكر مفاسد السحر فقال‏:‏ ‏{‏فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ‏}‏ مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما‏,‏ لأن الله قال في حقهما‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً‏}‏ وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي‏:‏ بإرادة الله، والإذن نوعان‏:‏ إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله‏,‏ كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير‏,‏ ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة‏,‏ فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين‏.‏


ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة‏,‏ ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر‏:‏ ‏{‏قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا‏}‏ فهذا السحر مضرة محضة‏,‏ فليس له داع أصلا‏,‏ فالمنهيات كلها إما مضرة محضة‏,‏ أو شرها أكبر من خيرها‏.‏


كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها‏.‏


‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُوا‏}‏ أي‏:‏ اليهود ‏{‏لَمَنِ اشْتَرَاهُ‏}‏ أي‏:‏ رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة‏.‏


‏{‏مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ‏}‏ أي‏:‏ نصيب‏,‏ بل هو موجب للعقوبة‏,‏ فلم يكن فعلهم إياه جهلا‏,‏ ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة‏.‏


‏{‏وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏}‏ علما يثمر العمل ما فعلوه‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى ( ١٠٥ ) °•   الأربعاء يونيو 11, 2014 1:35 am


‏[‏101 ـ 103‏]‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏}‏


أي‏:‏ ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم، وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم‏,‏ فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به، ‏{‏نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ‏}‏ الذي أنزل إليهم أي‏:‏ طرحوه رغبة عنه ‏{‏وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ‏}‏ وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه، وحقيّة ما جاء به‏.‏


تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول‏,‏ فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون‏.‏

ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع‏,‏ ابتلي بالاشتغال بما يضره‏,‏ فمن ترك عبادة الرحمن‏,‏ ابتلي بعبادة الأوثان‏,‏ ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه‏,‏ ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه‏,‏ ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان‏,‏ ومن ترك الذل لربه‏,‏ ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل‏.‏

كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم‏.‏

وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان، بل نزهه الصادق في قيله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ‏}‏ أي‏:‏ بتعلم السحر‏,‏ فلم يتعلمه، ‏{‏وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا‏}‏ بذلك‏.‏

‏{‏يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ‏}‏ من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر‏.‏

‏{‏وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى‏}‏ ينصحاه‏,‏ و ‏{‏يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ‏}‏ أي‏:‏ لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته‏,‏ فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة‏.‏

فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين‏,‏ والسحر الذي يعلمه الملكان‏,‏ فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين‏,‏ وكل يصبو إلى ما يناسبه‏.‏

ثم ذكر مفاسد السحر فقال‏:‏ ‏{‏فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ‏}‏ مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما‏,‏ لأن الله قال في حقهما‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً‏}‏ وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي‏:‏ بإرادة الله، والإذن نوعان‏:‏ إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله‏,‏ كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير‏,‏ ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة‏,‏ فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين‏.‏

ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة‏,‏ ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر‏:‏ ‏{‏قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا‏}‏ فهذا السحر مضرة محضة‏,‏ فليس له داع أصلا‏,‏ فالمنهيات كلها إما مضرة محضة‏,‏ أو شرها أكبر من خيرها‏.‏

كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها‏.‏
‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُوا‏}‏ أي‏:‏ اليهود ‏{‏لَمَنِ اشْتَرَاهُ‏}‏ أي‏:‏ رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة‏.‏

‏{‏مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ‏}‏ أي‏:‏ نصيب‏,‏ بل هو موجب للعقوبة‏,‏ فلم يكن فعلهم إياه جهلا‏,‏ ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة‏.‏


‏{‏وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏}‏ علما يثمر العمل ما فعلوه‏.‏


[ 104 ـ 105‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏}‏

كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين‏:‏ ‏{‏رَاعِنَا‏}‏ أي‏:‏ راع أحوالنا‏,‏ فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا‏,‏ فانتهزوا الفرصة‏,‏ فصاروا يخاطبون الرسول بذلك‏,‏ ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة‏,‏ سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز‏,‏ إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب‏,‏ واستعمال الألفاظ‏,‏ التي لا تحتمل إلا الحسن‏,‏ وعدم الفحش‏,‏ وترك الألفاظ القبيحة‏,‏ أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال‏:‏ ‏{‏وَقُولُوا انْظُرْنَا‏}‏ فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، ‏{‏وَاسْمَعُوا‏}‏ لم يذكر المسموع‏,‏ ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن‏,‏ وسماع السنة التي هي الحكمة‏,‏ لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة‏.‏

ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع‏,‏ وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين‏,‏ أنهم ما يودون ‏{‏أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ‏}‏ أي‏:‏ لا قليلًا ولا كثيرًا ‏{‏مِنْ رَبِّكُمْ‏}‏ حسدا منهم‏,‏ وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ‏{‏ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏}‏ ومن فضله عليكم‏,‏ إنزال الكتاب على رسولكم‏,‏ ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة‏,‏ ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون‏,‏ فله الحمد والمنة‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: °• تفسير سورة البقرة من الآية (106) إلى آية (112) •°   السبت يونيو 14, 2014 5:57 am

[‏106 ـ 107‏]‏ ‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السموات وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ‏}‏


النسخ‏:‏ هو النقل‏,‏ فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع‏,‏ إلى حكم آخر‏,‏ أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ‏,‏ ويزعمون أنه لا يجوز‏,‏ وهو مذكور عندهم في التوراة‏,‏ فإنكارهم له كفر وهوى محض‏.‏


فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية ‏{‏أَوْ نُنْسِهَا‏}‏ أي‏:‏ ننسها العباد‏,‏ فنزيلها من قلوبهم، ‏{‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا‏}‏ وأنفع لكم ‏{‏أَوْ مِثْلِهَا‏}‏


فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالى يزداد خصوصًا على هذه الأمة‏,‏ التي سهل عليها دينها غاية التسهيل‏.‏


وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السموات وَالْأَرْضِ‏}‏


فإذا كان مالكا لكم‏,‏ متصرفا فيكم‏,‏ تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه‏,‏ فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير‏,‏ كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام‏.‏ فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية‏,‏ فما له والاعتراض‏؟‏


وهو أيضًا‏,‏ ولي عباده‏,‏ ونصيرهم، فيتولاهم في تحصيل منافعهم‏,‏ وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم‏,‏ أن يشرع لهم من الأحكام‏,‏ ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم‏.‏


ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ‏,‏ عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده‏,‏ وإيصالهم إلى مصالحهم‏,‏ من حيث لا يشعرون بلطفه‏.‏


‏[‏108 ـ 110‏]‏ ‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏


ينهى الله المؤمنين‏,‏ أو اليهود‏,‏ بأن يسألوا رسولهم ‏{‏كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ‏}‏ والمراد بذلك‏,‏ أسئلة التعنت والاعتراض‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏


وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏}‏ فهذه ونحوها‏,‏ هي المنهي عنها‏.‏


وأما سؤال الاسترشاد والتعلم‏,‏ فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى ‏{‏فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ ويقررهم عليه‏,‏ كما في قوله ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ‏}‏ و ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى‏}‏ ونحو ذلك‏.‏


ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة‏,‏ قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}‏


ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب‏,‏ وأنهم بلغت بهم الحال‏,‏ أنهم ودوا ‏{‏لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا‏}‏ وسعوا في ذلك‏,‏ وأعملوا المكايد‏,‏ وكيدهم راجع عليهم ‏[‏كما‏]‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم‏.‏


فأمرهم الله بمقابلة من أساء إليهم غاية الإساءة بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره‏.‏


ثم بعد ذلك‏,‏ أتى الله بأمره إياهم بالجهاد‏,‏ فشفى الله أنفس المؤمنين منهم‏,‏ فقتلوا من قتلوا‏,‏ واسترقوا من استرقوا‏,‏ وأجلوا من أجلوا ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏


ثم أمرهم ‏[‏الله‏]‏ بالاشتغال في الوقت الحاضر‏,‏ بإقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير‏,‏ فإنه لا يضيع عند الله‏,‏ بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه ‏{‏إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏


‏[‏111 ـ 112‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏


أي‏:‏ قال اليهود‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم‏,‏ وهذا مجرد أماني غير مقبولة‏,‏ إلا بحجة وبرهان‏,‏ فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى‏,‏ لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا‏,‏ فلو قلبت عليه دعواه‏,‏ وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان‏,‏ علم كذبهم بتلك الدعوى‏.‏


ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد‏,‏ فقال‏:‏ ‏{‏بَلَى‏}‏ أي‏:‏ ليس بأمانيكم ودعاويكم‏,‏ ولكن ‏{‏مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏ أي‏:‏ أخلص لله أعماله‏,‏ متوجها إليه بقلبه، ‏{‏وَهُوَ‏}‏ مع إخلاصه ‏{‏مُحْسِنٌ‏}‏ في عبادة ربه‏,‏ بأن عبده بشرعه‏,‏ فأولئك هم أهل الجنة وحدهم‏.‏


‏{‏فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏}‏ وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم، ‏{‏وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ فحصل لهم المرغوب‏,‏ ونجوا من المرهوب‏.‏


ويفهم منها‏,‏ أن من ليس كذلك‏,‏ فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود‏,‏ والمتابعة للرسول‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١١٣ ) إلى ( ١١٩ ) °• تفسير السعدي   الأحد يونيو 15, 2014 1:31 am

[‏113‏]‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏
وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد‏,‏ إلى أن بعضهم ضلل بعضًا‏,‏ وكفر بعضهم بعضًا‏,‏ كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم‏.‏
فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى‏,‏ ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل‏,‏ الذي أخبر به عباده‏,‏ فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء والمرسلين‏,‏ وامتثل أوامر ربه‏,‏ واجتنب نواهيه‏,‏ ومن عداهم‏,‏ فهو هالك‏.‏


‏[‏114‏]‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}
أي‏:‏ لا أحد أظلم وأشد جرما‏,‏ ممن منع مساجد الله‏,‏ عن ذكر الله فيها‏,‏ وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات‏.‏
‏{‏وَسَعَى‏}‏ أي‏:‏ اجتهد وبذل وسعه ‏{‏فِي خَرَابِهَا‏}‏ الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي‏:‏ هدمها وتخريبها‏,‏ وتقذيرها، والخراب المعنوي‏:‏ منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام‏,‏ لكل من اتصف بهذه الصفة‏,‏ فيدخل في ذلك أصحاب الفيل‏,‏ وقريش‏,‏ حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية‏,‏ والنصارى حين أخربوا بيت المقدس‏,‏ وغيرهم من أنواع الظلمة‏,‏ الساعين في خرابها‏,‏ محادة لله‏,‏ ومشاقة، فجازاهم الله‏,‏ بأن منعهم دخولها شرعًا وقدرًا‏,‏ إلا خائفين ذليلين‏,‏ فلما أخافوا عباد الله‏,‏ أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله‏,‏ لم يلبث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا يسيرا‏,‏ حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته‏,‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا‏}‏
وأصحاب الفيل‏,‏ قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى‏,‏ سلط الله عليهم المؤمنين‏,‏ فأجلوهم عنه‏.‏
وهكذا كل من اتصف بوصفهم‏,‏ فلا بد أن يناله قسطه‏,‏ وهذا من الآيات العظيمة‏,‏ أخبر بها الباري قبل وقوعها‏,‏ فوقعت كما أخبر‏.‏
واستدل العلماء بالآية الكريمة‏,‏ على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد‏.‏
‏{‏لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ‏}‏ أي‏:‏ فضيحة كما تقدم ‏{‏وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏
وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه‏,‏ فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏
بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها‏,‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏}‏
وللمساجد أحكام كثيرة‏,‏ يرجع حاصلها إلى مضون هذه الآيات الكريمة‏.‏


‏[‏115‏]‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏
أي‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ‏}‏ خصهما بالذكر‏,‏ لأنهما محل الآيات العظيمة‏,‏ فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها‏,‏ كان مالكا لكل الجهات‏.‏
‏{‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا‏}‏ وجوهكم من الجهات‏,‏ إذا كان توليكم إياها بأمره‏,‏ إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس‏,‏ أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها‏,‏ فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة‏,‏ فيتحرى الصلاة إليها‏,‏ ثم يتبين له الخطأ‏,‏ أو يكون معذورًا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور‏,‏ إما أن يكون العبد فيها معذورًا أو مأمورًا‏.‏
وبكل حال‏,‏ فما استقبل جهة من الجهات‏,‏ خارجة عن ملك ربه‏.‏
‏{‏فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ فيه إثبات الوجه لله تعالى‏,‏ على الوجه اللائق به تعالى‏,‏ وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه‏,‏ وهو ـ تعالى ـ واسع الفضل والصفات عظيمها‏,‏ عليم بسرائركم ونياتكم‏.‏
فمن سعته وعلمه‏,‏ وسع لكم الأمر‏,‏ وقبل منكم المأمور‏,‏ فله الحمد والشكر‏.‏


‏[‏116 ـ 117‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السموات وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السموات وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}
‏{‏وَقَالُوا‏}‏ أي‏:‏ اليهود والنصارى والمشركون‏,‏ وكل من قال ذلك‏:‏ ‏{‏اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا‏}‏ فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله‏,‏ وأساءوا كل الإساءة‏,‏ وظلموا أنفسهم‏.‏
وهو ـ تعالى ـ صابر على ذلك منهم‏,‏ قد حلم عليهم‏,‏ وعافاهم‏,‏ ورزقهم مع تنقصهم إياه‏.‏
‏{‏سُبْحَانَهُ‏}‏ أي‏:‏ تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق‏,‏ من جميع الوجوه‏,‏ الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه‏.‏
ومع رده لقولهم‏,‏ أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال‏:‏ ‏{‏بَلْ لَهُ مَا فِي السموات وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ جميعهم ملكه وعبيده‏,‏ يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك‏,‏ وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده‏,‏ مفتقرين إليه‏,‏ وهو غني عنهم‏,‏ فكيف يكون منهم أحد‏,‏ يكون له ولدا‏,‏ والولد لا بد أن يكون من جنس والده‏,‏ لأنه جزء منه‏.‏
والله تعالى المالك القاهر‏,‏ وأنتم المملوكون المقهورون‏,‏ وهو الغني وأنتم الفقراء، فكيف مع هذا‏,‏ يكون له ولد‏؟‏ هذا من أبطل الباطل وأسمجه‏.‏
والقنوت نوعان‏:‏ قنوت عام‏:‏ وهو قنوت الخلق كلهم‏,‏ تحت تدبير الخالق، وخاص‏:‏ وهو قنوت العبادة‏.‏
فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني‏:‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏بَدِيعُ السموات وَالْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق‏.‏
‏{‏وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ فلا يستعصى عليه‏,‏ ولا يمتنع منه‏.‏
[‏118 ـ 119‏]‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ‏}
أي‏:‏ قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم‏:‏ هلا يكلمنا‏,‏ كما كلم الرسل، ‏{‏أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ‏}‏ يعنون آيات الاقتراح‏,‏ التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة‏,‏ وآرائهم الكاسدة‏,‏ التي تجرأوا بها على الخالق‏,‏ واستكبروا على رسله كقولهم‏:‏ ‏{‏لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ‏}‏ الآية، وقالوا‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ‏}‏ الآيات وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا‏}‏ الآيات‏.‏
فهذا دأبهم مع رسلهم‏,‏ يطلبون آيات التعنت‏,‏ لا آيات الاسترشاد‏,‏ ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل‏,‏ قد جاءوا من الآيات‏,‏ بما يؤمن بمثله البشر‏,‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ فكل موقن‏,‏ فقد عرف من آيات الله الباهرة‏,‏ وبراهينه الظاهرة‏,‏ ما حصل له به اليقين‏,‏ واندفع عنه كل شك وريب‏.‏
ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحة ما جاء به فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏ فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها‏,‏ وهي ترجع إلى ثلاثة أمور‏:‏
الأول‏:‏ في نفس إرساله‏,‏ والثاني‏:‏ في سيرته وهديه ودله، والثالث‏:‏ في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة‏.‏
فالأول والثاني‏,‏ قد دخلا في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ‏}‏ والثالث دخل في قوله‏:‏ ‏{‏بِالْحَقِّ‏}‏
وبيان الأمر الأول وهو ـ نفس إرساله ـ أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران‏,‏ والصلبان‏,‏ وتبديلهم للأديان‏,‏ حتى كانوا في ظلمة من الكفر‏,‏ قد عمتهم وشملتهم‏,‏ إلا بقايا من أهل الكتاب‏,‏ قد انقرضوا قبيل البعثة‏.‏
وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى‏,‏ ولم يتركهم هملا‏,‏ لأنه حكيم عليم‏,‏ قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده‏,‏ أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم‏,‏ يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له‏,‏ فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه‏,‏ وهو آية كبيرة على أنه رسول الله، وأما الثاني‏:‏ فمن عرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معرفة تامة‏,‏ وعرف سيرته وهديه قبل البعثة‏,‏ ونشوءه على أكمل الخصال‏,‏ ثم من بعد ذلك‏,‏
قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين‏,‏ فمن عرفها‏,‏ وسبر أحواله‏,‏ عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين‏,‏ لأن الله تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم‏.‏
وأما الثالث‏:‏ فهو معرفة ما جاء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشرع العظيم‏,‏ والقرآن الكريم‏,‏ المشتمل على الإخبارات الصادقة‏,‏ والأوامر الحسنة‏,‏ والنهي عن كل قبيح‏,‏ والمعجزات الباهرة‏,‏ فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة‏.‏
قوله‏:‏ ‏{‏بَشِيرًا‏}‏ أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، ‏{‏نَذِيرًا‏}‏ لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي‏.‏
‏{‏وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ‏}‏ أي‏:‏ لست مسئولا عنهم‏,‏ إنما عليك البلاغ‏,‏ وعلينا الحساب‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١٢٠) إلى ( ١٢٦ ) °• تفسير السعدي   الإثنين يونيو 16, 2014 4:27 am

[‏120‏]‏ ‏{‏وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ *‏}‏
يخبر تعالى رسوله‏,‏ أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى‏,‏ إلا باتباعه دينهم‏,‏ لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه‏,‏ ويزعمون أنه الهدى، فقل لهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ هُدَى اللَّهِ‏}‏ الذي أرسلت به ‏{‏هُوَ الْهُدَى‏}‏
وأما ما أنتم عليه‏,‏ فهو الهوى بدليل قوله ‏{‏وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ‏}‏
فهذا فيه النهي العظيم‏,‏ عن اتباع أهواء اليهود والنصارى‏,‏ والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ‏,‏ لا بخصوص السبب‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ *‏}‏
يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب‏,‏ ومنَّ عليهم به منة مطلقة‏,‏ أنهم ‏{‏يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ يتبعونه حق اتباعه‏,‏ والتلاوة‏:‏ الاتباع، فيحلون حلاله‏,‏ ويحرمون حرامه‏,‏ ويعملون بمحكمه‏,‏ ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب‏,‏ الذين عرفوا نعمة الله وشكروها‏,‏ وآمنوا بكل الرسل‏,‏ ولم يفرقوا بين أحد منهم‏.‏
فهؤلاء‏,‏ هم المؤمنون حقا‏,‏ لا من قال منهم‏:‏ ‏{‏نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه‏}‏
ولهذا توعدهم بقوله ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏ وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها‏.‏
‏[‏124 ـ 125‏]‏ ‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ‏}‏
يخبر تعالى‏,‏ عن عبده وخليله‏,‏ إبراهيم عليه السلام‏,‏ المتفق على إمامته وجلالته‏,‏ الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه‏,‏ بل وكذلك المشركون‏:‏ أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات‏,‏ أي‏:‏ بأوامر ونواهي‏,‏ كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده‏,‏ ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء‏,‏ والامتحان من الصادق‏,‏ الذي ترتفع درجته‏,‏ ويزيد قدره‏,‏ ويزكو عمله‏,‏ ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام‏,‏ الخليل عليه السلام‏.‏
فأتم ما ابتلاه الله به‏,‏ وأكمله ووفاه‏,‏ فشكر الله له ذلك‏,‏ ولم يزل الله شكورا فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ أي‏:‏ يقتدون بك في الهدى‏,‏ ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية‏,‏ ويحصل لك الثناء الدائم‏,‏ والأجر الجزيل‏,‏ والتعظيم من كل أحد‏.‏
وهذه ـ لعمر الله ـ أفضل درجة‏,‏ تنافس فيها المتنافسون‏,‏ وأعلى مقام‏,‏ شمر إليه العاملون‏,‏ وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم‏,‏ من كل صديق متبع لهم‏,‏ داع إلى الله وإلى سبيله‏.‏
فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام‏,‏ وأدرك هذا‏,‏ طلب ذلك لذريته‏,‏ لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضًا من إمامته‏,‏ ونصحه لعباد الله‏,‏ ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية‏,‏ والمقامات السامية‏.‏
فأجابه الرحيم اللطيف‏,‏ وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال‏:‏ ‏{‏لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ لا ينال الإمامة في الدين‏,‏ من ظلم نفسه وضرها‏,‏ وحط قدرها‏,‏ لمنافاة الظلم لهذا المقام‏,‏ فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة‏,‏ والأخلاق الجميلة‏,‏ والشمائل السديدة‏,‏ والمحبة التامة‏,‏ والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام‏؟‏
ودل مفهوم الآية‏,‏ أن غير الظالم‏,‏ سينال الإمامة‏,‏ ولكن مع إتيانه بأسبابها‏.‏
ثم ذكر تعالى‏,‏ نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم‏,‏ وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده‏,‏ ركنا من أركان الإسلام‏,‏ حاطا للذنوب والآثام‏.‏
وفيه من آثار الخليل وذريته‏,‏ ما عرف به إمامته‏,‏ وتذكرت به حالته فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ مرجعا يثوبون إليه‏,‏ لحصول منافعهم الدينية والدنيوية‏,‏ يترددون إليه‏,‏ ولا يقضون منه وطرًا، ‏{‏و‏}‏ جعله ‏{‏أَمْنًا‏}‏ يأمن به كل أحد‏,‏ حتى الوحش‏,‏ وحتى الجمادات كالأشجار‏.‏
ولهذا كانوا في الجاهلية ـ على شركهم ـ يحترمونه أشد الاحترام‏,‏ ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم‏,‏ فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام‏,‏ زاده حرمة وتعظيمًا‏,‏ وتشريفًا وتكريمًا‏.‏
‏{‏وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى‏}‏ يحتمل أن يكون المراد بذلك‏,‏ المقام المعروف الذي قد جعل الآن‏,‏ مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا‏,‏ ركعتا الطواف‏,‏ يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم‏,‏ وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا‏,‏ فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها‏:‏ من الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ ومزدلفة ورمي الجمار والنحر‏,‏ وغير ذلك من أفعال الحج‏.‏
فيكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏مُصَلًّى‏}‏ أي‏:‏ معبدًا‏,‏ أي‏:‏ اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى‏,‏ لدخول المعنى الأول فيه‏,‏ واحتمال اللفظ له‏.‏
‏{‏وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ‏}‏ أي‏:‏ أوحينا إليهما‏,‏ وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك‏,‏ والكفر والمعاصي‏,‏ ومن الرجس والنجاسات والأقذار‏,‏ ليكون ‏{‏لِلطَّائِفِينَ‏}‏ فيه ‏{‏وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ‏}‏ أي‏:‏ المصلين، قدم الطواف‏,‏ لاختصاصه بالمسجد ‏[‏الحرام‏]‏، ثم الاعتكاف‏,‏ لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة‏,‏ مع أنها أفضل‏,‏ لهذا المعنى‏.‏
وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها‏:‏ أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره‏,‏ لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما‏,‏ ويستفرغان وسعهما في ذلك‏.‏
ومنها‏:‏ أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه‏.‏
ومنها‏:‏ أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه‏.‏
‏[‏126‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏
أي‏:‏ وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت‏,‏ أن يجعله الله بلدًا آمنا‏,‏ ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين‏,‏ تأدبا مع الله‏,‏ إذ كان دعاؤه الأول‏,‏ فيه الإطلاق‏,‏ فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم‏.‏
فلما دعا لهم بالرزق‏,‏ وقيده بالمؤمن‏,‏ وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر‏,‏ والعاصي والطائع‏,‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَفَرَ‏}‏ أي‏:‏ أرزقهم كلهم‏,‏ مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله‏,‏ ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر‏,‏ فيتمتع فيها قليلا ‏{‏ثُمَّ أَضْطَرُّهُ‏}‏ أي‏:‏ ألجئه وأخرجه مكرها ‏{‏إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الثلاثاء يونيو 17, 2014 5:32 am

[‏127 ـ 129‏]‏ ‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏
أي‏:‏ واذكر إبراهيم وإسماعيل‏,‏ في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس‏,‏ واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء‏,‏ حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما‏,‏ حتى يحصل فيه النفع العميم‏.‏
ودعوا لأنفسهما‏,‏ وذريتهما بالإسلام‏,‏ الذي حقيقته‏,‏ خضوع القلب‏,‏ وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح‏.‏ ‏{‏وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا‏}‏ أي‏:‏ علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة‏,‏ ليكون أبلغ‏.‏ يحتمل أن يكون المراد بالمناسك‏:‏ أعمال الحج كلها‏,‏ كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله‏,‏ والعبادات كلها‏,‏ كما يدل عليه عموم اللفظ‏,‏ لأن النسك‏:‏ التعبد‏,‏ ولكن غلب على متعبدات الحج‏,‏ تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما‏,‏ يرجع إلى التوفيق للعلم النافع‏,‏ والعمل الصالح، ولما كان العبد ـ مهما كان ـ لا بد أن يعتريه التقصير‏,‏ ويحتاج إلى التوبة قالا‏:‏ ‏{‏وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏}‏
‏{‏رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ‏}‏ أي‏:‏ في ذريتنا ‏{‏رَسُولًا مِنْهُمْ‏}‏ ليكون أرفع لدرجتهما‏,‏ ولينقادوا له‏,‏ وليعرفوه حقيقة المعرفة‏.‏ ‏{‏يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ‏}‏ لفظا‏,‏ وحفظا‏,‏ وتحفيظا ‏{‏وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ معنى‏.‏
‏{‏وَيُزَكِّيهِمْ‏}‏ بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية‏,‏ التي لا تزكي النفوس معها‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ‏}‏ أي‏:‏ القاهر لكل شيء‏,‏ الذي لا يمتنع على قوته شيء‏.‏ ‏{‏الْحَكِيمُ‏}‏ الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك‏,‏ ابعث فيهم هذا الرسول‏.‏ فاستجاب الله لهما‏,‏ فبعث الله هذا الرسول الكريم‏,‏ الذي رحم الله به ذريتهما خاصة‏,‏ وسائر الخلق عامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أنا دعوة أبي إبراهيم‏)‏‏.‏
ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم‏,‏ وأخبر عن صفاته الكاملة قال تعالى‏:‏
‏[‏130 ـ 134‏]‏ ‏{‏وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏
أي‏:‏ ما يرغب ‏{‏عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ بعد ما عرف من فضله ‏{‏إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏ أي‏:‏ جهلها وامتهنها‏,‏ ورضي لها بالدون‏,‏ وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل‏,‏ ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ اخترناه ووفقناه للأعمال‏,‏ التي صار بها من المصطفين الأخيار‏.‏
‏{‏وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ الذين لهم أعلى الدرجات‏.‏
‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ‏}‏ امتثالا لربه ‏{‏أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ إخلاصًا وتوحيدًا‏,‏ ومحبة‏,‏ وإنابة فكان التوحيد لله نعته‏.‏
ثم ورثه في ذريته‏,‏ ووصاهم به‏,‏ وجعلها كلمة باقية في عقبه‏,‏ وتوارثت فيهم‏,‏ حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه‏.‏
فأنتم ـ يا بني يعقوب ـ قد وصاكم أبوكم بالخصوص‏,‏ فيجب عليكم كمال الانقياد‏,‏ واتباع خاتم الأنبياء قال‏:‏ ‏{‏يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ‏}‏ أي‏:‏ اختاره وتخيره لكم‏,‏ رحمة بكم‏,‏ وإحسانا إليكم‏,‏ فقوموا به‏,‏ واتصفوا بشرائعه‏,‏ وانصبغوا بأخلاقه‏,‏ حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه‏,‏ لأن من عاش على شيء‏,‏ مات عليه‏,‏ ومن مات على شيء‏,‏ بعث عليه‏.‏
ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملة إبراهيم‏,‏ ومن بعده يعقوب‏,‏ قال تعالى منكرا عليهم‏:‏ ‏{‏أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ‏}‏ أي‏:‏ حضورا ‏{‏إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ‏}‏ أي‏:‏ مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار‏,‏ ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به‏:‏ ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي‏}‏‏؟‏ فأجابوه بما قرت به عينه فقالوا‏:‏ ‏{‏نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا‏}‏ فلا نشرك به شيئًا‏,‏ ولا نعدل به أحدا، ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ فجمعوا بين التوحيد والعمل‏.‏
ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب‏,‏ لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا‏,‏ فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية‏,‏ لا باليهودية‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏ أي‏:‏ مضت ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ كل له عمله‏,‏ وكل سيجازى بما فعله‏,‏ لا يؤخذ أحد بذنب أحد ولا ينفع أحدا إلا إيمانه وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم‏,‏ أنكم على ملتهم‏,‏ والرضا بمجرد القول‏,‏ أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم‏,‏ أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها‏,‏ هل تصلح للنجاة أم لا‏؟‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من آيه (١٣٥ ) إلى (١٤١ ) °• تفسير السعدي   الأربعاء يونيو 18, 2014 3:11 am

[‏135‏]‏ ‏{‏وَقَالُوا كُونُوا هُو
دًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏
أي‏:‏ دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم‏,‏ زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال‏.‏
قل له مجيبا جوابا شافيا‏:‏ ‏{‏بَلْ‏}‏ نتبع ‏{‏مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا‏}‏ أي‏:‏ مقبلا على الله‏,‏ معرضا عما سواه‏,‏ قائما بالتوحيد‏,‏ تاركا للشرك والتنديد‏.‏
فهذا الذي في اتباعه الهداية‏,‏ وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية‏.‏
‏[‏136‏]‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏
هذه الآية الكريمة‏,‏ قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به‏.‏
واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام‏,‏ بهذه الأصول‏,‏ وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح، وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام‏,‏ وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان‏,‏ وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيمان‏,‏ دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام‏,‏ إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما‏,‏ كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام‏,‏ اسما للأعمال الظاهرة وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُولُوا‏}‏ أي‏:‏ بألسنتكم‏,‏ متواطئة عليها قلوبكم، وهذا هو القول التام‏,‏ المترتب عليه الثواب والجزاء، فكما أن النطق باللسان‏,‏ بدون اعتقاد القلب‏,‏ نفاق وكفر، فالقول الخالي من العمل عمل القلب‏,‏ عديم التأثير‏,‏ قليل الفائدة‏,‏ وإن كان العبد يؤجر عليه‏,‏ إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان، لكن فرق بين القول المجرد‏,‏ والمقترن به عمل القلب‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏قُولُوا‏}‏ إشارة إلى الإعلان بالعقيدة‏,‏ والصدع بها‏,‏ والدعوة لها‏,‏ إذ هي أصل الدين وأساسه‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏آمَنَّا‏}‏ ونحوه مما فيه صدور الفعل‏,‏ منسوبا إلى جميع الأمة‏,‏ إشارة إلى أنه يجب على الأمة‏,‏ الاعتصام بحبل الله جميعا‏,‏ والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدا‏,‏ وعملهم متحدا‏,‏ وفي ضمنه النهي عن الافتراق، وفيه‏:‏ أن المؤمنين كالجسد الواحد‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏}‏ إلخ دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان‏,‏ على وجه التقييد‏,‏ بل على وجوب ذلك، بخلاف قوله‏:‏ ‏"‏أنا مؤمن‏"‏ ونحوه‏,‏ فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة‏,‏ لما فيه من تزكية النفس‏,‏ والشهادة على نفسه بالإيمان‏.‏
فقوله‏:‏ ‏{‏آمَنَّا بِاللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ بأنه موجود‏,‏ واحد أحد‏,‏ متصف بكل صفة كمال‏,‏ منزه عن كل نقص وعيب‏,‏ مستحق لإفراده بالعبادة كلها‏,‏ وعدم الإشراك به في شيء منها‏,‏ بوجه من الوجوه‏.‏
‏{‏وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله‏,‏ من صفات الباري‏,‏ وصفات رسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ والغيوب الماضية والمستقبلة‏,‏ والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية‏,‏ وأحكام الجزاء وغير ذلك‏.‏
‏{‏وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ إلى آخر الآية، فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيمان بالأنبياء عمومًا و خصوصًا‏,‏ ما نص عليه في الآية‏,‏ لشرفهم ولإتيانهم بالشرائع الكبار‏.‏ فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب‏,‏ أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل‏,‏ وجب الإيمان به مفصلًا‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية المسلمين‏,‏ التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين‏.‏
فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم ـ وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب ـ فإنهم يكفرون بغيره، فيفرقون بين الرسل والكتب‏,‏ بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم تصديقهم، فإن الرسول الذي زعموا‏,‏ أنهم قد آمنوا به‏,‏ قد صدق سائر الرسل و خصوصًا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا كذبوا محمدًا‏,‏ فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به‏,‏ فيكون كفرا برسولهم‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ دلالة على أن عطية الدين‏,‏ هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية‏.‏ لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال ونحو ذلك، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع‏.‏
وفيه أن الأنبياء مبلغون عن الله‏,‏ ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه‏,‏ ليس لهم من الأمر شيء‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعباده‏,‏ أن ينزل عليهم الكتب‏,‏ ويرسل إليهم الرسل‏,‏ فلا تقتضي ربوبيته‏,‏ تركهم سدى ولا هملًا‏.‏
وإذا كان ما أوتي النبيون‏,‏ إنما هو من ربهم‏,‏ ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة‏,‏ وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه، فالرسل لا يدعون إلا إلى لخير‏,‏ ولا ينهون إلا عن كل شر، وكل واحد منهم‏,‏ يصدق الآخر‏,‏ ويشهد له بالحق‏,‏ من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم ‏{‏وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كثيرًا‏}‏
وهذا بخلاف من ادعى النبوة‏,‏ فلا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم‏,‏ كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع‏,‏ وعرف ما يدعون إليه‏.‏
فلما بيَّن تعالى جميع ما يؤمن به‏,‏ عمومًا و خصوصًا‏,‏ وكان القول لا يغني عن العمل قال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ خاضعون لعظمته‏,‏ منقادون لعبادته‏,‏ بباطننا وظاهرنا‏,‏ مخلصون له العبادة بدليل تقديم المعمول‏,‏ وهو ‏{‏لَهُ‏}‏ على العامل وهو ‏{‏مُسْلِمُونَ‏}‏
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة ـ على إيجازها واختصارها ـ على أنواع التوحيد الثلاثة‏:‏ توحيد الربوبية‏,‏ وتوحيد الألوهية‏,‏ وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيمان بجميع الرسل‏,‏ وجميع الكتب، وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين‏,‏ ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده‏,‏ كيف يقولون‏,‏ ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء‏,‏ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏.‏
‏[‏137‏]‏ ‏{‏فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏
أي‏:‏ فإن آمن أهل الكتاب ‏{‏بمثل ما آمنتم به‏}‏ ـ يا معشر المؤمنين ـ من جميع الرسل‏,‏ وجميع الكتب‏,‏ الذين أول من دخل فيهم‏,‏ وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقرآن‏,‏ وأسلموا لله وحده‏,‏ ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله ‏{‏فَقَدِ اهْتَدَوْا‏}‏ للصراط المستقيم‏,‏ الموصل لجنات النعيم، أي‏:‏ فلا سبيل لهم إلى الهداية‏,‏ إلا بهذا الإيمان، لا كما زعموا بقولهم‏:‏ ‏{‏كونوا هودا أو نصارى تهتدوا‏}‏ فزعموا أن الهداية خاصة بما كانوا عليه، و ‏"‏الهدى‏"‏ هو العلم بالحق‏,‏ والعمل به‏,‏ وضده الضلال عن العلم والضلال عن العمل بعد العلم‏,‏ وهو الشقاق الذي كانوا عليه‏,‏ لما تولوا وأعرضوا، فالمشاق‏:‏ هو الذي يكون في شق والله ورسوله في شق، ويلزم من المشاقة المحادة‏,‏ والعداوة البليغة‏,‏ التي من لوازمها‏,‏ بذل ما يقدرون عليه من أذية الرسول، فلهذا وعد الله رسوله‏,‏ أن يكفيه إياهم‏,‏ لأنه السميع لجميع الأصوات‏,‏ باختلاف اللغات‏,‏ على تفنن الحاجات‏,‏ العليم بما بين أيديهم وما خلفهم‏,‏ بالغيب والشهادة‏,‏ بالظواهر والبواطن، فإذا كان كذلك‏,‏ كفاك الله شرهم‏.‏
وقد أنجز الله لرسوله وعده‏,‏ وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم‏,‏ وسبى بعضهم‏,‏ وأجلى بعضهم‏,‏ وشردهم كل مشرد‏.‏
ففيه معجزة من معجزات القرآن‏,‏ وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه‏,‏ فوقع طبق ما أخبر‏.‏
‏[‏138‏]‏ ‏{‏صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ‏}‏‏.‏
أي‏:‏ الزموا صبغة الله‏,‏ وهو دينه‏,‏ وقوموا به قيامًا تامًا‏,‏ بجميع أعماله الظاهرة والباطنة‏,‏ وجميع عقائده في جميع الأوقات‏,‏ حتى يكون لكم صبغة‏,‏ وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم‏,‏ أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره‏,‏ طوعا واختيارًا ومحبة‏,‏ وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة‏,‏ فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية‏,‏ لحث الدين على مكارم الأخلاق‏,‏ ومحاسن الأعمال‏,‏ ومعالي الأمور، فلهذا قال ـ على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية ـ ‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً‏}‏ أي‏:‏ لا أحسن صبغة من صبغته‏.‏
وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصبغ‏,‏ فقس الشيء بضده، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا‏,‏ أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن‏,‏ وفعل جميل‏,‏ وخلق كامل‏,‏ ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح‏,‏ ورذيلة وعيب، فوصفه‏:‏ الصدق في قوله وفعله‏,‏ والصبر والحلم‏,‏ والعفة‏,‏ والشجاعة‏,‏ والإحسان القولي والفعلي‏,‏ ومحبة الله وخشيته‏,‏ وخوفه‏,‏ ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود‏,‏ والإحسان لعبيده، فقسه بعبد كفر بربه‏,‏ وشرد عنه‏,‏ وأقبل على غيره من المخلوقين فاتصف بالصفات القبيحة‏,‏ من الكفر‏,‏ والشرك والكذب‏,‏ والخيانة‏,‏ والمكر‏,‏ والخداع‏,‏ وعدم العفة‏,‏ والإساءة إلى الخلق‏,‏ في أقواله‏,‏ وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود‏,‏ ولا إحسان إلى عبيده‏.‏
فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما‏,‏ ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله‏,‏ وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ‏}‏ بيان لهذه الصبغة‏,‏ وهي القيام بهذين الأصلين‏:‏ الإخلاص والمتابعة‏,‏ لأن ‏"‏العبادة‏"‏ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال‏,‏ والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك‏,‏ حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص‏:‏ أن يقصد العبد وجه الله وحده‏,‏ في تلك الأعمال، فتقديم المعمول‏,‏ يؤذن بالحصر‏.‏
وقال‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ‏}‏ فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار‏,‏ ليدل على اتصافهم بذلك وكونه صار صبغة لهم ملازمًا‏.‏
‏[‏139‏]‏ ‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ‏}‏
المحاجة هي‏:‏ المجادلة بين اثنين فأكثر‏,‏ تتعلق بالمسائل الخلافية‏,‏ حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله‏,‏ وإبطال قول خصمه، فكل واحد منهما‏,‏ يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها‏,‏ أن تكون بالتي هي أحسن‏,‏ بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق‏,‏ ويقيم الحجة على المعاند‏,‏ ويوضح الحق‏,‏ ويبين الباطل، فإن خرجت عن هذه الأمور‏,‏ كانت مماراة‏,‏ ومخاصمة لا خير فيها‏,‏ وأحدثت من الشر ما أحدثت، فكان أهل الكتاب‏,‏ يزعمون أنهم أولى بالله من المسلمين‏,‏ وهذا مجرد دعوى‏,‏ تفتقر إلى برهان ودليل‏.‏ فإذا كان رب الجميع واحدا‏,‏ ليس ربا لكم دوننا‏,‏ وكل منا ومنكم له عمله‏,‏ فاستوينا نحن وإياكم بذلك‏.‏ فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره؛ لأن التفريق مع الاشتراك في الشيء‏,‏ من غير فرق مؤثر‏,‏ دعوى باطلة‏,‏ وتفريق بين متماثلين‏,‏ ومكابرة ظاهرة‏.‏ وإنما يحصل التفضيل‏,‏ بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده، وهذه الحالة‏,‏ وصف المؤمنين وحدهم‏,‏ فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لأن الإخلاص‏,‏ هو الطريق إلى الخلاص، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏,‏ بالأوصاف الحقيقية التي يسلمها أهل العقول‏,‏ ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهول، ففي هذه الآية‏,‏ إرشاد لطيف لطريق المحاجة‏,‏ وأن الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين‏,‏ والفرق بين المختلفين‏.‏
‏[‏140‏]‏ ‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏
وهذه دعوى أخرى منهم‏,‏ ومحاجة في رسل الله‏,‏ زعموا أنهم أولى بهؤلاء الرسل المذكورين من المسلمين‏.‏
فرد الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ‏}‏ فالله يقول‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ وهم يقولون‏:‏ بل كان يهوديا أو نصرانيا‏.‏
فإما أن يكونوا‏,‏ هم الصادقين العالمين‏,‏ أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك‏,‏ فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم‏,‏ وهو في غاية الوضوح والبيان، حتى إنه ـ من وضوحه ـ لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق‏,‏ ونحو ذلك‏,‏ لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل‏:‏ الليل أنور‏,‏ أم النهار‏؟‏ والنار أحر أم الماء‏؟‏ والشرك أحسن أم التوحيد‏؟‏ ونحو ذلك‏.‏
وهذا يعرفه كل من له أدنى عقل حتى إنهم بأنفسهم يعرفون ذلك‏,‏ ويعرفون أن إبراهيم وغيره من الأنبياء‏,‏ لم يكونوا هودا ولا نصارى‏,‏ فكتموا هذا العلم وهذه الشهادة‏,‏ فلهذا كان ظلمهم أعظم الظلم‏.‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ‏}‏ فهي شهادة عندهم‏,‏ مودعة من الله‏,‏ لا من الخلق‏,‏ فيقتضي الاهتمام بإقامتها‏,‏ فكتموها‏,‏ وأظهروا ضدها، جمعوا بين كتم الحق‏,‏ وعدم النطق به‏,‏ وإظهار الباطل‏,‏ والدعوة إليه، أليس هذا أعظم الظلم‏؟‏ بلى والله‏,‏ وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بل قد أحصى أعمالهم‏,‏ وعدها وادخر لهم جزاءها‏,‏ فبئس الجزاء جزاؤهم‏,‏ وبئست النار‏,‏ مثوى للظالمين، وهذه طريقة القرآن في ذكر العلم والقدرة‏,‏ عقب الآيات المتضمنة للأعمال التي يجازى عليها‏.‏
فيفيد ذلك الوعد والوعيد‏,‏ والترغيب والترهيب، ويفيد أيضًا ذكر الأسماء الحسنى بعد الأحكام‏,‏ أن الأمر الديني والجزائي‏,‏ أثر من آثارها‏,‏ وموجب من موجباتها‏,‏ وهي مقتضية له‏.‏
‏[‏141‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏
تقدم تفسيرها‏,‏ وكررها‏,‏ لقطع التعلق بالمخلوقين‏,‏ وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان‏,‏ لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال‏,‏ لا بالانتساب المجرد للرجال‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الثلاثاء سبتمبر 02, 2014 6:35 am

ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ



‏[142 ـ 143 ‏] } ﺳَﻴَﻘُﻮﻝُ ﺍﻟﺴُّﻔَﻬَﺎﺀُ ﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻣَﺎ ﻭَﻟَّﺎﻫُﻢْ ﻋَﻦْ
ﻗِﺒْﻠَﺘِﻬِﻢُ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﻛَﺎﻧُﻮﺍ ﻋَﻠَﻴْﻬَﺎ ﻗُﻞْ ﻟِﻠَّﻪِ ﺍﻟْﻤَﺸْﺮِﻕُ ﻭَﺍﻟْﻤَﻐْﺮِﺏُ ﻳَﻬْﺪِﻱ ﻣَﻦْ
ﻳَﺸَﺎﺀُ ﺇِﻟَﻰ ﺻِﺮَﺍﻁٍ ﻣُﺴْﺘَﻘِﻴﻢٍ * ﻭَﻛَﺬَﻟِﻚَ ﺟَﻌَﻠْﻨَﺎﻛُﻢْ ﺃُﻣَّﺔً ﻭَﺳَﻄًﺎ ﻟِﺘَﻜُﻮﻧُﻮﺍ
ﺷُﻬَﺪَﺍﺀَ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻭَﻳَﻜُﻮﻥَ ﺍﻟﺮَّﺳُﻮﻝُ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺷَﻬِﻴﺪًﺍ ﻭَﻣَﺎ ﺟَﻌَﻠْﻨَﺎ
ﺍﻟْﻘِﺒْﻠَﺔَ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﻛُﻨْﺖَ ﻋَﻠَﻴْﻬَﺎ ﺇِﻟَّﺎ ﻟِﻨَﻌْﻠَﻢَ ﻣَﻦْ ﻳَﺘَّﺒِﻊُ ﺍﻟﺮَّﺳُﻮﻝَ ﻣِﻤَّﻦْ ﻳَﻨْﻘَﻠِﺐُ
ﻋَﻠَﻰ ﻋَﻘِﺒَﻴْﻪِ ﻭَﺇِﻥْ ﻛَﺎﻧَﺖْ ﻟَﻜَﺒِﻴﺮَﺓً ﺇِﻟَّﺎ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻫَﺪَﻯ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻭَﻣَﺎ
ﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟِﻴُﻀِﻴﻊَ ﺇِﻳﻤَﺎﻧَﻜُﻢْ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺑِﺎﻟﻨَّﺎﺱِ ﻟَﺮَﺀُﻭﻑٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ{
ﻗﺪ ﺍﺷﺘﻤﻠﺖ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺠﺰﺓ, ﻭﺗﺴﻠﻴﺔ, ﻭﺗﻄﻤﻴﻦ ﻗﻠﻮﺏ
ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ, ﻭﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ﻭﺟﻮﺍﺑﻪ , ﻣﻦ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻭﺟﻪ, ﻭﺻﻔﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺽ,
ﻭﺻﻔﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺩﻳﻨﻪ .
ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﺳﻴﻌﺘﺮﺽ ﺍﻟﺴﻔﻬﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ, ﻭﻫﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻻ
ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ, ﺑﻞ ﻳﻀﻴﻌﻮﻧﻬﺎ ﻭﻳﺒﻴﻌﻮﻧﻬﺎ ﺑﺄﺑﺨﺲ ﺛﻤﻦ,
ﻭﻫﻢ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ, ﻭﻣﻦ ﺃﺷﺒﻬﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺿﻴﻦ ﻋﻠﻰ
ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺷﺮﺍﺋﻌﻪ، ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﺄﻣﻮﺭﻳﻦ
ﺑﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺑﻴﺖ ﺍﻟﻤﻘﺪﺱ , ﻣﺪﺓ ﻣﻘﺎﻣﻬﻢ ﺑﻤﻜﺔ، ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻬﺠﺮﺓ
ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ, ﻧﺤﻮ ﺳﻨﺔ ﻭﻧﺼﻒ ـ ﻟﻤﺎ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ
ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻴﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺑﻌﻀﻬﺎ, ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺃﻣﺮﻫﻢ
ﺑﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ، ﻓﺄﺧﺒﺮﻫﻢ ﺃﻧﻪ ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﺴﻔﻬﺎﺀ ﻣﻦ
ﺍﻟﻨﺎﺱ : } ﻣَﺎ ﻭَﻟَّﺎﻫُﻢْ ﻋَﻦْ ﻗِﺒْﻠَﺘِﻬِﻢُ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﻛَﺎﻧُﻮﺍ ﻋَﻠَﻴْﻬَﺎ{ ﻭﻫﻲ
ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺑﻴﺖ ﺍﻟﻤﻘﺪﺱ، ﺃﻱ : ﺃﻱُّ ﺷﻲﺀ ﺻﺮﻓﻬﻢ ﻋﻨﻪ؟ ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ
ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺷﺮﻋﻪ, ﻭﻓﻀﻠﻪ ﻭﺇﺣﺴﺎﻧﻪ، ﻓﺴﻼﻫﻢ,
ﻭﺃﺧﺒﺮ ﺑﻮﻗﻮﻋﻪ, ﻭﺃﻧﻪ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻘﻊ ﻣﻤﻦ ﺍﺗﺼﻒ ﺑﺎﻟﺴﻔﻪ, ﻗﻠﻴﻞ
ﺍﻟﻌﻘﻞ, ﻭﺍﻟﺤﻠﻢ, ﻭﺍﻟﺪﻳﺎﻧﺔ، ﻓﻼ ﺗﺒﺎﻟﻮﺍ ﺑﻬﻢ, ﺇﺫ ﻗﺪ ﻋﻠﻢ ﻣﺼﺪﺭ ﻫﺬﺍ
ﺍﻟﻜﻼﻡ، ﻓﺎﻟﻌﺎﻗﻞ ﻻ ﻳﺒﺎﻟﻲ ﺑﺎﻋﺘﺮﺍﺽ ﺍﻟﺴﻔﻴﻪ, ﻭﻻ ﻳﻠﻘﻲ ﻟﻪ
ﺫﻫﻨﻪ . ﻭﺩﻟﺖ ﺍﻵﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻠﻪ, ﺇﻻ
ﺳﻔﻴﻪ ﺟﺎﻫﻞ ﻣﻌﺎﻧﺪ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﺮﺷﻴﺪ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ, ﻓﻴﺘﻠﻘﻰ
ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺭﺑﻪ ﺑﺎﻟﻘﺒﻮﻝ, ﻭﺍﻻﻧﻘﻴﺎﺩ, ﻭﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻣَﺎ
ﻛَﺎﻥَ ﻟِﻤُﺆْﻣِﻦٍ ﻭَﻟَﺎ ﻣُﺆْﻣِﻨَﺔٍ ﺇِﺫَﺍ ﻗَﻀَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻭَﺭَﺳُﻮﻟُﻪُ ﺃَﻣْﺮًﺍ ﺃَﻥْ ﻳَﻜُﻮﻥَ
ﻟَﻬُﻢُ ﺍﻟْﺨِﻴَﺮَﺓُ ﻣِﻦْ ﺃَﻣْﺮِﻫِﻢْ{ } ﻓَﻠَﺎ ﻭَﺭَﺑِّﻚَ ﻟَﺎ ﻳُﺆْﻣِﻨُﻮﻥَ ﺣَﺘَّﻰ ﻳُﺤَﻜِّﻤُﻮﻙَ
ﻓِﻴﻤَﺎ ﺷَﺠَﺮَ ﺑَﻴْﻨَﻬُﻢْ{ ﺍﻵﻳﺔ، }ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﻛَﺎﻥَ ﻗَﻮْﻝَ ﺍﻟْﻤُﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ ﺇِﺫَﺍ ﺩُﻋُﻮﺍ
ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺭَﺳُﻮﻟِﻪِ ﻟِﻴَﺤْﻜُﻢَ ﺑَﻴْﻨَﻬُﻢْ ﺃَﻥْ ﻳَﻘُﻮﻟُﻮﺍ ﺳَﻤِﻌْﻨَﺎ ﻭَﺃَﻃَﻌْﻨَﺎ{ ﻭﻗﺪ
ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ } ﺍﻟﺴﻔﻬﺎﺀ { ﻣﺎ ﻳﻐﻨﻲ ﻋﻦ ﺭﺩ ﻗﻮﻟﻬﻢ , ﻭﻋﺪﻡ
ﺍﻟﻤﺒﺎﻻﺓ ﺑﻪ .
ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﻟﻢ ﻳﺘﺮﻙ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺒﻬﺔ, ﺣﺘﻰ ﺃﺯﺍﻟﻬﺎ
ﻭﻛﺸﻔﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﺳﻴﻌﺮﺽ ﻟﺒﻌﺾ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻣﻦ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ, ﻓﻘﺎﻝ
ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻗُﻞْ { ﻟﻬﻢ ﻣﺠﻴﺒﺎ : } ﻟِﻠَّﻪِ ﺍﻟْﻤَﺸْﺮِﻕُ ﻭَﺍﻟْﻤَﻐْﺮِﺏُ ﻳَﻬْﺪِﻱ ﻣَﻦْ
ﻳَﺸَﺎﺀُ ﺇِﻟَﻰ ﺻِﺮَﺍﻁٍ ﻣُﺴْﺘَﻘِﻴﻢٍ { ﺃﻱ : ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻕ ﻭﺍﻟﻤﻐﺮﺏ
ﻣﻠﻜﺎ ﻟﻠﻪ, ﻟﻴﺲ ﺟﻬﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ ﺧﺎﺭﺟﺔ ﻋﻦ ﻣﻠﻜﻪ, ﻭﻣﻊ ﻫﺬﺍ
ﻳﻬﺪﻱ ﻣﻦ ﻳﺸﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺻﺮﺍﻁ ﻣﺴﺘﻘﻴﻢ, ﻭﻣﻨﻪ ﻫﺪﺍﻳﺘﻜﻢ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ
ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻣﻠﺔ ﺃﺑﻴﻜﻢ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ، ﻓﻸﻱ ﺷﻲﺀ ﻳﻌﺘﺮﺽ
ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺽ ﺑﺘﻮﻟﻴﺘﻜﻢ ﻗﺒﻠﺔ ﺩﺍﺧﻠﺔ ﺗﺤﺖ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻘﺒﻠﻮﺍ
ﺟﻬﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻠﻜﺎ ﻟﻪ؟ ﻓﻬﺬﺍ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﻷﻣﺮﻩ, ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺫﻟﻚ،
ﻓﻜﻴﻒ ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ, ﻭﻫﺪﺍﻳﺘﻪ ﻭﺇﺣﺴﺎﻧﻪ, ﺃﻥ ﻫﺪﺍﻛﻢ
ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺎﻟﻤﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻴﻜﻢ, ﻣﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ, ﺣﺴﺪًﺍ ﻟﻜﻢ
ﻭﺑﻐﻴًﺎ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻳَﻬْﺪِﻱ ﻣَﻦْ ﻳَﺸَﺎﺀُ ﺇِﻟَﻰ ﺻِﺮَﺍﻁٍ ﻣُﺴْﺘَﻘِﻴﻢٍ {
ﻭﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻳﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻘﻴﺪ, ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻭﺍﻟﻀﻼﻝ , ﻟﻬﻤﺎ
ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺃﻭﺟﺒﺘﻬﺎ ﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻋﺪﻟﻪ, ﻭﻗﺪ ﺃﺧﺒﺮ ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﻣﻮﺿﻊ
ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺑﺄﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ , ﺍﻟﺘﻲ ﺇﺫﺍ ﺃﺗﻰ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺣﺼﻞ ﻟﻪ
ﺍﻟﻬﺪﻯ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻳَﻬْﺪِﻱ ﺑِﻪِ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣَﻦِ ﺍﺗَّﺒَﻊَ ﺭِﺿْﻮَﺍﻧَﻪُ ﺳُﺒُﻞَ
ﺍﻟﺴَّﻠَﺎﻡِ { ﺫﻛﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻤﻮﺟﺐ ﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ
ﻣﻄﻠﻘﺎ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ, ﻭﻣﻨﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻘﺎﻝ :
} ﻭَﻛَﺬَﻟِﻚَ ﺟَﻌَﻠْﻨَﺎﻛُﻢْ ﺃُﻣَّﺔً ﻭَﺳَﻄًﺎ { ﺃﻱ : ﻋﺪﻻ ﺧﻴﺎﺭﺍ، ﻭﻣﺎ ﻋﺪﺍ
ﺍﻟﻮﺳﻂ, ﻓﺄﻃﺮﺍﻑ ﺩﺍﺧﻠﺔ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺨﻄﺮ، ﻓﺠﻌﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ,
ﻭﺳﻄﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺃﻣﻮﺭ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﺳﻄﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ, ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﻏﻼ
ﻓﻴﻬﻢ, ﻛﺎﻟﻨﺼﺎﺭﻯ, ﻭﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﺟﻔﺎﻫﻢ, ﻛﺎﻟﻴﻬﻮﺩ, ﺑﺄﻥ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﺑﻬﻢ
ﻛﻠﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻼﺋﻖ ﺑﺬﻟﻚ، ﻭﻭﺳﻄﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ, ﻻ
ﺗﺸﺪﻳﺪﺍﺕ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭﺁﺻﺎﺭﻫﻢ, ﻭﻻ ﺗﻬﺎﻭﻥ ﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ .
ﻭﻓﻲ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻄﻬﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻄﺎﻋﻢ, ﻻ ﻛﺎﻟﻴﻬﻮﺩ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﺗﺼﺢ ﻟﻬﻢ
ﺻﻼﺓ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺑﻴﻌﻬﻢ ﻭﻛﻨﺎﺋﺴﻬﻢ, ﻭﻻ ﻳﻄﻬﺮﻫﻢ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻣﻦ
ﺍﻟﻨﺠﺎﺳﺎﺕ, ﻭﻗﺪ ﺣﺮﻣﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﻄﻴﺒﺎﺕ, ﻋﻘﻮﺑﺔ ﻟﻬﻢ، ﻭﻻ
ﻛﺎﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻨﺠﺴﻮﻥ ﺷﻴﺌًﺎ, ﻭﻻ ﻳﺤﺮﻣﻮﻥ ﺷﻴﺌًﺎ, ﺑﻞ
ﺃﺑﺎﺣﻮﺍ ﻣﺎ ﺩﺏ ﻭﺩﺭﺝ .
ﺑﻞ ﻃﻬﺎﺭﺗﻬﻢ ﺃﻛﻤﻞ ﻃﻬﺎﺭﺓ ﻭﺃﺗﻤﻬﺎ، ﻭﺃﺑﺎﺡ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﻄﻴﺒﺎﺕ ﻣﻦ
ﺍﻟﻤﻄﺎﻋﻢ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﺭﺏ ﻭﺍﻟﻤﻼﺑﺲ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻛﺢ, ﻭﺣﺮﻡ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺨﺒﺎﺋﺚ
ﻣﻦ ﺫﻟﻚ، ﻓﻠﻬﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﻛﻤﻠﻪ, ﻭﻣﻦ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺃﺟﻠﻬﺎ,
ﻭﻣﻦ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺃﻓﻀﻠﻬﺎ .
ﻭﻭﻫﺒﻬﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺤﻠﻢ , ﻭﺍﻟﻌﺪﻝ ﻭﺍﻹﺣﺴﺎﻥ, ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻬﺒﻪ
ﻷﻣﺔ ﺳﻮﺍﻫﻢ، ﻓﻠﺬﻟﻚ ﻛﺎﻧﻮﺍ } ﺃُﻣَّﺔً ﻭَﺳَﻄًﺎ{ ‏[ﻛﺎﻣﻠﻴﻦ ‏] ﻟﻴﻜﻮﻧﻮﺍ
} ﺷُﻬَﺪَﺍﺀَ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ{ ﺑﺴﺒﺐ ﻋﺪﺍﻟﺘﻬﻢ ﻭﺣﻜﻤﻬﻢ ﺑﺎﻟﻘﺴﻂ ,
ﻳﺤﻜﻤﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﺳﺎﺋﺮ ﺃﻫﻞ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ, ﻭﻻ ﻳﺤﻜﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ
ﻏﻴﺮﻫﻢ، ﻓﻤﺎ ﺷﻬﺪﺕ ﻟﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﺑﺎﻟﻘﺒﻮﻝ, ﻓﻬﻮ ﻣﻘﺒﻮﻝ, ﻭﻣﺎ
ﺷﻬﺪﺕ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﺮﺩ, ﻓﻬﻮ ﻣﺮﺩﻭﺩ . ﻓﺈﻥ ﻗﻴﻞ : ﻛﻴﻒ ﻳﻘﺒﻞ ﺣﻜﻤﻬﻢ
ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻫﻢ, ﻭﺍﻟﺤﺎﻝ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻣﺨﺘﺼﻤﻴﻦ ﻏﻴﺮ ﻣﻘﺒﻮﻝ ﻗﻮﻝ
ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ؟ ﻗﻴﻞ : ﺇﻧﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻘﺒﻞ ﻗﻮﻝ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻤﺘﺨﺎﺻﻤﻴﻦ,
ﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺘﻬﻤﺔ ﻓﺄﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﺍﻧﺘﻔﺖ ﺍﻟﺘﻬﻤﺔ, ﻭﺣﺼﻠﺖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ,
ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ, ﻓﺈﻧﻤﺎ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ, ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﻌﺪﻝ ﻭﺍﻟﺤﻖ،
ﻭﺷﺮﻁ ﺫﻟﻚ , ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻌﺪﻝ, ﻭﻫﻤﺎ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ,
ﻓﻘﺒﻞ ﻗﻮﻟﻬﺎ .
ﻓﺈﻥ ﺷﻚ ﺷﺎﻙ ﻓﻲ ﻓﻀﻠﻬﺎ, ﻭﻃﻠﺐ ﻣﺰﻛﻴﺎ ﻟﻬﺎ , ﻓﻬﻮ ﺃﻛﻤﻞ
ﺍﻟﺨﻠﻖ, ﻧﺒﻴﻬﻢ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ :
} ﻭَﻳَﻜُﻮﻥَ ﺍﻟﺮَّﺳُﻮﻝُ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺷَﻬِﻴﺪًﺍ {
ﻭﻣﻦ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻫﻢ, ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ,
ﻭﺳﺄﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺮﺳﻠﻴﻦ ﻋﻦ ﺗﺒﻠﻴﻐﻬﻢ, ﻭﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﻤﻜﺬﺑﺔ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ,
ﻭﺃﻧﻜﺮﻭﺍ ﺃﻥ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﺑﻠﻐﺘﻬﻢ، ﺍﺳﺘﺸﻬﺪﺕ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ,
ﻭﺯﻛﺎﻫﺎ ﻧﺒﻴﻬﺎ .
ﻭﻓﻲ ﺍﻵﻳﺔ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺇﺟﻤﺎﻉ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ , ﺣﺠﺔ ﻗﺎﻃﻌﺔ, ﻭﺃﻧﻬﻢ
ﻣﻌﺼﻮﻣﻮﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻄﺄ, ﻹﻃﻼﻕ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻭَﺳَﻄًﺎ { ﻓﻠﻮ ﻗﺪﺭ
ﺍﺗﻔﺎﻗﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻄﺄ, ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻭﺳﻄﺎ, ﺇﻻ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻣﻮﺭ,
ﻭﻟﻘﻮﻟﻪ : } ﻭﻟﺘﻜﻮﻧﻮﺍ ﺷﻬﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ{ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺃﻧﻬﻢ ﺇﺫﺍ
ﺷﻬﺪﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺣﻠﻪ ﺃﻭ ﺣﺮﻣﻪ ﺃﻭ ﺃﻭﺟﺒﻪ، ﻓﺈﻧﻬﺎ
ﻣﻌﺼﻮﻣﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ . ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺍﺷﺘﺮﺍﻁ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ,
ﻭﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ, ﻭﺍﻟﻔﺘﻴﺎ, ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ .
ﻳﻘﻮﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻣَﺎ ﺟَﻌَﻠْﻨَﺎ ﺍﻟْﻘِﺒْﻠَﺔَ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﻛُﻨْﺖَ ﻋَﻠَﻴْﻬَﺎ { ﻭﻫﻲ
ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺑﻴﺖ ﺍﻟﻤﻘﺪﺱ ﺃﻭﻻ }ﺇِﻟَّﺎ ﻟِﻨَﻌْﻠَﻢَ { ﺃﻱ : ﻋﻠﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻪ
ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﻭﺍﻟﻌﻘﺎﺏ , ﻭﺇﻻ ﻓﻬﻮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ ﺑﻜﻞ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻗﺒﻞ
ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ .
ﻭﻟﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻠﻢ, ﻻ ﻳﻌﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺛﻮﺍﺑﺎ ﻭﻻ ﻋﻘﺎﺑﺎ, ﻟﺘﻤﺎﻡ ﻋﺪﻟﻪ,
ﻭﺇﻗﺎﻣﺔ ﺍﻟﺤﺠﺔ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ، ﺑﻞ ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪﺕ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ, ﺗﺮﺗﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ
ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﻭﺍﻟﻌﻘﺎﺏ، ﺃﻱ : ﺷﺮﻋﻨﺎ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ ﻟﻨﻌﻠﻢ ﻭﻧﻤﺘﺤﻦ }ﻣَﻦْ
ﻳَﺘَّﺒِﻊُ ﺍﻟﺮَّﺳُﻮﻝَ { ﻭﻳﺆﻣﻦ ﺑﻪ, ﻓﻴﺘﺒﻌﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ, ﻷﻧﻪ ﻋﺒﺪ
ﻣﺄﻣﻮﺭ ﻣﺪﺑﺮ، ﻭﻷﻧﻪ ﻗﺪ ﺃﺧﺒﺮﺕ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ, ﺃﻧﻪ ﻳﺴﺘﻘﺒﻞ
ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ، ﻓﺎﻟﻤﻨﺼﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ ﺍﻟﺤﻖ, ﻣﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪﻩ ﺫﻟﻚ ﺇﻳﻤﺎﻧﺎ,
ﻭﻃﺎﻋﺔ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ .
ﻭﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻧﻘﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﺒﻴﻪ, ﻭﺃﻋﺮﺽ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﺍﺗﺒﻊ ﻫﻮﺍﻩ,
ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺰﺩﺍﺩ ﻛﻔﺮﺍ ﺇﻟﻰ ﻛﻔﺮﻩ, ﻭﺣﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺮﺗﻪ, ﻭﻳﺪﻟﻲ ﺑﺎﻟﺤﺠﺔ
ﺍﻟﺒﺎﻃﻠﺔ, ﺍﻟﻤﺒﻨﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺷﺒﻬﺔ ﻻ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻟﻬﺎ .
} ﻭَﺇِﻥْ ﻛَﺎﻧَﺖْ { ﺃﻱ : ﺻﺮﻓﻚ ﻋﻨﻬﺎ }ﻟَﻜَﺒِﻴﺮَﺓٌ{ ﺃﻱ: ﺷﺎﻗﺔ }ﺇِﻟَّﺎ ﻋَﻠَﻰ
ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻫَﺪَﻯ ﺍﻟﻠَّﻪُ{ ﻓﻌﺮﻓﻮﺍ ﺑﺬﻟﻚ ﻧﻌﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ, ﻭﺷﻜﺮﻭﺍ,
ﻭﺃﻗﺮﻭﺍ ﻟﻪ ﺑﺎﻹﺣﺴﺎﻥ, ﺣﻴﺚ ﻭﺟﻬﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ, ﺍﻟﺬﻱ
ﻓﻀﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺳﺎﺋﺮ ﺑﻘﺎﻉ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﺟﻌﻞ ﻗﺼﺪﻩ , ﺭﻛﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﺭﻛﺎﻥ
ﺍﻹﺳﻼﻡ, ﻭﻫﺎﺩﻣﺎ ﻟﻠﺬﻧﻮﺏ ﻭﺍﻵﺛﺎﻡ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺧﻒ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺫﻟﻚ, ﻭﺷﻖ
ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺳﻮﺍﻫﻢ .
ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻣَﺎ ﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟِﻴُﻀِﻴﻊَ ﺇِﻳﻤَﺎﻧَﻜُﻢْ { ﺃﻱ : ﻣﺎ ﻳﻨﺒﻐﻲ
ﻟﻪ ﻭﻻ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺑﻞ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﺘﻨﻌﺎﺕ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺃﻧﻪ
ﻣﻤﺘﻨﻊ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﻣﺴﺘﺤﻴﻞ , ﺃﻥ ﻳﻀﻴﻊ ﺇﻳﻤﺎﻧﻜﻢ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺑﺸﺎﺭﺓ
ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻟﻤﻦ ﻣَﻦَّ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺎﻹﺳﻼﻡ ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ, ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻠﻪ
ﺳﻴﺤﻔﻆ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ, ﻓﻼ ﻳﻀﻴﻌﻪ, ﻭﺣﻔﻈﻪ ﻧﻮﻋﺎﻥ :
ﺣﻔﻆ ﻋﻦ ﺍﻟﻀﻴﺎﻉ ﻭﺍﻟﺒﻄﻼﻥ, ﺑﻌﺼﻤﺘﻪ ﻟﻬﻢ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻣﻔﺴﺪ ﻭﻣﺰﻳﻞ
ﻟﻪ ﻭﻣﻨﻘﺺ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﻦ ﺍﻟﻤﻘﻠﻘﺔ , ﻭﺍﻷﻫﻮﺍﺀ ﺍﻟﺼﺎﺩﺓ، ﻭﺣﻔﻆ ﻟﻪ
ﺑﺘﻨﻤﻴﺘﻪ ﻟﻬﻢ , ﻭﺗﻮﻓﻴﻘﻬﻢ ﻟﻤﺎ ﻳﺰﺩﺍﺩ ﺑﻪ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ, ﻭﻳﺘﻢ ﺑﻪ ﺇﻳﻘﺎﻧﻬﻢ،
ﻓﻜﻤﺎ ﺍﺑﺘﺪﺃﻛﻢ, ﺑﺄﻥ ﻫﺪﺍﻛﻢ ﻟﻺﻳﻤﺎﻥ , ﻓﺴﻴﺤﻔﻈﻪ ﻟﻜﻢ, ﻭﻳﺘﻢ ﻧﻌﻤﺘﻪ
ﺑﺘﻨﻤﻴﺘﻪ ﻭﺗﻨﻤﻴﺔ ﺃﺟﺮﻩ, ﻭﺛﻮﺍﺑﻪ, ﻭﺣﻔﻈﻪ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﻜﺪﺭ، ﺑﻞ ﺇﺫﺍ
ﻭﺟﺪﺕ ﺍﻟﻤﺤﻦ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻨﻬﺎ, ﺗﺒﻴﻴﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﻣﻦ
ﺍﻟﻜﺎﺫﺏ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻤﺤﺺ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ, ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺻﺪﻗﻬﻢ، ﻭﻛﺄﻥ ﻓﻲ
ﻫﺬﺍ ﺍﺣﺘﺮﺍﺯﺍ ﻋﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﻘﺎﻝ ﺇﻥ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻭَﻣَﺎ ﺟَﻌَﻠْﻨَﺎ ﺍﻟْﻘِﺒْﻠَﺔَ ﺍﻟَّﺘِﻲ
ﻛُﻨْﺖَ ﻋَﻠَﻴْﻬَﺎ ﺇِﻟَّﺎ ﻟِﻨَﻌْﻠَﻢَ ﻣَﻦْ ﻳَﺘَّﺒِﻊُ ﺍﻟﺮَّﺳُﻮﻝَ ﻣِﻤَّﻦْ ﻳَﻨْﻘَﻠِﺐُ ﻋَﻠَﻰ
ﻋَﻘِﺒَﻴْﻪِ{ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﺒﺒﺎ ﻟﺘﺮﻙ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ, ﻓﺪﻓﻊ
ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻫﻢ ﺑﻘﻮﻟﻪ : } ﻭَﻣَﺎ ﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟِﻴُﻀِﻴﻊَ ﺇِﻳﻤَﺎﻧَﻜُﻢْ { ﺑﺘﻘﺪﻳﺮﻩ
ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﺤﻨﺔ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻫﺎ .
ﻭﺩﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻣﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻗﺒﻞ ﺗﺤﻮﻳﻞ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ, ﻓﺈﻥ
ﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﻀﻴﻊ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ , ﻟﻜﻮﻧﻬﻢ ﺍﻣﺘﺜﻠﻮﺍ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻃﺎﻋﺔ ﺭﺳﻮﻟﻪ
ﻓﻲ ﻭﻗﺘﻬﺎ، ﻭﻃﺎﻋﺔ ﺍﻟﻠﻪ, ﺍﻣﺘﺜﺎﻝ ﺃﻣﺮﻩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻭﻗﺖ, ﺑﺤﺴﺐ
ﺫﻟﻚ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﺩﻟﻴﻞ ﻟﻤﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ, ﺃﻥ
ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻴﻪ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭﺡ .
ﻭﻗﻮﻟﻪ : } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺑِﺎﻟﻨَّﺎﺱِ ﻟَﺮَﺀُﻭﻑٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ { ﺃﻱ : ﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﺑﻬﻢ
ﻋﻈﻴﻤﻬﺎ، ﻓﻤﻦ ﺭﺃﻓﺘﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﺑﻬﻢ, ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻧﻌﻤﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ
ﺍﺑﺘﺪﺃﻫﻢ ﺑﻬﺎ، ﻭﺃﻥ ﻣﻴَّﺰَ ﻋﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺩﺧﻞ ﻓﻲ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻠﺴﺎﻧﻪ ﺩﻭﻥ
ﻗﻠﺒﻪ، ﻭﺃﻥ ﺍﻣﺘﺤﻨﻬﻢ ﺍﻣﺘﺤﺎﻧﺎ, ﺯﺍﺩ ﺑﻪ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ, ﻭﺍﺭﺗﻔﻌﺖ ﺑﻪ
ﺩﺭﺟﺘﻬﻢ، ﻭﺃﻥ ﻭﺟﻬﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﺷﺮﻑ ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ, ﻭﺃﺟﻠﻬﺎ .
‏[144 ‏] } ﻗَﺪْ ﻧَﺮَﻯ ﺗَﻘَﻠُّﺐَ ﻭَﺟْﻬِﻚَ ﻓِﻲ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﺀِ ﻓَﻠَﻨُﻮَﻟِّﻴَﻨَّﻚَ ﻗِﺒْﻠَﺔً
ﺗَﺮْﺿَﺎﻫَﺎ ﻓَﻮَﻝِّ ﻭَﺟْﻬَﻚَ ﺷَﻄْﺮَ ﺍﻟْﻤَﺴْﺠِﺪِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ ﻭَﺣَﻴْﺜُﻤَﺎ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﻓَﻮَﻟُّﻮﺍ
ﻭُﺟُﻮﻫَﻜُﻢْ ﺷَﻄْﺮَﻩُ ﻭَﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃُﻭﺗُﻮﺍ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﻟَﻴَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ ﺃَﻧَّﻪُ ﺍﻟْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ
ﺭَﺑِّﻬِﻢْ ﻭَﻣَﺎ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻐَﺎﻓِﻞٍ ﻋَﻤَّﺎ ﻳَﻌْﻤَﻠُﻮﻥَ {
ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻨﺒﻴﻪ : } ﻗَﺪْ ﻧَﺮَﻯ ﺗَﻘَﻠُّﺐَ ﻭَﺟْﻬِﻚَ ﻓِﻲ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﺀِ { ﺃﻱ : ﻛﺜﺮﺓ
ﺗﺮﺩﺩﻩ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺟﻬﺎﺗﻪ, ﺷﻮﻗﺎ ﻭﺍﻧﺘﻈﺎﺭﺍ ﻟﻨﺰﻭﻝ ﺍﻟﻮﺣﻲ
ﺑﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ، ﻭﻗﺎﻝ: }ﻭَﺟْﻬِﻚَ { ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻞ : "ﺑﺼﺮﻙ " ﻟﺰﻳﺎﺩﺓ
ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﻪ, ﻭﻷﻥ ﺗﻘﻠﻴﺐ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﻣﺴﺘﻠﺰﻡ ﻟﺘﻘﻠﻴﺐ ﺍﻟﺒﺼﺮ .
} ﻓَﻠَﻨُﻮَﻟِّﻴَﻨَّﻚَ { ﺃﻱ : ﻧﻮﺟﻬﻚ ﻟﻮﻻﻳﺘﻨﺎ ﺇﻳﺎﻙ، }ﻗِﺒْﻠَﺔً ﺗَﺮْﺿَﺎﻫَﺎ{ ﺃﻱ:
ﺗﺤﺒﻬﺎ, ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺑﻴﺎﻥ ﻟﻔﻀﻠﻪ ﻭﺷﺮﻓﻪ ـ ﺻﻠﻰ
ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﺴﺎﺭﻉ ﻓﻲ ﺭﺿﺎﻩ, ﺛﻢ
ﺻﺮﺡ ﻟﻪ ﺑﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻟﻬﺎ ﻓﻘﺎﻝ : } ﻓَﻮَﻝِّ ﻭَﺟْﻬَﻚَ ﺷَﻄْﺮَ ﺍﻟْﻤَﺴْﺠِﺪِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ{
ﻭﺍﻟﻮﺟﻪ: ﻣﺎ ﺃﻗﺒﻞ ﻣﻦ ﺑﺪﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، } ﻭَﺣَﻴْﺜُﻤَﺎ ﻛُﻨْﺘُﻢْ{ ﺃﻱ: ﻣﻦ ﺑﺮ
ﻭﺑﺤﺮ, ﻭﺷﺮﻕ ﻭﻏﺮﺏ, ﺟﻨﻮﺏ ﻭﺷﻤﺎﻝ . } ﻓَﻮَﻟُّﻮﺍ ﻭُﺟُﻮﻫَﻜُﻢْ ﺷَﻄْﺮَﻩُ{
ﺃﻱ : ﺟﻬﺘﻪ .
ﻓﻔﻴﻬﺎ ﺍﺷﺘﺮﺍﻁ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ , ﻟﻠﺼﻠﻮﺍﺕ ﻛﻠﻬﺎ, ﻓﺮﺿﻬﺎ, ﻭﻧﻔﻠﻬﺎ,
ﻭﺃﻧﻪ ﺇﻥ ﺃﻣﻜﻦ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﻋﻴﻨﻬﺎ, ﻭﺇﻻ ﻓﻴﻜﻔﻲ ﺷﻄﺮﻫﺎ ﻭﺟﻬﺘﻬﺎ،
ﻭﺃﻥ ﺍﻻﻟﺘﻔﺎﺕ ﺑﺎﻟﺒﺪﻥ, ﻣﺒﻄﻞ ﻟﻠﺼﻼﺓ, ﻷﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺸﻲﺀ ﻧﻬﻲ ﻋﻦ
ﺿﺪﻩ، ﻭﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻴﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ, ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺿﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ
ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ، ﻭﺫﻛﺮ ﺟﻮﺍﺑﻬﻢ, ﺫﻛﺮ ﻫﻨﺎ, ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ
ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻣﻨﻬﻢ, ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻧﻚ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺣﻖ ﻭﺃﻣﺮ، ﻟﻤﺎ
ﻳﺠﺪﻭﻧﻪ ﻓﻲ ﻛﺘﺒﻬﻢ, ﻓﻴﻌﺘﺮﺿﻮﻥ ﻋﻨﺎﺩﺍ ﻭﺑﻐﻴﺎ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ
ﺑﺨﻄﺌﻬﻢ ﻓﻼ ﺗﺒﺎﻟﻮﺍ ﺑﺬﻟﻚ، ﻓﺈﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﻐﻤﻪ ﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ﻣﻦ
ﺍﻋﺘﺮﺽ ﻋﻠﻴﻪ, ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﺸﺘﺒﻬﺎ, ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻤﻜﻨﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ
ﻣﻌﻪ ﺻﻮﺍﺏ .
ﻓﺄﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﺗﻴﻘﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﻮﺍﺏ ﻭﺍﻟﺤﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺽ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﺃﻥ
ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﺽ ﻣﻌﺎﻧﺪ , ﻋﺎﺭﻑ ﺑﺒﻄﻼﻥ ﻗﻮﻟﻪ, ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﻣﺤﻞ ﻟﻠﻤﺒﺎﻻﺓ,
ﺑﻞ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺘﺮﺽ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ ﻭﺍﻷﺧﺮﻭﻳﺔ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ
ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻣَﺎ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻐَﺎﻓِﻞٍ ﻋَﻤَّﺎ ﻳَﻌْﻤَﻠُﻮﻥَ{ ﺑﻞ ﻳﺤﻔﻆ ﻋﻠﻴﻬﻢ
ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ, ﻭﻳﺠﺎﺯﻳﻬﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻭﻋﻴﺪ ﻟﻠﻤﻌﺘﺮﺿﻴﻦ, ﻭﺗﺴﻠﻴﺔ
ﻟﻠﻤﺆﻣﻨﻴﻦ .
‏[145 ‏] }ﻭَﻟَﺌِﻦْ ﺃَﺗَﻴْﺖَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃُﻭﺗُﻮﺍ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﺑِﻜُﻞِّ ﺁﻳَﺔٍ ﻣَﺎ ﺗَﺒِﻌُﻮﺍ
ﻗِﺒْﻠَﺘَﻚَ ﻭَﻣَﺎ ﺃَﻧْﺖَ ﺑِﺘَﺎﺑِﻊٍ ﻗِﺒْﻠَﺘَﻬُﻢْ ﻭَﻣَﺎ ﺑَﻌْﻀُﻬُﻢْ ﺑِﺘَﺎﺑِﻊٍ ﻗِﺒْﻠَﺔَ ﺑَﻌْﺾٍ ﻭَﻟَﺌِﻦِ
ﺍﺗَّﺒَﻌْﺖَ ﺃَﻫْﻮَﺍﺀَﻫُﻢْ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻣَﺎ ﺟَﺎﺀَﻙَ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻌِﻠْﻢِ ﺇِﻧَّﻚَ ﺇِﺫًﺍ ﻟَﻤِﻦَ
ﺍﻟﻈَّﺎﻟِﻤِﻴﻦَ {
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻣﻦ ﻛﻤﺎﻝ ﺣﺮﺻﻪ ﻋﻠﻰ
ﻫﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻳﺒﺬﻝ ﻟﻬﻢ ﻏﺎﻳﺔ ﻣﺎ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺼﻴﺤﺔ,
ﻭﻳﺘﻠﻄﻒ ﺑﻬﺪﺍﻳﺘﻬﻢ, ﻭﻳﺤﺰﻥ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻨﻘﺎﺩﻭﺍ ﻷﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﻜﺎﻥ ﻣﻦ
ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ, ﻣﻦ ﺗﻤﺮﺩ ﻋﻦ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺍﺳﺘﻜﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻞ ﺍﻟﻠﻪ , ﻭﺗﺮﻙ
ﺍﻟﻬﺪﻯ, ﻋﻤﺪﺍ ﻭﻋﺪﻭﺍﻧﺎ، ﻓﻤﻨﻬﻢ : ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ, ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ
ﺍﻷﻭﻝ, ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﻔﺮﻭﺍ ﺑﻤﺤﻤﺪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻋﻦ
ﻳﻘﻴﻦ, ﻻ ﻋﻦ ﺟﻬﻞ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺃﺧﺒﺮﻩ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻧﻚ ﻟﻮ } ﺃَﺗَﻴْﺖَ
ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃُﻭﺗُﻮﺍ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﺑِﻜُﻞِّ ﺁﻳَﺔٍ{ ﺃﻱ : ﺑﻜﻞ ﺑﺮﻫﺎﻥ ﻭﺩﻟﻴﻞ ﻳﻮﺿﺢ
ﻗﻮﻟﻚ ﻭﻳﺒﻴﻦ ﻣﺎ ﺗﺪﻋﻮ ﺇﻟﻴﻪ، } ﻣَﺎ ﺗَﺒِﻌُﻮﺍ ﻗِﺒْﻠَﺘَﻚَ { ﺃﻱ : ﻣﺎ ﺗﺒﻌﻮﻙ,
ﻷﻥ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ, ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﺗﺒﺎﻋﻪ، ﻭﻷﻥ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﻫﻮ ﺷﺄﻥ
ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻛﺬﻟﻚ, ﻷﻧﻬﻢ ﻣﻌﺎﻧﺪﻭﻥ, ﻋﺮﻓﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ
ﻭﺗﺮﻛﻮﻩ، ﻓﺎﻵﻳﺎﺕ ﺇﻧﻤﺎ ﺗﻔﻴﺪ ﻭﻳﻨﺘﻔﻊ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﻫﻮ
ﻣﺸﺘﺒﻪ ﻋﻠﻴﻪ, ﻓﺘﻮﺿﺢ ﻟﻪ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺒﻴﻨﺎﺕ، ﻭﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺟﺰﻡ ﺑﻌﺪﻡ
ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺤﻖ, ﻓﻼ ﺣﻴﻠﺔ ﻓﻴﻪ .
ﻭﺃﻳﻀًﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﺧﺘﻼﻓﻬﻢ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ, ﺣﺎﺻﻞ, ﻭﺑﻌﻀﻬﻢ , ﻏﻴﺮ ﺗﺎﺑﻊ
ﻗﺒﻠﺔ ﺑﻌﺾ، ﻓﻠﻴﺲ ﺑﻐﺮﻳﺐ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻻ ﻳﺘﺒﻌﻮﺍ ﻗﺒﻠﺘﻚ ﻳﺎ
ﻣﺤﻤﺪ, ﻭﻫﻢ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺤﺴﺪﺓ، ﻭﻗﻮﻟﻪ : } ﻭَﻣَﺎ ﺃَﻧْﺖَ ﺑِﺘَﺎﺑِﻊٍ
ﻗِﺒْﻠَﺘَﻬُﻢْ{ ﺃﺑﻠﻎ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ: " ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺘَّﺒِﻊْ " ﻷﻥ ﺫﻟﻚ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺃﻧﻪ ـ
ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺍﺗﺼﻒ ﺑﻤﺨﺎﻟﻔﺘﻬﻢ , ﻓﻼ ﻳﻤﻜﻦ ﻭﻗﻮﻉ
ﺫﻟﻚ ﻣﻨﻪ، ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻞ : " ﻭﻟﻮ ﺃﺗﻮﺍ ﺑﻜﻞ ﺁﻳﺔ " ﻷﻧﻬﻢ ﻻ ﺩﻟﻴﻞ ﻟﻬﻢ
ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻟﻬﻢ .
ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺇﺫﺍ ﺗﺒﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﺄﺩﻟﺘﻪ ﺍﻟﻴﻘﻴﻨﻴﺔ, ﻟﻢ ﻳﻠﺰﻡ ﺍﻹﺗﻴﺎﻥ ﺑﺄﺟﻮﺑﺔ
ﺍﻟﺸﺒﻪ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻴﻪ, ﻷﻧﻬﺎ ﻻ ﺣﺪ ﻟﻬﺎ, ﻭﻷﻧﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﺑﻄﻼﻧﻬﺎ , ﻟﻠﻌﻠﻢ
ﺑﺄﻥ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻧﺎﻓﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ, ﻓﻬﻮ ﺑﺎﻃﻞ, ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺣﻞ ﺍﻟﺸﺒﻪ
ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺘﺒﺮﻉ .
}ﻭَﻟَﺌِﻦِ ﺍﺗَّﺒَﻌْﺖَ ﺃَﻫْﻮَﺍﺀَﻫُﻢْ{ ﺇﻧﻤﺎ ﻗﺎﻝ : " ﺃﻫﻮﺍﺀﻫﻢ " ﻭﻟﻢ
ﻳﻘﻞ " ﺩﻳﻨﻬﻢ " ﻷﻥ ﻣﺎ ﻫﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺠﺮﺩ ﺃﻫﻮﻳﺔ ﻧﻔﺲ, ﺣﺘﻰ ﻫﻢ ﻓﻲ
ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺑﺪﻳﻦ، ﻭﻣﻦ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﺪﻳﻦ, ﺍﺗﺒﻊ ﺍﻟﻬﻮﻯ
ﻭﻻ ﻣﺤﺎﻟﺔ، ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﺃَﻓَﺮَﺃَﻳْﺖَ ﻣَﻦِ ﺍﺗَّﺨَﺬَ ﺇِﻟَﻬَﻪُ ﻫَﻮَﺍﻩُ {
}ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻣَﺎ ﺟَﺎﺀَﻙَ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻌِﻠْﻢِ { ﺑﺄﻧﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﻫﻢ ﻋﻠﻰ
ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ، } ﺇِﻧَّﻚَ ﺇِﺫًﺍ { ﺃﻱ : ﺇﻥ ﺍﺗﺒﻌﺘﻬﻢ, ﻓﻬﺬﺍ ﺍﺣﺘﺮﺍﺯ, ﻟﺌﻼ ﺗﻨﻔﺼﻞ
ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻤﻠﺔ ﻋﻤﺎ ﻗﺒﻠﻬﺎ, ﻭﻟﻮ ﻓﻲ ﺍﻷﻓﻬﺎﻡ، } ﻟَﻤِﻦَ ﺍﻟﻈَّﺎﻟِﻤِﻴﻦَ{ ﺃﻱ:
ﺩﺍﺧﻞ ﻓﻴﻬﻢ, ﻭﻣﻨﺪﺭﺝ ﻓﻲ ﺟﻤﻠﺘﻬﻢ، ﻭﺃﻱ ﻇﻠﻢ ﺃﻋﻈﻢ, ﻣﻦ ﻇﻠﻢ,
ﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻞ, ﻓﺂﺛﺮ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﻫﺬﺍ, ﻭﺇﻥ
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻟﻪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻓﺈﻥ ﺃﻣﺘﻪ ﺩﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ
ﺫﻟﻚ، ﻭﺃﻳﻀًﺎ, ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻫﻮ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻟﻮ ﻓﻌﻞ
ﺫﻟﻚ ـ ﻭﺣﺎﺷﺎﻩ ـ ﺻﺎﺭ ﻇﺎﻟﻤﺎ ﻣﻊ ﻋﻠﻮ ﻣﺮﺗﺒﺘﻪ, ﻭﻛﺜﺮﺓ ﺣﺴﻨﺎﺗﻪ
ﻓﻐﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺃﻭﻟﻰ ﻭﺃﺣﺮﻯ

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأربعاء سبتمبر 03, 2014 11:53 am

146 ـ 147 ‏] ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﺗَﻴْﻨَﺎﻫُﻢُ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ
ﻳَﻌْﺮِﻓُﻮﻧَﻪُ ﻛَﻤَﺎ ﻳَﻌْﺮِﻓُﻮﻥَ ﺃَﺑْﻨَﺎﺀَﻫُﻢْ ﻭَﺇِﻥَّ ﻓَﺮِﻳﻘًﺎ ﻣِﻨْﻬُﻢْ ﻟَﻴَﻜْﺘُﻤُﻮﻥَ ﺍﻟْﺤَﻖَّ ﻭَﻫُﻢْ ﻳَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ * ﺍﻟْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻚَ ﻓَﻠَﺎ ﺗَﻜُﻮﻧَﻦَّ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻤُﻤْﺘَﺮِﻳﻦَ{


ﻳﺨﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻗﺪ ﺗﻘﺮﺭ ﻋﻨﺪﻫﻢ, ﻭﻋﺮﻓﻮﺍ ﺃﻥ
ﻣﺤﻤﺪًﺍ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺃﻥ ﻣﺎ ﺟﺎﺀ ﺑﻪ, ﺣﻖ ﻭﺻﺪﻕ, ﻭﺗﻘﻴﻨﻮﺍ ﺫﻟﻚ , ﻛﻤﺎ ﺗﻴﻘﻨﻮﺍ ﺃﺑﻨﺎﺀﻫﻢ ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺸﺘﺒﻬﻮﻥ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﻐﻴﺮﻫﻢ،
ﻓﻤﻌﺮﻓﺘﻬﻢ ﺑﻤﺤﻤﺪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻭﺻﻠﺖ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﻻ ﻳﺸﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﻭﻻ ﻳﻤﺘﺮﻭﻥ، ﻭﻟﻜﻦ ﻓﺮﻳﻘﺎ ﻣﻨﻬﻢ ـ ﻭﻫﻢ ﺃﻛﺜﺮﻫﻢ ـ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﻔﺮﻭﺍ ﺑﻪ, ﻛﺘﻤﻮﺍ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻣﻊ ﺗﻴﻘﻨﻬﺎ, ﻭﻫﻢ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ } ﻭَﻣَﻦْ ﺃَﻇْﻠَﻢُ ﻣِﻤَّﻦْ ﻛَﺘَﻢَ ﺷَﻬَﺎﺩَﺓً ﻋِﻨْﺪَﻩُ ﻣِﻦَ ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﻭﻓﻲ ﺿﻤﻦ ﺫﻟﻚ, ﺗﺴﻠﻴﺔ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ ﻭﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ, ﻭﺗﺤﺬﻳﺮ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺷﺮﻫﻢ ﻭﺷﺒﻬﻬﻢ، ﻭﻓﺮﻳﻖ ﻣﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻤﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻫﻢ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ، ﻓﻤﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺁﻣﻦ ‏[ ﺑﻪ ‏] ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻛﻔﺮ ‏[ ﺑﻪ ‏] ﺟﻬﻼ، ﻓﺎﻟﻌﺎﻟﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻇﻬﺎﺭ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﺗﺒﻴﻴﻨﻪ ﻭﺗﺰﻳﻴﻨﻪ, ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻭﺑﺮﻫﺎﻥ ﻭﻣﺜﺎﻝ , ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ, ﻭﺇﺑﻄﺎﻝ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﺗﻤﻴﻴﺰﻩ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﺗﺸﻴﻴﻨﻪ, ﻭﺗﻘﺒﻴﺤﻪ ﻟﻠﻨﻔﻮﺱ, ﺑﻜﻞ ﻃﺮﻳﻖ ﻣﺆﺩ ﻟﺬﻟﻚ، ﻓﻬﻮﻻﺀ ﺍﻟﻜﺎﺗﻤﻮﻥ, ﻋﻜﺴﻮﺍ ﺍﻷﻣﺮ, ﻓﺎﻧﻌﻜﺴﺖ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ . } ﺍﻟْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻚَ{ ﺃﻱ : ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﺣﻖ ﺃﻥ ﻳﺴﻤﻰ ﺣﻘﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ, ﻟﻤﺎ ﺍﺷﺘﻤﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺐ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ, ﻭﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺤﺴﻨﺔ, ﻭﺗﺰﻛﻴﺔ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﻭﺣﺜﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﺼﻴﻞ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﺎ, ﻭﺩﻓﻊ ﻣﻔﺎﺳﺪﻫﺎ, ﻟﺼﺪﻭﺭﻩ ﻣﻦ ﺭﺑﻚ , ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺗﺮﺑﻴﺘﻪ ﻟﻚ ﺃﻥ ﺃﻧﺰﻝ ﻋﻠﻴﻚ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻴﻪ ﺗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ ﻭﺍﻟﻨﻔﻮﺱ, ﻭﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ .
} ﻓَﻠَﺎ ﺗَﻜُﻮﻧَﻦَّ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻤُﻤْﺘَﺮِﻳﻦَ{ ﺃﻱ : ﻓﻼ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻚ ﺃﺩﻧﻰ ﺷﻚ ﻭﺭﻳﺒﺔ ﻓﻴﻪ، ﺑﻞ ﺗﻔﻜَّﺮ ﻓﻴﻪ ﻭﺗﺄﻣﻞ , ﺣﺘﻰ ﺗﺼﻞ ﺑﺬﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ, ﻷﻥ ﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻓﻴﻪ ﻻ ﻣﺤﺎﻟﺔ, ﺩﺍﻓﻊ ﻟﻠﺸﻚ, ﻣﻮﺻﻞ ﻟﻠﻴﻘﻴﻦ .


‏[148 ‏] } ﻭَﻟِﻜُﻞٍّ ﻭِﺟْﻬَﺔٌ ﻫُﻮَ ﻣُﻮَﻟِّﻴﻬَﺎ ﻓَﺎﺳْﺘَﺒِﻘُﻮﺍ ﺍﻟْﺨَﻴْﺮَﺍﺕِ ﺃَﻳْﻨَﻤَﺎ
ﺗَﻜُﻮﻧُﻮﺍ ﻳَﺄْﺕِ ﺑِﻜُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺟَﻤِﻴﻌًﺎ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﻠَﻰ ﻛُﻞِّ ﺷَﻲْﺀٍ ﻗَﺪِﻳﺮٌ{


ﺃﻱ : ﻛﻞ ﺃﻫﻞ ﺩﻳﻦ ﻭﻣﻠﺔ, ﻟﻪ ﻭﺟﻬﺔ ﻳﺘﻮﺟﻪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﺒﺎﺩﺗﻪ،
ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ, ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﺍﺋﻊ ﺍﻟﺘﻲ
ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺑﻬﺎ ﺍﻷﺯﻣﻨﺔ ﻭﺍﻷﺣﻮﺍﻝ, ﻭﻳﺪﺧﻠﻬﺎ ﺍﻟﻨﺴﺦ ﻭﺍﻟﻨﻘﻞ , ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺇﻟﻰ ﺟﻬﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻛﻞ ﺍﻟﺸﺄﻥ, ﻓﻲ ﺍﻣﺘﺜﺎﻝ ﻃﺎﻋﺔ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺍﻟﺘﻘﺮﺏ ﺇﻟﻴﻪ, ﻭﻃﻠﺐ ﺍﻟﺰﻟﻔﻰ ﻋﻨﺪﻩ، ﻓﻬﺬﺍ ﻫﻮ ﻋﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻭﻣﻨﺸﻮﺭ ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﺗﺘﺼﻒ ﺑﻪ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ , ﺣﺼﻠﺖ ﻟﻬﺎ ﺧﺴﺎﺭﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺇﺫﺍ ﺍﺗﺼﻔﺖ ﺑﻪ ﻓﻬﻲ ﺍﻟﺮﺍﺑﺤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ, ﻭﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﻣﺘﻔﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺸﺮﺍﺋﻊ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺍﻟﺨﻠﻖ , ﻭﺃﻣﺮﻫﻢ ﺑﻪ . ﻭﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻻﺳﺘﺒﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ ﻗﺪﺭ ﺯﺍﺋﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﻔﻌﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ، ﻓﺈﻥ ﺍﻻﺳﺘﺒﺎﻕ ﺇﻟﻴﻬﺎ, ﻳﺘﻀﻤﻦ ﻓﻌﻠﻬﺎ, ﻭﺗﻜﻤﻴﻠﻬﺎ, ﻭﺇﻳﻘﺎﻋﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻛﻤﻞ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ, ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻭﻣﻦ ﺳﺒﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ, ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺎﺕ, ﻓﺎﻟﺴﺎﺑﻘﻮﻥ ﺃﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺩﺭﺟﺔ، ﻭﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ ﺗﺸﻤﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻔﺮﺍﺋﺾ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﻓﻞ, ﻣﻦ ﺻﻼﺓ, ﻭﺻﻴﺎﻡ, ﻭﺯﻛﻮﺍﺕ ﻭﺣﺞ, ﻋﻤﺮﺓ , ﻭﺟﻬﺎﺩ, ﻭﻧﻔﻊ ﻣﺘﻌﺪ ﻭﻗﺎﺻﺮ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﺎ ﻳﺤﺚ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺭﻋﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻴﺮ, ﻭﻳﻨﺸﻄﻬﺎ , ﻣﺎ ﺭﺗﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﻗﺎﻝ : } ﺃَﻳْﻨَﻤَﺎ ﺗَﻜُﻮﻧُﻮﺍ ﻳَﺄْﺕِ ﺑِﻜُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺟَﻤِﻴﻌًﺎ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﻠَﻰ ﻛُﻞِّ ﺷَﻲْﺀٍ ﻗَﺪِﻳﺮٌ { ﻓﻴﺠﻤﻌﻜﻢ ﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﺑﻘﺪﺭﺗﻪ, ﻓﻴﺠﺎﺯﻱ ﻛﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﺑﻌﻤﻠﻪ } ﻟِﻴَﺠْﺰِﻱَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃَﺳَﺎﺀُﻭﺍ ﺑِﻤَﺎ ﻋَﻤِﻠُﻮﺍ ﻭَﻳَﺠْﺰِﻱَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃَﺣْﺴَﻨُﻮﺍ ﺑِﺎﻟْﺤُﺴْﻨَﻰ{ ﻭﻳﺴﺘﺪﻝ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻔﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺗﻴﺎﻥ ﺑﻜﻞ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﻳﺘﺼﻒ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻛﺎﻟﺼﻼﺓ ﻓﻲ ﺃﻭﻝ ﻭﻗﺘﻬﺎ, ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺇﺑﺮﺍﺀ ﺍﻟﺬﻣﺔ, ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ, ﻭﺍﻟﺤﺞ , ﻭﺍﻟﻌﻤﺮﺓ, ﻭﺇﺧﺮﺍﺝ ﺍﻟﺰﻛﺎﺓ, ﻭﺍﻹﺗﻴﺎﻥ ﺑﺴﻨﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ ﻭﺁﺩﺍﺑﻬﺎ, ﻓﻠﻠﻪ ﻣﺎ ﺃﺟﻤﻌﻬﺎ ﻭﺃﻧﻔﻌﻬﺎ ﻣﻦ ﺁﻳﺔ ."


‏[149 ـ 150 ‏] } ﻭَﻣِﻦْ ﺣَﻴْﺚُ ﺧَﺮَﺟْﺖَ ﻓَﻮَﻝِّ ﻭَﺟْﻬَﻚَ ﺷَﻄْﺮَ ﺍﻟْﻤَﺴْﺠِﺪِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ ﻭَﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻠْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻚَ ﻭَﻣَﺎ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻐَﺎﻓِﻞٍ ﻋَﻤَّﺎ ﺗَﻌْﻤَﻠُﻮﻥَ * ﻭَﻣِﻦْ ﺣَﻴْﺚُ ﺧَﺮَﺟْﺖَ ﻓَﻮَﻝِّ ﻭَﺟْﻬَﻚَ ﺷَﻄْﺮَ ﺍﻟْﻤَﺴْﺠِﺪِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ ﻭَﺣَﻴْﺜُﻤَﺎ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﻓَﻮَﻟُّﻮﺍ ﻭُﺟُﻮﻫَﻜُﻢْ ﺷَﻄْﺮَﻩُ ﻟِﺌَﻠَّﺎ ﻳَﻜُﻮﻥَ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺣُﺠَّﺔٌ ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻇَﻠَﻤُﻮﺍ ﻣِﻨْﻬُﻢْ ﻓَﻠَﺎ ﺗَﺨْﺸَﻮْﻫُﻢْ ﻭَﺍﺧْﺸَﻮْﻧِﻲ ﻭَﻟِﺄُﺗِﻢَّ ﻧِﻌْﻤَﺘِﻲ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻭَﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﻬْﺘَﺪُﻭﻥَ{


ﺃﻱ : } ﻭَﻣِﻦْ ﺣَﻴْﺚُ ﺧَﺮَﺟْﺖَ { ﻓﻲ ﺃﺳﻔﺎﺭﻙ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ, ﻭﻫﺬﺍ ﻟﻠﻌﻤﻮﻡ, } ﻓَﻮَﻝِّ ﻭَﺟْﻬَﻚَ ﺷَﻄْﺮَ ﺍﻟْﻤَﺴْﺠِﺪِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ{ ﺃﻱ : ﺟﻬﺘﻪ .
ﺛﻢ ﺧﺎﻃﺐ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻤﻮﻣًﺎ ﻓﻘﺎﻝ: } ﻭَﺣَﻴْﺜُﻤَﺎ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﻓَﻮَﻟُّﻮﺍ ﻭُﺟُﻮﻫَﻜُﻢْ
ﺷَﻄْﺮَﻩُ { ﻭﻗﺎﻝ : }ﻭَﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻠْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻚَ { ﺃﻛﺪﻩ ﺑـ " ﺇﻥ " ﻭﺍﻟﻼﻡ, ﻟﺌﻼ ﻳﻘﻊ ﻷﺣﺪ ﻓﻴﻪ ﺃﺩﻧﻰ ﺷﺒﻬﺔ, ﻭﻟﺌﻼ ﻳﻈﻦ ﺃﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺘﺸﻬﻲ ﻻ ﺍﻻﻣﺘﺜﺎﻝ .
} ﻭَﻣَﺎ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻐَﺎﻓِﻞٍ ﻋَﻤَّﺎ ﺗَﻌْﻤَﻠُﻮﻥَ{ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﻄﻠﻊ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺣﻮﺍﻟﻜﻢ, ﻓﺘﺄﺩﺑﻮﺍ ﻣﻌﻪ, ﻭﺭﺍﻗﺒﻮﻩ ﺑﺎﻣﺘﺜﺎﻝ ﺃﻭﺍﻣﺮﻩ, ﻭﺍﺟﺘﻨﺎﺏ ﻧﻮﺍﻫﻴﻪ، ﻓﺈﻥ ﺃﻋﻤﺎﻟﻜﻢ ﻏﻴﺮ ﻣﻐﻔﻮﻝ ﻋﻨﻬﺎ, ﺑﻞ ﻣﺠﺎﺯﻭﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﺗﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ, ﺇﻥ ﺧﻴﺮﺍ ﻓﺨﻴﺮ, ﻭﺇﻥ ﺷﺮﺍ ﻓﺸﺮ .
ﻭﻗﺎﻝ ﻫﻨﺎ : } ﻟِﺌَﻠَّﺎ ﻳَﻜُﻮﻥَ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺣُﺠَّﺔٌ{ ﺃﻱ : ﺷﺮﻋﻨﺎ ﻟﻜﻢ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ ﺍﻟﻤﺸﺮﻓﺔ , ﻟﻴﻨﻘﻄﻊ ﻋﻨﻜﻢ ﺍﺣﺘﺠﺎﺝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻮ ﺑﻘﻲ ﻣﺴﺘﻘﺒﻼ ﺑﻴﺖ ﺍﻟﻤﻘﺪﺱ, ﻟﺘﻮﺟﻬﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺤﺠﺔ، ﻓﺈﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ, ﻳﺠﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻬﻢ ﺃﻥ ﻗﺒﻠﺘﻪ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺮﺓ, ﻫﻲ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ، ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻮﻥ ﻳﺮﻭﻥ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻣﻔﺎﺧﺮﻫﻢ, ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ, ﻭﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﻣﻠﺔ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ, ﻭﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻘﺒﻠﻪ ﻣﺤﻤﺪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺗﻮﺟﻬﺖ ﻧﺤﻮﻩ ﺣﺠﺠﻬﻢ, ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ : ﻛﻴﻒ ﻳﺪﻋﻲ ﺃﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﻠﺔ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ, ﻭﻫﻮ
ﻣﻦ ﺫﺭﻳﺘﻪ, ﻭﻗﺪ ﺗﺮﻙ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﻗﺒﻠﺘﻪ؟
ﻓﺒﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ ﻗﺎﻣﺖ ﺍﻟﺤﺠﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ, ﻭﺍﻧﻘﻄﻌﺖ ﺣﺠﺠﻬﻢ ﻋﻠﻴﻪ .
}ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻇَﻠَﻤُﻮﺍ ﻣِﻨْﻬُﻢْ { ﺃﻱ : ﻣﻦ ﺍﺣﺘﺞ ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺤﺠﺔ, ﻫﻮ ﻇﺎﻟﻢ ﻓﻴﻬﺎ , ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﻣﺴﺘﻨﺪ ﺇﻻ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﻬﻮﻯ ﻭﺍﻟﻈﻠﻢ, ﻓﻬﺬﺍ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺇﻗﻨﺎﻋﻪ ﻭﺍﻻﺣﺘﺠﺎﺝ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﺒﻬﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻮﺭﺩﻭﻧﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻻﺣﺘﺠﺎﺝ ﻣﺤﻼ ﻳﺆﺑﻪ ﻟﻬﺎ, ﻭﻻ ﻳﻠﻘﻰ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻝ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻓَﻠَﺎ ﺗَﺨْﺸَﻮْﻫُﻢْ { ﻷﻥ ﺣﺠﺘﻬﻢ ﺑﺎﻃﻠﺔ, ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻛﺎﺳﻤﻪ ﻣﺨﺬﻭﻝ, ﻣﺨﺬﻭﻝ ﺻﺎﺣﺒﻪ، ﻭﻫﺬﺍ ﺑﺨﻼﻑ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺤﻖ, ﻓﺈﻥ ﻟﻠﺤﻖ ﺻﻮﻟﺔ ﻭﻋﺰﺍ, ﻳﻮﺟﺐ ﺧﺸﻴﺔ ﻣﻦ ﻫﻮ ﻣﻌﻪ, ﻭﺃﻣﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺨﺸﻴﺘﻪ, ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﺻﻞ ﻛﻞ ﺧﻴﺮ، ﻓﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﺨﺶ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﻢ ﻳﻨﻜﻒ ﻋﻦ ﻣﻌﺼﻴﺘﻪ, ﻭﻟﻢ ﻳﻤﺘﺜﻞ ﺃﻣﺮﻩ . ﻭﻛﺎﻥ ﺻﺮﻑ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ, ﻣﻤﺎ ﺣﺼﻠﺖ ﻓﻴﻪ ﻓﺘﻨﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ, ﺃﺷﺎﻋﻬﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ, ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻮﻥ, ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻮﻥ, ﻭﺃﻛﺜﺮﻭﺍ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﺍﻟﺸﺒﻪ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺑﺴﻄﻬﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻭﺑﻴﻨﻬﺎ ﺃﻛﻤﻞ ﺑﻴﺎﻥ, ﻭﺃﻛﺪﻫﺎ ﺑﺄﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺄﻛﻴﺪﺍﺕ, ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻤﻨﺘﻬﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ .
ﻣﻨﻬﺎ : ﺍﻷﻣﺮ ﺑﻬﺎ, ﺛﻼﺙ ﻣﺮﺍﺕ , ﻣﻊ ﻛﻔﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ، ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﻬﻮﺩ, ﺃﻥ ﺍﻷﻣﺮ, ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻠﺮﺳﻮﻝ, ﻓﺘﺪﺧﻞ ﻓﻴﻪ ﺍﻷﻣﺔ ﺗﺒﻌﺎ, ﺃﻭ ﻟﻸﻣﺔ ﻋﻤﻮﻣًﺎ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺃﻣﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺑﺎﻟﺨﺼﻮﺹ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻓَﻮَﻝِّ ﻭَﺟْﻬَﻚَ{ ﻭﺍﻷﻣﺔ ﻋﻤﻮﻣًﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ :  } ﻓَﻮَﻟُّﻮﺍ ﻭُﺟُﻮﻫَﻜُﻢْ {
ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻧﻪ ﺭﺩ ﻓﻴﻪ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻻﺣﺘﺠﺎﺟﺎﺕ ﺍﻟﺒﺎﻃﻠﺔ, ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻭﺭﺩﻫﺎ
ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﻨﺎﺩ ﻭﺃﺑﻄﻠﻬﺎ ﺷﺒﻬﺔ ﺷﺒﻬﺔ, ﻛﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﺗﻮﺿﻴﺤﻬﺎ، ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻧﻪ ﻗﻄﻊ ﺍﻷﻃﻤﺎﻉ ﻣﻦ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﻗﺒﻠﺔ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭﻣﻨﻬﺎ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻭَﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻠْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻚَ { ﻓﻤﺠﺮﺩ ﺇﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻛﺎﻑ ﺷﺎﻑ, ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﻗﺎﻝ : } ﻭَﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻠْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻚَ { ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻧﻪ ﺃﺧﺒﺮ ـ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﺎﻟﺨﻔﻴﺎﺕ ـ ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻣﺘﻘﺮﺭ ﻋﻨﺪﻫﻢ, ﺻﺤﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ , ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﻳﻜﺘﻤﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﻠﻢ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺗﻮﻟﻴﺘﻪ ﻟﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻘﺒﻠﺔ, ﻧﻌﻤﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ, ﻭﻛﺎﻥ ﻟﻄﻔﻪ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ, ﻟﻢ ﻳﺰﻝ ﻳﺘﺰﺍﻳﺪ, ﻭﻛﻠﻤﺎ ﺷﺮﻉ ﻟﻬﻢ ﺷﺮﻳﻌﺔ, ﻓﻬﻲ ﻧﻌﻤﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻗﺎﻝ : }ﻭَﻟِﺄُﺗِﻢَّ ﻧِﻌْﻤَﺘِﻲ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ { ﻓﺄﺻﻞ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ, ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻟﺪﻳﻨﻪ, ﺑﺈﺭﺳﺎﻝ ﺭﺳﻮﻟﻪ, ﻭﺇﻧﺰﺍﻝ ﻛﺘﺎﺑﻪ، ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ , ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﺘﻤﻤﺎﺕ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻷﺻﻞ, ﻻ ﺗﻌﺪ ﻛﺜﺮﺓ , ﻭﻻ ﺗﺤﺼﺮ, ﻣﻨﺬ ﺑﻌﺚ ﺍﻟﻠﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻗﺮﺏ ﺭﺣﻴﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻗﺪ ﺃﻋﻄﺎﻩ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ﻭﺍﻟﻨﻌﻢ, ﻭﺃﻋﻄﻰ ﺃﻣﺘﻪ, ﻣﺎ ﺃﺗﻢ ﺑﻪ ﻧﻌﻤﺘﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻋﻠﻴﻬﻢ, ﻭﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ : } ﺍﻟْﻴَﻮْﻡَ ﺃَﻛْﻤَﻠْﺖُ ﻟَﻜُﻢْ ﺩِﻳﻨَﻜُﻢْ ﻭَﺃَﺗْﻤَﻤْﺖُ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻧِﻌْﻤَﺘِﻲ ﻭَﺭَﺿِﻴﺖُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺈِﺳْﻠَﺎﻡَ ﺩِﻳﻨًﺎ{ ﻓﻠﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻓﻀﻠﻪ, ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻧﺒﻠﻎ ﻟﻪ ﻋﺪًﺍ, ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺸﻜﺮﻩ، } ﻭَﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﻬْﺘَﺪُﻭﻥَ { ﺃﻱ : ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﺗﻌﻤﻠﻮﻥ ﺑﻪ، ﻓﺎﻟﻠﻪ ﺗﺒﺎﺭﻙ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ـ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺘﻪ ـ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩ, ﻗﺪ ﻳﺴﺮ ﻟﻬﻢ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻴﺴﻴﺮ, ﻭﻧﺒﻬﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻙ ﻃﺮﻗﻬﺎ, ﻭﺑﻴﻨﻬﺎ ﻟﻬﻢ ﺃﺗﻢ ﺗﺒﻴﻴﻦ، ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺫﻟﻚ ﺃﻧﻪ ﻳﻘﻴﺾ ﻟﻠﺤﻖ, ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﺪﻳﻦ ﻟﻪ ﻓﻴﺠﺎﺩﻟﻮﻥ ﻓﻴﻪ , ﻓﻴﺘﻀﺢ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺁﻳﺎﺗﻪ ﻭﺃﻋﻼﻣﻪ, ﻭﻳﺘﻀﺢ ﺑﻄﻼﻥ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ, ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻟﻪ، ﻭﻟﻮﻻ ﻗﻴﺎﻣﻪ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺍﻟﺤﻖ, ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﺣﺎﻟﻪ ﻷﻛﺜﺮ ﺍﻟﺨﻠﻖ، ﻭﺑﻀﺪﻫﺎ ﺗﺘﺒﻴﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ، ﻓﻠﻮﻻ ﺍﻟﻠﻴﻞ, ﻣﺎ ﻋﺮﻑ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ، ﻭﻟﻮﻻ ﺍﻟﻘﺒﻴﺢ, ﻣﺎ ﻋﺮﻑ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﺤﺴﻦ، ﻭﻟﻮﻻ ﺍﻟﻈﻠﻤﺔ ﻣﺎ ﻋﺮﻑ ﻣﻨﻔﻌﺔ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻟﻮﻻ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻣﺎ ﺍﺗﻀﺢ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﺗﻀﺎﺣًﺎ ﻇﺎﻫﺮًﺍ، ﻓﻠﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ .


‏[151 ـ 152 ‏] } ﻛَﻤَﺎ ﺃَﺭْﺳَﻠْﻨَﺎ ﻓِﻴﻜُﻢْ ﺭَﺳُﻮﻟًﺎ ﻣِﻨْﻜُﻢْ ﻳَﺘْﻠُﻮ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺁﻳَﺎﺗِﻨَﺎ ﻭَﻳُﺰَﻛِّﻴﻜُﻢْ ﻭَﻳُﻌَﻠِّﻤُﻜُﻢُ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﻭَﺍﻟْﺤِﻜْﻤَﺔَ ﻭَﻳُﻌَﻠِّﻤُﻜُﻢْ ﻣَﺎ ﻟَﻢْ ﺗَﻜُﻮﻧُﻮﺍ ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ * ﻓَﺎﺫْﻛُﺮُﻭﻧِﻲ ﺃَﺫْﻛُﺮْﻛُﻢْ ﻭَﺍﺷْﻜُﺮُﻭﺍ ﻟِﻲ ﻭَﻟَﺎ
ﺗَﻜْﻔُﺮُﻭﻥِ {


ﻳﻘﻮﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ﺇﻥ ﺇﻧﻌﺎﻣﻨﺎ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺑﺎﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺍﻟﻜﻌﺒﺔ ﻭﺇﺗﻤﺎﻣﻬﺎ
ﺑﺎﻟﺸﺮﺍﺋﻊ ﻭﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﺘﻤﻤﺔ, ﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ ﺑﺒﺪﻉ ﻣﻦ ﺇﺣﺴﺎﻧﻨﺎ, ﻭﻻ
ﺑﺄﻭﻟﻪ, ﺑﻞ ﺃﻧﻌﻤﻨﺎ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺑﺄﺻﻮﻝ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﻭﻣﺘﻤﻤﺎﺗﻬﺎ, ﻓﺄﺑﻠﻐﻬﺎ
ﺇﺭﺳﺎﻟﻨﺎ ﺇﻟﻴﻜﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻣﻨﻜﻢ , ﺗﻌﺮﻓﻮﻥ ﻧﺴﺒﻪ
ﻭﺻﺪﻗﻪ, ﻭﺃﻣﺎﻧﺘﻪ ﻭﻛﻤﺎﻟﻪ ﻭﻧﺼﺤﻪ . } ﻳَﺘْﻠُﻮ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺁﻳَﺎﺗِﻨَﺎ { ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻌﻢ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ، ﻓﻬﻮ ﻳﺘﻠﻮ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺒﻴﻨﺔ ﻟﻠﺤﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ, ﻭﺍﻟﻬﺪﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﻼﻝ, ﺍﻟﺘﻲ ﺩﻟﺘﻜﻢ ﺃﻭﻻ, ﻋﻠﻰ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻛﻤﺎﻟﻪ, ﺛﻢ ﻋﻠﻰ ﺻﺪﻕ ﺭﺳﻮﻟﻪ, ﻭﻭﺟﻮﺏ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻪ, ﺛﻢ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﺃﺧﺒﺮ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩ ﻭﺍﻟﻐﻴﻮﺏ, ﺣﺘﻰ ﺣﺼﻞ ﻟﻜﻢ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ, ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ
ﺍﻟﻴﻘﻴﻨﻲ . } ﻭَﻳُﺰَﻛِّﻴﻜُﻢْ{ ﺃﻱ: ﻳﻄﻬﺮ ﺃﺧﻼﻗﻜﻢ ﻭﻧﻔﻮﺳﻜﻢ, ﺑﺘﺮﺑﻴﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ, ﻭﺗﻨﺰﻳﻬﻬﺎ ﻋﻦ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﺮﺫﻳﻠﺔ, ﻭﺫﻟﻚ ﻛﺘﺰﻛﻴﺘﻜﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ , ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﺧﻼﺹ, ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻜﺬﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺪﻕ, ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺎﻧﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻣﺎﻧﺔ, ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻜﺒﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻮﺍﺿﻊ, ﻭﻣﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺇﻟﻰ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﺨﻠﻖ, ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺘﺒﺎﻏﺾ ﻭﺍﻟﺘﻬﺎﺟﺮ ﻭﺍﻟﺘﻘﺎﻃﻊ, ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺤﺎﺏ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﺩﺩ , ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﺰﻛﻴﺔ .
} ﻭَﻳُﻌَﻠِّﻤُﻜُﻢُ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ{ ﺃﻱ: ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ, ﺃﻟﻔﺎﻇﻪ ﻭﻣﻌﺎﻧﻴﻪ، } ﻭَﺍﻟْﺤِﻜْﻤَﺔَ { ﻗﻴﻞ : ﻫﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ, ﻭﻗﻴﻞ : ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ, ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﺍﻟﻔﻘﻪ ﻓﻴﻬﺎ, ﻭﺗﻨﺰﻳﻞ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻣﻨﺎﺯﻟﻬﺎ .
ﻓﻴﻜﻮﻥ ـ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ـ ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺩﺍﺧﻼ ﻓﻲ ﺗﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ, ﻷﻥ ﺍﻟﺴﻨﺔ, ﺗﺒﻴﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺗﻔﺴﺮﻩ, ﻭﺗﻌﺒﺮ ﻋﻨﻪ، } ﻭَﻳُﻌَﻠِّﻤُﻜُﻢْ ﻣَﺎ ﻟَﻢْ ﺗَﻜُﻮﻧُﻮﺍ ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ{ ﻷﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺒﻞ ﺑﻌﺜﺘﻪ, ﻓﻲ ﺿﻼﻝ ﻣﺒﻴﻦ, ﻻ ﻋﻠﻢ ﻭﻻ ﻋﻤﻞ، ﻓﻜﻞ ﻋﻠﻢ ﺃﻭ ﻋﻤﻞ, ﻧﺎﻟﺘﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﻓﻌﻠﻰ ﻳﺪﻩ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻭﺑﺴﺒﺒﻪ ﻛﺎﻥ، ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﻫﻲ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ, ﻭﻟﻬﻲ ﺃﻛﺒﺮ ﻧﻌﻢ ﻳﻨﻌﻢ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ، ﻓﻮﻇﻴﻔﺘﻬﻢ ﺷﻜﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻬﺎ؛ ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: } ﻓَﺎﺫْﻛُﺮُﻭﻧِﻲ ﺃَﺫْﻛُﺮْﻛُﻢْ{ ﻓﺄﻣﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺬﻛﺮﻩ, ﻭﻭﻋﺪ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻓﻀﻞ ﺟﺰﺍﺀ, ﻭﻫﻮ ﺫﻛﺮﻩ ﻟﻤﻦ ﺫﻛﺮﻩ, ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎﻥ ﺭﺳﻮﻟﻪ : ‏(ﻣﻦ ﺫﻛﺮﻧﻲ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﺫﻛﺮﺗﻪ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ, ﻭﻣﻦ ﺫﻛﺮﻧﻲ ﻓﻲ ﻣﻸ ﺫﻛﺮﺗﻪ ﻓﻲ ﻣﻸ ﺧﻴﺮ ﻣﻨﻬﻢ ‏)
ﻭﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺃﻓﻀﻠﻪ, ﻣﺎ ﺗﻮﺍﻃﺄ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﻠﺴﺎﻥ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻛﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺜﻤﺮ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻣﺤﺒﺘﻪ, ﻭﻛﺜﺮﺓ ﺛﻮﺍﺑﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻛﺮ ﻫﻮ ﺭﺃﺱ ﺍﻟﺸﻜﺮ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﺑﻪ ﺧﺼﻮﺻًﺎ, ﺛﻢ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻩ ﺃﻣﺮ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﻋﻤﻮﻣًﺎ ﻓﻘﺎﻝ : } ﻭَﺍﺷْﻜُﺮُﻭﺍ ﻟِﻲ { ﺃﻱ : ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺃﻧﻌﻤﺖ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻨﻌﻢ، ﻭﺩﻓﻌﺖ ﻋﻨﻜﻢ ﺻﻨﻮﻑ ﺍﻟﻨﻘﻢ، ﻭﺍﻟﺸﻜﺮ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺎﻟﻘﻠﺐ , ﺇﻗﺮﺍﺭﺍ ﺑﺎﻟﻨﻌﻢ, ﻭﺍﻋﺘﺮﺍﻓﺎ, ﻭﺑﺎﻟﻠﺴﺎﻥ, ﺫﻛﺮﺍ ﻭﺛﻨﺎﺀ, ﻭﺑﺎﻟﺠﻮﺍﺭﺡ, ﻃﺎﻋﺔ ﻟﻠﻪ ﻭﺍﻧﻘﻴﺎﺩﺍ ﻷﻣﺮﻩ, ﻭﺍﺟﺘﻨﺎﺑﺎ ﻟﻨﻬﻴﻪ, ﻓﺎﻟﺸﻜﺮ ﻓﻴﻪ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ, ﻭﺯﻳﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩﺓ، ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻟَﺌِﻦْ ﺷَﻜَﺮْﺗُﻢْ ﻟَﺄَﺯِﻳﺪَﻧَّﻜُﻢْ{ ﻭﻓﻲ ﺍﻹﺗﻴﺎﻥ ﺑﺎﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ, ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺗﺰﻛﻴﺔ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﻟﻸﻋﻤﺎﻝ, ﺑﻴﺎﻥ ﺃﻧﻬﺎ ﺃﻛﺒﺮ ﺍﻟﻨﻌﻢ, ﺑﻞ ﻫﻲ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ؟ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻭﻡ, ﺇﺫﺍ ﺯﺍﻝ ﻏﻴﺮﻫﺎ ﻭﺃﻧﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻤﻦ ﻭﻓﻘﻮﺍ ﻟﻌﻠﻢ ﺃﻭ ﻋﻤﻞ, ﺃﻥ ﻳﺸﻜﺮﻭﺍ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ, ﻟﻴﺰﻳﺪﻫﻢ ﻣﻦ ﻓﻀﻠﻪ, ﻭﻟﻴﻨﺪﻓﻊ ﻋﻨﻬﻢ ﺍﻹﻋﺠﺎﺏ, ﻓﻴﺸﺘﻐﻠﻮﺍ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ . ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﺿﺪﻩ ﺍﻟﻜﻔﺮ, ﻧﻬﻰ ﻋﻦ ﺿﺪﻩ ﻓﻘﺎﻝ : }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﻜْﻔُﺮُﻭﻥِ { ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺎﻟﻜﻔﺮ ﻫﺎ ﻫﻨﺎ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﺸﻜﺮ, ﻓﻬﻮ ﻛﻔﺮ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﻭﺟﺤﺪﻫﺎ, ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻬﺎ، ﻭﻳﺤﺘﻤﻞ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻋﺎﻣﺎ, ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﺃﻧﻮﺍﻋﺎ ﻛﺜﻴﺮﺓ, ﺃﻋﻈﻤﻪ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﺑﺎﻟﻠﻪ, ﺛﻢ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ, ﻋﻠﻰ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﺃﻧﻮﺍﻋﻬﺎ ﻭﺃﺟﻨﺎﺳﻬﺎ, ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ , ﻓﻤﺎ ﺩﻭﻧﻪ .


‏[153 ‏] } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺍﺳْﺘَﻌِﻴﻨُﻮﺍ ﺑِﺎﻟﺼَّﺒْﺮِ ﻭَﺍﻟﺼَّﻠَﺎﺓِ ﺇِﻥَّ
ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻣَﻊَ ﺍﻟﺼَّﺎﺑِﺮِﻳﻦَ {
ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ , ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﻮﺭﻫﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ
ﻭﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ } ﺑِﺎﻟﺼَّﺒْﺮِ ﻭَﺍﻟﺼَّﻠَﺎﺓِ { ﻓﺎﻟﺼﺒﺮ ﻫﻮ: ﺣﺒﺲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻛﻔﻬﺎ ﻋﻤﺎ ﺗﻜﺮﻩ, ﻓﻬﻮ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻗﺴﺎﻡ : ﺻﺒﺮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻃﺎﻋﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﺗﺆﺩﻳﻬﺎ, ﻭﻋﻦ ﻣﻌﺼﻴﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﺗﺘﺮﻛﻬﺎ, ﻭﻋﻠﻰ ﺃﻗﺪﺍﺭ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺆﻟﻤﺔ ﻓﻼ ﺗﺘﺴﺨﻄﻬﺎ، ﻓﺎﻟﺼﺒﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻌﻮﻧﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺃﻣﺮ, ﻓﻼ ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻐﻴﺮ ﺍﻟﺼﺎﺑﺮ, ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻙ ﻣﻄﻠﻮﺑﻪ، ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﺍﻟﻄﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺸﺎﻗﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮﺓ, ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻣﻔﺘﻘﺮﺓ ﺃﺷﺪ ﺍﻻﻓﺘﻘﺎﺭ, ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻤﻞ ﺍﻟﺼﺒﺮ, ﻭﺗﺠﺮﻉ ﺍﻟﻤﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﺸﺎﻗﺔ، ﻓﺈﺫﺍ ﻻﺯﻡ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ ﺍﻟﺼﺒﺮ, ﻓﺎﺯ ﺑﺎﻟﻨﺠﺎﺡ, ﻭﺇﻥ ﺭﺩﻩ ﺍﻟﻤﻜﺮﻭﻩ ﻭﺍﻟﻤﺸﻘﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻭﺍﻟﻤﻼﺯﻣﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ , ﻟﻢ ﻳﺪﺭﻙ ﺷﻴﺌًﺎ, ﻭﺣﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺮﻣﺎﻥ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻌﺼﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﺘﺪ ﺩﻭﺍﻋﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻧﻮﺍﺯﻋﻬﺎ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﻫﻲ ﻓﻲ ﻣﺤﻞ ﻗﺪﺭﺓ ﺍﻟﻌﺒﺪ، ﻓﻬﺬﻩ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺮﻛﻬﺎ ﺇﻻ ﺑﺼﺒﺮ ﻋﻈﻴﻢ, ﻭﻛﻒ ﻟﺪﻭﺍﻋﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻭﻧﻮﺍﺯﻋﻬﺎ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻭﺍﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺼﻤﺔ ﻣﻨﻬﺎ, ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺘﻦ ﺍﻟﻜﺒﺎﺭ . ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺒﻼﺀ ﺍﻟﺸﺎﻕ, ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﺇﻥ ﺍﺳﺘﻤﺮ , ﻓﻬﺬﺍ ﺗﻀﻌﻒ ﻣﻌﻪ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻨﻔﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ, ﻭﻳﻮﺟﺪ ﻣﻘﺘﻀﺎﻫﺎ , ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺘﺴﺨﻂ, ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻘﺎﻭﻣﻬﺎ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ ﺑﺎﻟﺼﺒﺮ ﻟﻠﻪ, ﻭﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﺍﻟﻠﺠﺄ ﺇﻟﻴﻪ , ﻭﺍﻻﻓﺘﻘﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﺍﻡ .
ﻓﻌﻠﻤﺖ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻣﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻌﺒﺪ , ﺑﻞ ﻣﻀﻄﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﻛﻞ
ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻪ, ﻭﺃﺧﺒﺮ ﺃﻧﻪ } ﻣَﻊَ
ﺍﻟﺼَّﺎﺑِﺮِﻳﻦَ { ﺃﻱ : ﻣﻊ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻟﻬﻢ ﺧﻠﻘﺎ, ﻭﺻﻔﺔ, ﻭﻣﻠﻜﺔ ﺑﻤﻌﻮﻧﺘﻪ ﻭﺗﻮﻓﻴﻘﻪ, ﻭﺗﺴﺪﻳﺪﻩ، ﻓﻬﺎﻧﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺬﻟﻚ, ﺍﻟﻤﺸﺎﻕ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﺭﻩ , ﻭﺳﻬﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﻞ ﻋﻈﻴﻢ, ﻭﺯﺍﻟﺖ ﻋﻨﻬﻢ ﻛﻞ ﺻﻌﻮﺑﺔ، ﻭﻫﺬﻩ ﻣﻌﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ, ﺗﻘﺘﻀﻲ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﻭﻣﻌﻮﻧﺘﻪ, ﻭﻧﺼﺮﻩ ﻭﻗﺮﺑﻪ, ﻭﻫﺬﻩ ‏[ ﻣﻨﻘﺒﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ‏] ﻟﻠﺼﺎﺑﺮﻳﻦ، ﻓﻠﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻠﺼﺎﺑﺮﻳﻦ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﺇﻻ ﺃﻧﻬﻢ ﻓﺎﺯﻭﺍ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﻜﻔﻰ ﺑﻬﺎ ﻓﻀﻼ ﻭﺷﺮﻓﺎ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ, ﻓﻬﻲ ﻣﻌﻴﺔ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭﺓ , ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻫُﻮَ ﻣَﻌَﻜُﻢْ ﺃَﻳْﻦَ ﻣَﺎ ﻛُﻨْﺘُﻢْ { ﻭﻫﺬﻩ ﻋﺎﻣﺔ ﻟﻠﺨﻠﻖ . ﻭﺃﻣﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺎﻟﺼﻼﺓ ﻷﻥ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻫﻲ ﻋﻤﺎﺩ ﺍﻟﺪﻳﻦ, ﻭﻧﻮﺭ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ, ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺼﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﺑﻴﻦ ﺭﺑﻪ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺻﻼﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ , ﻣﺠﺘﻤﻌﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﻠﺰﻡ ﻓﻴﻬﺎ, ﻭﻣﺎ ﻳﺴﻦ, ﻭﺣﺼﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺣﻀﻮﺭ ﺍﻟﻘﻠﺐ , ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻟﺒﻬﺎ ﻓﺼﺎﺭ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺇﺫﺍ ﺩﺧﻞ ﻓﻴﻬﺎ , ﺍﺳﺘﺸﻌﺮ ﺩﺧﻮﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺭﺑﻪ, ﻭﻭﻗﻮﻓﻪ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻪ, ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﺨﺎﺩﻡ ﺍﻟﻤﺘﺄﺩﺏ, ﻣﺴﺘﺤﻀﺮﺍ ﻟﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﻭﻣﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ, ﻣﺴﺘﻐﺮﻗﺎ ﺑﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﺭﺑﻪ ﻭﺩﻋﺎﺋﻪ ﻻ ﺟﺮﻡ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻼﺓ, ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ ﺍﻟﻤﻌﻮﻧﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺗﻨﻬﻰ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺤﺸﺎﺀ
ﻭﺍﻟﻤﻨﻜﺮ، ﻭﻷﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻀﻮﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻼﺓ , ﻳﻮﺟﺐ
ﻟﻠﻌﺒﺪ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ, ﻭﺻﻔﺎ, ﻭﺩﺍﻋﻴﺎ ﻳﺪﻋﻮﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻣﺘﺜﺎﻝ ﺃﻭﺍﻣﺮ ﺭﺑﻪ,
ﻭﺍﺟﺘﻨﺎﺏ ﻧﻮﺍﻫﻴﻪ، ﻫﺬﻩ ﻫﻲ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻧﺴﺘﻌﻴﻦ
ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ..

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: •° تفسير سورة البقرة من الآية (145) إلى ( 163) °• تفسير السعدي   الجمعة سبتمبر 05, 2014 8:10 pm

‏[154 ‏] }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﻘُﻮﻟُﻮﺍ ﻟِﻤَﻦْ ﻳُﻘْﺘَﻞُ ﻓِﻲ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺃَﻣْﻮَﺍﺕٌ ﺑَﻞْ ﺃَﺣْﻴَﺎﺀٌ ﻭَﻟَﻜِﻦْ ﻟَﺎ ﺗَﺸْﻌُﺮُﻭﻥَ{


ﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮ ﺗﺒﺎﺭﻙ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺎﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ
ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺫﻛﺮ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﻌﺎﻥ ﺑﺎﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ
ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻠﻪ, ﻭﻫﻮ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﻄﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﻧﻴﺔ, ﻭﺃﺷﻘﻬﺎ ﻋﻠﻰ
ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ, ﻟﻤﺸﻘﺘﻪ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ, ﻭﻟﻜﻮﻧﻪ ﻣﺆﺩﻳﺎ ﻟﻠﻘﺘﻞ, ﻭﻋﺪﻡ
ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ, ﺍﻟﺘﻲ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺮﻏﺐ ﺍﻟﺮﺍﻏﺒﻮﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻟﺤﺼﻮﻝ
ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻮﺍﺯﻣﻬﺎ، ﻓﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﺼﺮﻓﻮﻥ ﺑﻪ, ﻓﺈﻧﻪ ﺳﻌﻰ ﻟﻬﺎ, ﻭﺩﻓﻊ ﻟﻤﺎ ﻳﻀﺎﺩﻫﺎ .
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﻻ ﻳﺘﺮﻛﻪ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ ﺇﻻ ﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﻨﻪ ﻭﺃﻋﻈﻢ، ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ﺃﻥ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻠﻪ, ﺑﺄﻥ ﻗﺎﺗﻞ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﺘﻜﻮﻥ ﻛﻠﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ, ﻭﺩﻳﻨﻪ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ , ﻻ ﻟﻐﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻷﻏﺮﺍﺽ, ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻢ ﺗﻔﺘﻪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺑﺔ, ﺑﻞ ﺣﺼﻞ ﻟﻪ ﺣﻴﺎﺓ ﺃﻋﻈﻢ ﻭﺃﻛﻤﻞ, ﻣﻤﺎ ﺗﻈﻨﻮﻥ ﻭﺗﺤﺴﺒﻮﻥ .
ﻓﺎﻟﺸﻬﺪﺍﺀ }ﺃَﺣْﻴَﺎﺀٌ ﻋِﻨْﺪَ ﺭَﺑِّﻬِﻢْ ﻳُﺮْﺯَﻗُﻮﻥَ ﻓَﺮِﺣِﻴﻦَ ﺑِﻤَﺎ ﺁﺗَﺎﻫُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣِﻦْ ﻓَﻀْﻠِﻪِ ﻭَﻳَﺴْﺘَﺒْﺸِﺮُﻭﻥَ ﺑِﺎﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻟَﻢْ ﻳَﻠْﺤَﻘُﻮﺍ ﺑِﻬِﻢْ ﻣِﻦْ ﺧَﻠْﻔِﻬِﻢْ ﺃَﻟَّﺎ ﺧَﻮْﻑٌ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﻭَﻟَﺎ ﻫُﻢْ ﻳَﺤْﺰَﻧُﻮﻥَ ﻳَﺴْﺘَﺒْﺸِﺮُﻭﻥَ ﺑِﻨِﻌْﻤَﺔٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﻓَﻀْﻞٍ ﻭَﺃَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻟَﺎ ﻳُﻀِﻴﻊُ ﺃَﺟْﺮَ ﺍﻟْﻤُﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ{
ﻓﻬﻞ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺘﻀﻤﻨﺔ ﻟﻠﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ,
ﻭﺗﻤﺘﻌﻬﻢ ﺑﺮﺯﻗﻪ ﺍﻟﺒﺪﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺄﻛﻮﻻﺕ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻭﺑﺎﺕ ﺍﻟﻠﺬﻳﺬﺓ, ﻭﺍﻟﺮﺯﻕ ﺍﻟﺮﻭﺣﻲ , ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻔﺮﺡ، ﻭﺍﻻﺳﺘﺒﺸﺎﺭ ﻭﺯﻭﺍﻝ ﻛﻞ ﺧﻮﻑ ﻭﺣﺰﻥ، ﻭﻫﺬﻩ ﺣﻴﺎﺓ ﺑﺮﺯﺧﻴﺔ ﺃﻛﻤﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﺑﻞ ﻗﺪ ﺃﺧﺒﺮ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺃﻥ ﺃﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﻓﻲ ﺃﺟﻮﺍﻑ ﻃﻴﻮﺭ ﺧﻀﺮ ﺗﺮﺩ ﺃﻧﻬﺎﺭ ﺍﻟﺠﻨﺔ, ﻭﺗﺄﻛﻞ ﻣﻦ ﺛﻤﺎﺭﻫﺎ , ﻭﺗﺄﻭﻱ ﺇﻟﻰ ﻗﻨﺎﺩﻳﻞ ﻣﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻌﺮﺵ . ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ , ﺃﻋﻈﻢ ﺣﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻣﻼﺯﻣﺔ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﻠﻮ ﺷﻌﺮ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﺑﻤﺎ ﻟﻠﻤﻘﺘﻮﻟﻴﻦ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﻟﻢ ﻳﺘﺨﻠﻒ ﻋﻨﻪ ﺃﺣﺪ، ﻭﻟﻜﻦ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﻴﻘﻴﻨﻲ ﺍﻟﺘﺎﻡ , ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﺘﺮ ﺍﻟﻌﺰﺍﺋﻢ, ﻭﺯﺍﺩ ﻧﻮﻡ ﺍﻟﻨﺎﺋﻢ, ﻭﺃﻓﺎﺕ ﺍﻷﺟﻮﺭ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﻐﻨﺎﺋﻢ، ﻟﻢ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻛﺬﻟﻚ
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪ : }ﺍﺷْﺘَﺮَﻯ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻤُﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ ﺃَﻧْﻔُﺴَﻬُﻢْ ﻭَﺃَﻣْﻮَﺍﻟَﻬُﻢْ ﺑِﺄَﻥَّ ﻟَﻬُﻢُ ﺍﻟْﺠَﻨَّﺔَ ﻳُﻘَﺎﺗِﻠُﻮﻥَ ﻓِﻲ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﻴَﻘْﺘُﻠُﻮﻥَ ﻭَﻳُﻘْﺘَﻠُﻮﻥَ{
ﻓﻮﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺃﻟﻒ ﻧﻔﺲ, ﺗﺬﻫﺐ ﻧﻔﺴﺎ ﻓﻨﻔﺴﺎ ﻓﻲ
ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻈﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺟﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻻ ﻳﺘﻤﻨﻰ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﺑﻌﺪﻣﺎ ﻋﺎﻳﻨﻮﺍ ﻣﻦ ﺛﻮﺍﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺣﺴﻦ ﺟﺰﺍﺋﻪ ﺇﻻ ﺃﻥ ﻳﺮﺩﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ, ﺣﺘﻰ ﻳﻘﺘﻠﻮﺍ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻠﻪ ﻣﺮﺓ ﺑﻌﺪ ﻣﺮﺓ . ﻭﻓﻲ ﺍﻵﻳﺔ, ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﻌﻴﻢ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ ﻭﻋﺬﺍﺑﻪ, ﻛﻤﺎ ﺗﻜﺎﺛﺮﺕ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ .


‏[155 ـ 157 ‏] }ﻭَﻟَﻨَﺒْﻠُﻮَﻧَّﻜُﻢْ ﺑِﺸَﻲْﺀٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﺨَﻮْﻑِ ﻭَﺍﻟْﺠُﻮﻉِ ﻭَﻧَﻘْﺺٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﺄَﻣْﻮَﺍﻝِ ﻭَﺍﻟْﺄَﻧْﻔُﺲِ ﻭَﺍﻟﺜَّﻤَﺮَﺍﺕِ ﻭَﺑَﺸِّﺮِ ﺍﻟﺼَّﺎﺑِﺮِﻳﻦَ * ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺇِﺫَﺍ ﺃَﺻَﺎﺑَﺘْﻬُﻢْ ﻣُﺼِﻴﺒَﺔٌ ﻗَﺎﻟُﻮﺍ ﺇِﻧَّﺎ ﻟِﻠَّﻪِ ﻭَﺇِﻧَّﺎ ﺇِﻟَﻴْﻪِ ﺭَﺍﺟِﻌُﻮﻥَ * ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﺻَﻠَﻮَﺍﺕٌ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻬِﻢْ ﻭَﺭَﺣْﻤَﺔٌ ﻭَﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻫُﻢُ ﺍﻟْﻤُﻬْﺘَﺪُﻭﻥَ{


ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﺒﺘﻠﻲ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺑﺎﻟﻤﺤﻦ, ﻟﻴﺘﺒﻴﻦ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ
ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﺫﺏ, ﻭﺍﻟﺠﺎﺯﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺎﺑﺮ, ﻭﻫﺬﻩ ﺳﻨﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ
ﻋﺒﺎﺩﻩ؛ ﻷﻥ ﺍﻟﺴﺮﺍﺀ ﻟﻮ ﺍﺳﺘﻤﺮﺕ ﻷﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ, ﻭﻟﻢ ﻳﺤﺼﻞ ﻣﻌﻬﺎ ﻣﺤﻨﺔ, ﻟﺤﺼﻞ ﺍﻻﺧﺘﻼﻁ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻓﺴﺎﺩ, ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺮ . ﻫﺬﻩ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﺍﻟﻤﺤﻦ, ﻻ ﺇﺯﺍﻟﺔ ﻣﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ, ﻭﻻ ﺭﺩﻫﻢ ﻋﻦ ﺩﻳﻨﻬﻢ, ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻴﻀﻴﻊ ﺇﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻓﺄﺧﺒﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺃﻧﻪ ﺳﻴﺒﺘﻠﻲ ﻋﺒﺎﺩﻩ } ﺑِﺸَﻲْﺀٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﺨَﻮْﻑِ { ﻣﻦ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ }ﻭَﺍﻟْﺠُﻮﻉِ { ﺃﻱ : ﺑﺸﻲﺀ ﻳﺴﻴﺮ ﻣﻨﻬﻤﺎ؛ ﻷﻧﻪ ﻟﻮ ﺍﺑﺘﻼﻫﻢ ﺑﺎﻟﺨﻮﻑ ﻛﻠﻪ , ﺃﻭ ﺍﻟﺠﻮﻉ, ﻟﻬﻠﻜﻮﺍ, ﻭﺍﻟﻤﺤﻦ ﺗﻤﺤﺺ ﻻ ﺗﻬﻠﻚ .


} ﻭَﻧَﻘْﺺٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﺄَﻣْﻮَﺍﻝِ{ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺸﻤﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﻘﺺ ﺍﻟﻤﻌﺘﺮﻱ
ﻟﻸﻣﻮﺍﻝ ﻣﻦ ﺟﻮﺍﺋﺢ ﺳﻤﺎﻭﻳﺔ, ﻭﻏﺮﻕ , ﻭﺿﻴﺎﻉ, ﻭﺃﺧﺬ ﺍﻟﻈﻠﻤﺔ
ﻟﻸﻣﻮﺍﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻠﻮﻙ ﺍﻟﻈﻠﻤﺔ, ﻭﻗﻄﺎﻉ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ .
} ﻭَﺍﻟْﺄَﻧْﻔُﺲِ{ ﺃﻱ : ﺫﻫﺎﺏ ﺍﻷﺣﺒﺎﺏ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﻻﺩ, ﻭﺍﻷﻗﺎﺭﺏ,
ﻭﺍﻷﺻﺤﺎﺏ, ﻭﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﻓﻲ ﺑﺪﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ , ﺃﻭ ﺑﺪﻥ ﻣﻦ ﻳﺤﺒﻪ، } ﻭَﺍﻟﺜَّﻤَﺮَﺍﺕِ { ﺃﻱ : ﺍﻟﺤﺒﻮﺏ, ﻭﺛﻤﺎﺭ ﺍﻟﻨﺨﻴﻞ, ﻭﺍﻷﺷﺠﺎﺭ ﻛﻠﻬﺎ, ﻭﺍﻟﺨﻀﺮ ﺑﺒﺮﺩ, ﺃﻭ ﺑﺮﺩ, ﺃﻭ ﺣﺮﻕ , ﺃﻭ ﺁﻓﺔ ﺳﻤﺎﻭﻳﺔ, ﻣﻦ ﺟﺮﺍﺩ ﻭﻧﺤﻮﻩ .
ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ, ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﺗﻘﻊ, ﻷﻥ ﺍﻟﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﺨﺒﻴﺮ, ﺃﺧﺒﺮ ﺑﻬﺎ,
ﻓﻮﻗﻌﺖ ﻛﻤﺎ ﺃﺧﺒﺮ، ﻓﺈﺫﺍ ﻭﻗﻌﺖ ﺍﻧﻘﺴﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻗﺴﻤﻴﻦ : ﺟﺎﺯﻋﻴﻦ ﻭﺻﺎﺑﺮﻳﻦ، ﻓﺎﻟﺠﺎﺯﻉ, ﺣﺼﻠﺖ ﻟﻪ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺘﺎﻥ, ﻓﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ, ﻭﻫﻮ ﻭﺟﻮﺩ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ، ﻭﻓﻮﺍﺕ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻨﻬﺎ, ﻭﻫﻮ ﺍﻷﺟﺮ ﺑﺎﻣﺘﺜﺎﻝ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﺼﺒﺮ، ﻓﻔﺎﺯ ﺑﺎﻟﺨﺴﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺤﺮﻣﺎﻥ, ﻭﻧﻘﺺ ﻣﺎ ﻣﻌﻪ ﻣﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻭﻓﺎﺗﻪ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻭﺍﻟﺮﺿﺎ ﻭﺍﻟﺸﻜﺮﺍﻥ, ﻭﺣﺼﻞ ‏[ﻟﻪ ‏] ﺍﻟﺴﺨﻂ ﺍﻟﺪﺍﻝ ﻋﻠﻰ ﺷﺪﺓ ﺍﻟﻨﻘﺼﺎﻥ .
ﻭﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﻭﻓﻘﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻠﺼﺒﺮ ﻋﻨﺪ ﻭﺟﻮﺩ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ, ﻓﺤﺒﺲ
ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺴﺨﻂ, ﻗﻮﻻ ﻭﻓﻌﻼ, ﻭﺍﺣﺘﺴﺐ ﺃﺟﺮﻫﺎ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ,
ﻭﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﺪﺭﻛﻪ ﻣﻦ ﺍﻷﺟﺮ ﺑﺼﺒﺮﻩ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺼﻠﺖ ﻟﻪ, ﺑﻞ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﻌﻤﺔ ﻓﻲ ﺣﻘﻪ, ﻷﻧﻬﺎ ﺻﺎﺭﺕ ﻃﺮﻳﻘﺎ ﻟﺤﺼﻮﻝ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺧﻴﺮ ﻟﻪ ﻭﺃﻧﻔﻊ ﻣﻨﻬﺎ, ﻓﻘﺪ ﺍﻣﺘﺜﻞ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻓﺎﺯ ﺑﺎﻟﺜﻮﺍﺏ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : }ﻭَﺑَﺸِّﺮِ ﺍﻟﺼَّﺎﺑِﺮِﻳﻦَ { ﺃﻱ : ﺑﺸﺮﻫﻢ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻳﻮﻓﻮﻥ ﺃﺟﺮﻫﻢ ﺑﻐﻴﺮ ﺣﺴﺎﺏ .
ﻓﺎﻟﺼﺎﺑﺮﻳﻦ, ﻫﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻓﺎﺯﻭﺍ ﺑﺎﻟﺒﺸﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ , ﻭﺍﻟﻤﻨﺤﺔ
ﺍﻟﺠﺴﻴﻤﺔ، ﺛﻢ ﻭﺻﻔﻬﻢ ﺑﻘﻮﻟﻪ : } ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺇِﺫَﺍ ﺃَﺻَﺎﺑَﺘْﻬُﻢْ ﻣُﺼِﻴﺒَﺔٌ{ ﻭﻫﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺆﻟﻢ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺃﻭ ﺍﻟﺒﺪﻥ ﺃﻭ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ ﻣﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﺫﻛﺮﻩ .
} ﻗَﺎﻟُﻮﺍ ﺇِﻧَّﺎ ﻟِﻠَّﻪِ { ﺃﻱ : ﻣﻤﻠﻮﻛﻮﻥ ﻟﻠﻪ, ﻣﺪﺑﺮﻭﻥ ﺗﺤﺖ ﺃﻣﺮﻩ
ﻭﺗﺼﺮﻳﻔﻪ , ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﺃﻣﻮﺍﻟﻨﺎ ﺷﻲﺀ، ﻓﺈﺫﺍ ﺍﺑﺘﻼﻧﺎ
ﺑﺸﻲﺀ ﻣﻨﻬﺎ, ﻓﻘﺪ ﺗﺼﺮﻑ ﺃﺭﺣﻢ ﺍﻟﺮﺍﺣﻤﻴﻦ, ﺑﻤﻤﺎﻟﻴﻜﻪ ﻭﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ, ﻓﻼ ﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻴﻪ، ﺑﻞ ﻣﻦ ﻛﻤﺎﻝ ﻋﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﻌﺒﺪ, ﻋﻠﻤﻪ, ﺑﺄﻥ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻟﺒﻠﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻟﻚ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ, ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺭﺣﻢ ﺑﻌﺒﺪﻩ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻪ، ﻓﻴﻮﺟﺐ ﻟﻪ ﺫﻟﻚ, ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺍﻟﺸﻜﺮ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﺪﺑﻴﺮﻩ, ﻟﻤﺎ ﻫﻮ ﺧﻴﺮ ﻟﻌﺒﺪﻩ, ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺬﻟﻚ، ﻭﻣﻊ ﺃﻧﻨﺎ ﻣﻤﻠﻮﻛﻮﻥ ﻟﻠﻪ, ﻓﺈﻧﺎ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺍﺟﻌﻮﻥ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩ, ﻓﻤﺠﺎﺯ ﻛﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﺑﻌﻤﻠﻪ، ﻓﺈﻥ ﺻﺒﺮﻧﺎ ﻭﺍﺣﺘﺴﺒﻨﺎ ﻭﺟﺪﻧﺎ ﺃﺟﺮﻧﺎ ﻣﻮﻓﻮﺭﺍ ﻋﻨﺪﻩ، ﻭﺇﻥ ﺟﺰﻋﻨﺎ ﻭﺳﺨﻄﻨﺎ, ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺣﻈﻨﺎ ﺇﻻ ﺍﻟﺴﺨﻂ ﻭﻓﻮﺍﺕ ﺍﻷﺟﺮ، ﻓﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻟﻠﻪ, ﻭﺭﺍﺟﻊ ﺇﻟﻴﻪ, ﻣﻦ ﺃﻗﻮﻯ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺼﺒﺮ .
} ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ { ﺍﻟﻤﻮﺻﻮﻓﻮﻥ ﺑﺎﻟﺼﺒﺮ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ } ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﺻَﻠَﻮَﺍﺕٌ ﻣِﻦْ
ﺭَﺑِّﻬِﻢْ{ ﺃﻱ: ﺛﻨﺎﺀ ﻭﺗﻨﻮﻳﻪ ﺑﺤﺎﻟﻬﻢ } ﻭَﺭَﺣْﻤَﺔٌ { ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻭﻣﻦ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺇﻳﺎﻫﻢ, ﺃﻥ ﻭﻓﻘﻬﻢ ﻟﻠﺼﺒﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺎﻟﻮﻥ ﺑﻪ ﻛﻤﺎﻝ ﺍﻷﺟﺮ، } ﻭَﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻫُﻢُ ﺍﻟْﻤُﻬْﺘَﺪُﻭﻥَ { ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻋﺮﻓﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ, ﻭﻫﻮ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ, ﻋﻠﻤﻬﻢ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻟﻠﻪ, ﻭﺃﻧﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ ﺭﺍﺟﻌﻮﻥ, ﻭﻋﻤﻠﻮﺍ ﺑﻪ ﻭﻫﻮ ﻫﻨﺎ ﺻﺒﺮﻫﻢ ﻟﻠﻪ .
ﻭﺩﻟﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺼﺒﺮ, ﻓﻠﻪ ﺿﺪ ﻣﺎ ﻟﻬﻢ,
ﻓﺤﺼﻞ ﻟﻪ ﺍﻟﺬﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ, ﻭﺍﻟﻀﻼﻝ ﻭﺍﻟﺨﺴﺎﺭ، ﻓﻤﺎ
ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ ﻭﻣﺎ ﺃﻗﻞ ﺗﻌﺐ ﺍﻟﺼﺎﺑﺮﻳﻦ, ﻭﺃﻋﻈﻢ
ﻋﻨﺎﺀ ﺍﻟﺠﺎﺯﻋﻴﻦ، ﻓﻘﺪ ﺍﺷﺘﻤﻠﺖ ﻫﺎﺗﺎﻥ ﺍﻵﻳﺘﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺗﻮﻃﻴﻦ
ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ ﻗﺒﻞ ﻭﻗﻮﻋﻬﺎ, ﻟﺘﺨﻒ ﻭﺗﺴﻬﻞ, ﺇﺫﺍ
ﻭﻗﻌﺖ، ﻭﺑﻴﺎﻥ ﻣﺎ ﺗﻘﺎﺑﻞ ﺑﻪ, ﺇﺫﺍ ﻭﻗﻌﺖ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺼﺒﺮ، ﻭﺑﻴﺎﻥ ﻣﺎ
ﻳﻌﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﺒﺮ, ﻭﻣﺎ ﻟﻠﺼﺎﺑﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺟﺮ، ﻭﻳﻌﻠﻢ ﺣﺎﻝ ﻏﻴﺮ
ﺍﻟﺼﺎﺑﺮ , ﺑﻀﺪ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺼﺎﺑﺮ .
ﻭﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺑﺘﻼﺀ ﻭﺍﻻﻣﺘﺤﺎﻥ, ﺳﻨﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺧﻠﺖ , ﻭﻟﻦ ﺗﺠﺪ ﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﺒﺪﻳﻼ، ﻭﺑﻴﺎﻥ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻤﺼﺎﺋﺐ .


‏[158 ‏] } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﺼَّﻔَﺎ ﻭَﺍﻟْﻤَﺮْﻭَﺓَ ﻣِﻦْ ﺷَﻌَﺎﺋِﺮِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﻤَﻦْ ﺣَﺞَّ ﺍﻟْﺒَﻴْﺖَ ﺃَﻭِ ﺍﻋْﺘَﻤَﺮَ ﻓَﻠَﺎ ﺟُﻨَﺎﺡَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺃَﻥْ ﻳَﻄَّﻮَّﻑَ ﺑِﻬِﻤَﺎ ﻭَﻣَﻦْ ﺗَﻄَﻮَّﻉَ ﺧَﻴْﺮًﺍ ﻓَﺈِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺷَﺎﻛِﺮٌ ﻋَﻠِﻴﻢٌ {


ﻳﺨﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﻔﺎ ﻭﺍﻟﻤﺮﻭﺓ ﻭﻫﻤﺎ ﻣﻌﺮﻭﻓﺎﻥ }ﻣِﻦْ ﺷَﻌَﺎﺋِﺮِ
ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﺃﻱ ﺃﻋﻼﻡ ﺩﻳﻨﻪ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ, ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﻋﺒﺎﺩﻩ, ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺎ ﻣﻦ ﺷﻌﺎﺋﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻓﻘﺪ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺘﻌﻈﻴﻢ ﺷﻌﺎﺋﺮﻩ ﻓﻘﺎﻝ : } ﻭَﻣَﻦْ ﻳُﻌَﻈِّﻢْ ﺷَﻌَﺎﺋِﺮَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﺈِﻧَّﻬَﺎ ﻣِﻦْ ﺗَﻘْﻮَﻯ ﺍﻟْﻘُﻠُﻮﺏِ { ﻓﺪﻝ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺍﻟﻨﺼﻴﻦ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺷﻌﺎﺋﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺃﻥ ﺗﻌﻈﻴﻢ ﺷﻌﺎﺋﺮﻩ, ﻣﻦ ﺗﻘﻮﻯ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ .
ﻭﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﻭﺍﺟﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻣﻜﻠﻒ, ﻭﺫﻟﻚ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻌﻲ
ﺑﻬﻤﺎ ﻓﺮﺽ ﻻﺯﻡ ﻟﻠﺤﺞ ﻭﺍﻟﻌﻤﺮﺓ, ﻛﻤﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ, ﻭﺩﻟﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﻨﺒﻮﻳﺔ ﻭﻓﻌﻠﻪ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻭﻗﺎﻝ : ‏(ﺧﺬﻭﺍ ﻋﻨﻲ ﻣﻨﺎﺳﻜﻜﻢ‏) .
} ﻓَﻤَﻦْ ﺣَﺞَّ ﺍﻟْﺒَﻴْﺖَ ﺃَﻭِ ﺍﻋْﺘَﻤَﺮَ ﻓَﻠَﺎ ﺟُﻨَﺎﺡَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺃَﻥْ ﻳَﻄَّﻮَّﻑَ ﺑِﻬِﻤَﺎ { ﻫﺬﺍ ﺩﻓﻊ ﻟﻮﻫﻢ ﻣﻦ ﺗﻮﻫﻢ ﻭﺗﺤﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﻮﺍﻑ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ, ﻟﻜﻮﻧﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﺗﻌﺒﺪ ﻋﻨﺪﻫﻤﺎ ﺍﻷﺻﻨﺎﻡ، ﻓﻨﻔﻰ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ ﻟﺪﻓﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻫﻢ, ﻻ ﻷﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﻻﺯﻡ .
ﻭﺩﻝ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ ﻓﻴﻤﻦ ﺗﻄﻮﻑ ﺑﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺞ ﻭﺍﻟﻌﻤﺮﺓ, ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺘﻄﻮﻉ ﺑﺎﻟﺴﻌﻲ ﻣﻔﺮﺩﺍ ﺇﻻ ﻣﻊ ﺍﻧﻀﻤﺎﻣﻪ ﻟﺤﺞ ﺃﻭ ﻋﻤﺮﺓ، ﺑﺨﻼﻑ ﺍﻟﻄﻮﺍﻑ ﺑﺎﻟﺒﻴﺖ, ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺸﺮﻉ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﻤﺮﺓ ﻭﺍﻟﺤﺞ, ﻭﻫﻮ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﻣﻔﺮﺩﺓ .
ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻟﺴﻌﻲ ﻭﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﺑﻌﺮﻓﺔ ﻭﻣﺰﺩﻟﻔﺔ, ﻭﺭﻣﻲ ﺍﻟﺠﻤﺎﺭ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﺘﺒﻊ ﺍﻟﻨﺴﻚ، ﻓﻠﻮ ﻓﻌﻠﺖ ﻏﻴﺮ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﻨﺴﻚ, ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺪﻋﺔ, ﻷﻥ ﺍﻟﺒﺪﻋﺔ ﻧﻮﻋﺎﻥ : ﻧﻮﻉ ﻳﺘﻌﺒﺪ ﻟﻠﻪ ﺑﻌﺒﺎﺩﺓ, ﻟﻢ ﻳﺸﺮﻋﻬﺎ ﺃﺻﻼ، ﻭﻧﻮﻉ ﻳﺘﻌﺒﺪ ﻟﻪ ﺑﻌﺒﺎﺩﺓ ﻗﺪ ﺷﺮﻋﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺻﻔﺔ ﻣﺨﺼﻮﺻﺔ, ﻓﺘﻔﻌﻞ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺼﻔﺔ, ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻨﻪ .
ﻭﻗﻮﻟﻪ : }ﻭَﻣَﻦْ ﺗَﻄَﻮَّﻉَ { ﺃﻱ : ﻓﻌﻞ ﻃﺎﻋﺔ ﻣﺨﻠﺼﺎ ﺑﻬﺎ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ } ﺧَﻴْﺮًﺍ{ ﻣﻦ ﺣﺞ ﻭﻋﻤﺮﺓ, ﻭﻃﻮﺍﻑ, ﻭﺻﻼﺓ, ﻭﺻﻮﻡ ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ } ﻓَﻬُﻮَ ﺧَﻴْﺮٌ ﻟَﻪُ{ ﻓﺪﻝ ﻫﺬﺍ, ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻛﻠﻤﺎ ﺍﺯﺩﺍﺩ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻣﻦ ﻃﺎﻋﺔ ﺍﻟﻠﻪ, ﺍﺯﺩﺍﺩ ﺧﻴﺮﻩ ﻭﻛﻤﺎﻟﻪ, ﻭﺩﺭﺟﺘﻪ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﺰﻳﺎﺩﺓ ﺇﻳﻤﺎﻧﻪ .
ﻭﺩﻝ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﺍﻟﺘﻄﻮﻉ ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ, ﺃﻥ ﻣﻦ ﺗﻄﻮﻉ ﺑﺎﻟﺒﺪﻉ , ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ
ﻳﺸﺮﻋﻬﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻻ ﺭﺳﻮﻟﻪ, ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﻌﻨﺎﺀ , ﻭﻟﻴﺲ
ﺑﺨﻴﺮ ﻟﻪ, ﺑﻞ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺷﺮﺍ ﻟﻪ ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﻌﻤﺪﺍ ﻋﺎﻟﻤﺎ ﺑﻌﺪﻡ
ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ . } ﻓَﺈِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺷَﺎﻛِﺮٌ ﻋَﻠِﻴﻢٌ{ ﺍﻟﺸﺎﻛﺮ ﻭﺍﻟﺸﻜﻮﺭ, ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﺒﻞ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺍﻟﻴﺴﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ, ﻭﻳﺠﺎﺯﻳﻬﻢ ﻋﻠﻴﻪ, ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﺟﺮ, ﺍﻟﺬﻱ ﺇﺫﺍ ﻗﺎﻡ ﻋﺒﺪﻩ ﺑﺄﻭﺍﻣﺮﻩ , ﻭﺍﻣﺘﺜﻞ ﻃﺎﻋﺘﻪ, ﺃﻋﺎﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ , ﻭﺃﺛﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻣﺪﺣﻪ, ﻭﺟﺎﺯﺍﻩ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻧﻮﺭﺍ ﻭﺇﻳﻤﺎﻧﺎ, ﻭﺳﻌﺔ, ﻭﻓﻲ ﺑﺪﻧﻪ ﻗﻮﺓ ﻭﻧﺸﺎﻃﺎ, ﻭﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺑﺮﻛﺔ ﻭﻧﻤﺎﺀ, ﻭﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻟﻪ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺗﻮﻓﻴﻖ . ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ , ﻳﻘﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﺍﻵﺟﻞ ﻋﻨﺪ ﺭﺑﻪ ﻛﺎﻣﻠًﺎ ﻣﻮﻓﺮﺍ, ﻟﻢ ﺗﻨﻘﺼﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ .
ﻭﻣﻦ ﺷﻜﺮﻩ ﻟﻌﺒﺪﻩ, ﺃﻥ ﻣﻦ ﺗﺮﻙ ﺷﻴﺌًﺎ ﻟﻠﻪ, ﺃﻋﺎﺿﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺧﻴﺮﺍ
ﻣﻨﻪ، ﻭﻣﻦ ﺗﻘﺮﺏ ﻣﻨﻪ ﺷﺒﺮﺍ, ﺗﻘﺮﺏ ﻣﻨﻪ ﺫﺭﺍﻋًﺎ, ﻭﻣﻦ ﺗﻘﺮﺏ ﻣﻨﻪ ﺫﺭﺍﻋًﺎ, ﺗﻘﺮﺏ ﻣﻨﻪ ﺑﺎﻋﺎ, ﻭﻣﻦ ﺃﺗﺎﻩ ﻳﻤﺸﻲ, ﺃﺗﺎﻩ ﻫﺮﻭﻟﺔ, ﻭﻣﻦ ﻋﺎﻣﻠﻪ, ﺭﺑﺢ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﺿﻌﺎﻓﺎ ﻣﻀﺎﻋﻔﺔ .
ﻭﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﺷﺎﻛﺮ, ﻓﻬﻮ ﻋﻠﻴﻢ ﺑﻤﻦ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ, ﺑﺤﺴﺐ ﻧﻴﺘﻪ ﻭﺇﻳﻤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻘﻮﺍﻩ, ﻣﻤﻦ ﻟﻴﺲ ﻛﺬﻟﻚ، ﻋﻠﻴﻢ ﺑﺄﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ, ﻓﻼ ﻳﻀﻴﻌﻬﺎ , ﺑﻞ ﻳﺠﺪﻭﻧﻬﺎ ﺃﻭﻓﺮ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ, ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺐ ﻧﻴﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻃﻠﻊ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ .


‏[159 ـ 162 ‏] } ﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳَﻜْﺘُﻤُﻮﻥَ ﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻟْﻨَﺎ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﺒَﻴِّﻨَﺎﺕِ
ﻭَﺍﻟْﻬُﺪَﻯ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻣَﺎ ﺑَﻴَّﻨَّﺎﻩُ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻓِﻲ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏِ ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻳَﻠْﻌَﻨُﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻭَﻳَﻠْﻌَﻨُﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﺎﻋِﻨُﻮﻥَ * ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺗَﺎﺑُﻮﺍ ﻭَﺃَﺻْﻠَﺤُﻮﺍ ﻭَﺑَﻴَّﻨُﻮﺍ ﻓَﺄُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺃَﺗُﻮﺏُ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﻭَﺃَﻧَﺎ ﺍﻟﺘَّﻮَّﺍﺏُ ﺍﻟﺮَّﺣِﻴﻢُ * ﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭﺍ ﻭَﻣَﺎﺗُﻮﺍ ﻭَﻫُﻢْ ﻛُﻔَّﺎﺭٌ ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﻟَﻌْﻨَﺔُ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻠَﺎﺋِﻜَﺔِ ﻭَﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﺃَﺟْﻤَﻌِﻴﻦَ * ﺧَﺎﻟِﺪِﻳﻦَ ﻓِﻴﻬَﺎ ﻟَﺎ ﻳُﺨَﻔَّﻒُ ﻋَﻨْﻬُﻢُ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏُ ﻭَﻟَﺎ ﻫُﻢْ ﻳُﻨْﻈَﺮُﻭﻥَ {


ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺎﺯﻟﺔ ﻓﻲ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ, ﻭﻣﺎ ﻛﺘﻤﻮﺍ ﻣﻦ
ﺷﺄﻥ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻭﺻﻔﺎﺗﻪ, ﻓﺈﻥ ﺣﻜﻤﻬﺎ ﻋﺎﻡ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﺍﺗﺼﻒ ﺑﻜﺘﻤﺎﻥ ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ }ﻣِﻦَ ﺍﻟْﺒَﻴِّﻨَﺎﺕِ{ ﺍﻟﺪﺍﻻﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﻈﻬﺮﺍﺕ ﻟﻪ، } ﻭَﺍﻟْﻬُﺪَﻯ { ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﺼﻞ ﺑﻪ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺮﺍﻁ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ, ﻭﻳﺘﺒﻴﻦ ﺑﻪ ﻃﺮﻳﻖ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻨﻌﻴﻢ, ﻣﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺠﺤﻴﻢ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺧﺬ ﺍﻟﻤﻴﺜﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﻠﻢ, ﺑﺄﻥ ﻳﺒﻴﻨﻮﺍ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﺎ ﻣﻦّ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﻻ ﻳﻜﺘﻤﻮﻩ، ﻓﻤﻦ ﻧﺒﺬ ﺫﻟﻚ ﻭﺟﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻔﺴﺪﺗﻴﻦ, ﻛﺘﻢ ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺍﻟﻐﺶ ﻟﻌﺒﺎﺩ ﺍﻟﻠﻪ، ﻓﺄﻭﻟﺌﻚ } ﻳَﻠْﻌَﻨُﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ { ﺃﻱ : ﻳﺒﻌﺪﻫﻢ ﻭﻳﻄﺮﺩﻫﻢ ﻋﻦ ﻗﺮﺑﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ . }ﻭَﻳَﻠْﻌَﻨُﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﺎﻋِﻨُﻮﻥَ { ﻭﻫﻢ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺨﻠﻴﻘﺔ, ﻓﺘﻘﻊ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﻠﻌﻨﺔ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺨﻠﻴﻘﺔ, ﻟﺴﻌﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﻏﺶ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﻓﺴﺎﺩ ﺃﺩﻳﺎﻧﻬﻢ, ﻭﺇﺑﻌﺎﺩﻫﻢ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ, ﻓﺠﻮﺯﻭﺍ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ ﻋﻤﻠﻬﻢ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﻌﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺨﻴﺮ, ﻳﺼﻠﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻣﻼﺋﻜﺘﻪ, ﺣﺘﻰ ﺍﻟﺤﻮﺕ ﻓﻲ ﺟﻮﻑ ﺍﻟﻤﺎﺀ, ﻟﺴﻌﻴﻪ ﻓﻲ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﺨﻠﻖ, ﻭﺇﺻﻼﺡ ﺃﺩﻳﺎﻧﻬﻢ, ﻭﻗﺮﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ, ﻓﺠﻮﺯﻱ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ ﻋﻤﻠﻪ، ﻓﺎﻟﻜﺎﺗﻢ ﻟﻤﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ, ﻣﻀﺎﺩ ﻷﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻣﺸﺎﻕ ﻟﻠﻪ, ﻳﺒﻴﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻭﻳﻮﺿﺤﻬﺎ، ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻄﻤﺴﻬﺎ ﻓﻬﺬﺍ ﻋﻠﻴﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻋﻴﺪ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ .
}ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺗَﺎﺑُﻮﺍ { ﺃﻱ ﺭﺟﻌﻮﺍ ﻋﻤﺎ ﻫﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ, ﻧﺪﻣﺎ
ﻭﺇﻗﻼﻋﺎ, ﻭﻋﺰﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻤﻌﺎﻭﺩﺓ }ﻭَﺃَﺻْﻠَﺤُﻮﺍ { ﻣﺎ ﻓﺴﺪ ﻣﻦ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ، ﻓﻼ ﻳﻜﻔﻲ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻘﺒﻴﺢ ﺣﺘﻰ ﻳﺤﺼﻞ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺤﺴﻦ .
ﻭﻻ ﻳﻜﻔﻲ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺎﺗﻢ ﺃﻳﻀًﺎ, ﺣﺘﻰ ﻳﺒﻴﻦ ﻣﺎ ﻛﺘﻤﻪ, ﻭﻳﺒﺪﻱ
ﺿﺪ ﻣﺎ ﺃﺧﻔﻰ، ﻓﻬﺬﺍ ﻳﺘﻮﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ, ﻷﻥ ﺗﻮﺑﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻏﻴﺮ
ﻣﺤﺠﻮﺏ ﻋﻨﻬﺎ، ﻓﻤﻦ ﺃﺗﻰ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ, ﺗﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ , ﻷﻧﻪ
} ﺍﻟﺘَّﻮَّﺍﺏُ{ ﺃﻱ: ﺍﻟﺮﺟﺎﻉ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺑﺎﻟﻌﻔﻮ ﻭﺍﻟﺼﻔﺢ, ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺬﻧﺐ ﺇﺫﺍ ﺗﺎﺑﻮﺍ, ﻭﺑﺎﻹﺣﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻨﻌﻢ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻤﻨﻊ, ﺇﺫﺍ ﺭﺟﻌﻮﺍ، } ﺍﻟﺮَّﺣِﻴﻢُ{ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺗﺼﻒ ﺑﺎﻟﺮﺣﻤﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ, ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺳﻌﺖ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻭﻣﻦ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺃﻥ ﻭﻓﻘﻬﻢ ﻟﻠﺘﻮﺑﺔ ﻭﺍﻹﻧﺎﺑﺔ ﻓﺘﺎﺑﻮﺍ ﻭﺃﻧﺎﺑﻮﺍ, ﺛﻢ ﺭﺣﻤﻬﻢ ﺑﺄﻥ ﻗﺒﻞ ﺫﻟﻚ ﻣﻨﻬﻢ, ﻟﻄﻔﺎ ﻭﻛﺮﻣﺎ, ﻫﺬﺍ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﺘﺎﺋﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻧﺐ .
ﻭﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﻛﻔﺮ ﻭﺍﺳﺘﻤﺮ ﻋﻠﻰ ﻛﻔﺮﻩ ﺣﺘﻰ ﻣﺎﺕ ﻭﻟﻢ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ
ﺭﺑﻪ, ﻭﻟﻢ ﻳﻨﺐ ﺇﻟﻴﻪ, ﻭﻟﻢ ﻳﺘﺐ ﻋﻦ ﻗﺮﻳﺐ ﻓﺄﻭﻟﺌﻚ } ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﻟَﻌْﻨَﺔُ
ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻠَﺎﺋِﻜَﺔِ ﻭَﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﺃَﺟْﻤَﻌِﻴﻦَ{ ﻷﻧﻪ ﻟﻤﺎ ﺻﺎﺭ ﻛﻔﺮﻫﻢ ﻭﺻﻔﺎ
ﺛﺎﺑﺘﺎ , ﺻﺎﺭﺕ ﺍﻟﻠﻌﻨﺔ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﺻﻔﺎ ﺛﺎﺑﺘﺎ ﻻ ﺗﺰﻭﻝ, ﻷﻥ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻳﺪﻭﺭ ﻣﻊ ﻋﻠﺘﻪ, ﻭﺟﻮﺩﺍ ﻭﻋﺪﻣﺎ .
ﻭ }ﺧَﺎﻟِﺪِﻳﻦَ ﻓِﻴﻬَﺎ { ﺃﻱ : ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻌﻨﺔ, ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻴﺎﻥ } ﻟَﺎ ﻳُﺨَﻔَّﻒُ ﻋَﻨْﻬُﻢُ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏُ{ ﺑﻞ ﻋﺬﺍﺑﻬﻢ ﺩﺍﺋﻢ ﺷﺪﻳﺪ ﻣﺴﺘﻤﺮ }ﻭَﻟَﺎ ﻫُﻢْ ﻳُﻨْﻈَﺮُﻭﻥَ { ﺃﻱ : ﻳﻤﻬﻠﻮﻥ, ﻷﻥ ﻭﻗﺖ ﺍﻹﻣﻬﺎﻝ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ, ﻭﻟﻢ ﻳﺒﻖ ﻟﻬﻢ ﻋﺬﺭ ﻓﻴﻌﺘﺬﺭﻭﻥ .




‏[163 ‏] } ﻭَﺇِﻟَﻬُﻜُﻢْ ﺇِﻟَﻪٌ ﻭَﺍﺣِﺪٌ ﻟَﺎ ﺇِﻟَﻪَ ﺇِﻟَّﺎ ﻫُﻮَ ﺍﻟﺮَّﺣْﻤَﻦُ ﺍﻟﺮَّﺣِﻴﻢُ {


ﻳﺨﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ـ ﻭﻫﻮ ﺃﺻﺪﻕ ﺍﻟﻘﺎﺋﻠﻴﻦ ـ ﺃﻧﻪ }ﺇِﻟَﻪٌ ﻭَﺍﺣِﺪٌ{ ﺃﻱ :
ﻣﺘﻮﺣﺪ ﻣﻨﻔﺮﺩ ﻓﻲ ﺫﺍﺗﻪ, ﻭﺃﺳﻤﺎﺋﻪ, ﻭﺻﻔﺎﺗﻪ , ﻭﺃﻓﻌﺎﻟﻪ، ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻪ ﺷﺮﻳﻚ ﻓﻲ ﺫﺍﺗﻪ, ﻭﻻ ﺳﻤﻲ ﻟﻪ ﻭﻻ ﻛﻔﻮ ﻟﻪ , ﻭﻻ ﻣﺜﻞ, ﻭﻻ ﻧﻈﻴﺮ, ﻭﻻ ﺧﺎﻟﻖ , ﻭﻻ ﻣﺪﺑﺮ ﻏﻴﺮﻩ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻛﺬﻟﻚ , ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻤﺴﺘﺤﻖ ﻷﻥ ﻳﺆﻟﻪ ﻭﻳﻌﺒﺪ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ, ﻭﻻ ﻳﺸﺮﻙ ﺑﻪ ﺃﺣﺪ ﻣﻦ ﺧﻠﻘﻪ, ﻷﻧﻪ } ﺍﻟﺮَّﺣْﻤَﻦِ ﺍﻟﺮَّﺣِﻴﻢِ{ ﺍﻟﻤﺘﺼﻒ ﺑﺎﻟﺮﺣﻤﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ, ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻤﺎﺛﻠﻬﺎ ﺭﺣﻤﺔ ﺃﺣﺪ, ﻓﻘﺪ ﻭﺳﻌﺖ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻭﻋﻤﺖ ﻛﻞ ﺣﻲ، ﻓﺒﺮﺣﻤﺘﻪ ﻭﺟﺪﺕ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ, ﻭﺑﺮﺣﻤﺘﻪ ﺣﺼﻠﺖ ﻟﻬﺎ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻜﻤﺎﻻﺕ، ﻭﺑﺮﺣﻤﺘﻪ ﺍﻧﺪﻓﻊ ﻋﻨﻬﺎ ﻛﻞ ﻧﻘﻤﺔ، ﻭﺑﺮﺣﻤﺘﻪ ﻋﺮّﻑ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺼﻔﺎﺗﻪ ﻭﺁﻻﺋﻪ, ﻭﺑﻴَّﻦ ﻟﻬﻢ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﺘﺎﺟﻮﻥ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺩﻳﻨﻬﻢ ﻭﺩﻧﻴﺎﻫﻢ, ﺑﺈﺭﺳﺎﻝ ﺍﻟﺮﺳﻞ, ﻭﺇﻧﺰﺍﻝ ﺍﻟﻜﺘﺐ .
ﻓﺈﺫﺍ ﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻣﺎ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩ ﻣﻦ ﻧﻌﻤﺔ, ﻓﻤﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺃﻥ ﺃﺣﺪﺍ ﻣﻦ
ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﻴﻦ, ﻻ ﻳﻨﻔﻊ ﺃﺣﺪﺍ، ﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺴﺘﺤﻖ ﻟﺠﻤﻴﻊ
ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ, ﻭﺃﻥ ﻳﻔﺮﺩ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ, ﻭﺍﻟﺮﺟﺎﺀ, ﻭﺍﻟﺘﻌﻈﻴﻢ, ﻭﺍﻟﺘﻮﻛﻞ, ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻄﺎﻋﺎﺕ .
ﻭﺃﻥ ﻣﻦ ﺃﻇﻠﻢ ﺍﻟﻈﻠﻢ, ﻭﺃﻗﺒﺢ ﺍﻟﻘﺒﻴﺢ, ﺃﻥ ﻳﻌﺪﻝ ﻋﻦ ﻋﺒﺎﺩﺗﻪ ﺇﻟﻰ
ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﺒﻴﺪ, ﻭﺃﻥ ﻳﺸﺮﻙ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﻣﻦ ﺗﺮﺍﺏ, ﺑﺮﺏ ﺍﻷﺭﺑﺎﺏ, ﺃﻭ ﻳﻌﺒﺪ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﺍﻟﻤﺪﺑﺮ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ , ﻣﻊ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ ﺍﻟﻤﺪﺑﺮ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﺍﻟﻘﻮﻱ، ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻗﻬﺮ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻭﺩﺍﻥ ﻟﻪ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ .
ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺭﻱ ﻭﺇﻟﻬﻴﺘﻪ، ﻭﺗﻘﺮﻳﺮﻫﺎ
ﺑﻨﻔﻴﻬﺎ ﻋﻦ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﻴﻦ ﻭﺑﻴﺎﻥ ﺃﺻﻞ ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ
ﻭﻫﻮ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻦ ﺁﺛﺎﺭﻫﺎ ﻭﺟﻮﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﻌﻢ, ﻭﺍﻧﺪﻓﺎﻉ ‏[ ﺟﻤﻴﻊ ‏] ﺍﻟﻨﻘﻢ، ﻓﻬﺬﺍ ﺩﻟﻴﻞ ﺇﺟﻤﺎﻟﻲ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فاطمة

avatar

عدد المساهمات : 55
نقاط : 31
تاريخ التسجيل : 16/05/2014
الموقع : ‏وإن لم أرى أُمنياْتِي بعد ،، لگن معهـا عاش قلبي معنى التعلُق ،، بِقُدرةِ الله على كُلِّ شي .. وهذا في حد ذاتهـ جُلَّ ماأتمنى (◕‿◕✿)

مُساهمةموضوع: °• تفسير سورة البقرة من الآية (1) إلى ( 170) •° تفسير السعدي -   الأحد سبتمبر 07, 2014 6:43 am

‏] ﺛﻢ ﺫﻛﺮ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻔﺼﻴﻠﻴﺔ ﻓﻘﺎﻝ : } ﺇِﻥَّ ﻓِﻲ ﺧَﻠْﻖِ
ﺍﻟﺴﻤﻮﺍﺕ ﻭَﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﻭَﺍﺧْﺘِﻠَﺎﻑِ ﺍﻟﻠَّﻴْﻞِ ﻭَﺍﻟﻨَّﻬَﺎﺭِ ﻭَﺍﻟْﻔُﻠْﻚِ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﺗَﺠْﺮِﻱ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺒَﺤْﺮِ ﺑِﻤَﺎ ﻳَﻨْﻔَﻊُ ﺍﻟﻨَّﺎﺱَ ﻭَﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻝَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣِﻦَ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﺀِ ﻣِﻦْ ﻣَﺎﺀٍ ﻓَﺄَﺣْﻴَﺎ ﺑِﻪِ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽَ ﺑَﻌْﺪَ ﻣَﻮْﺗِﻬَﺎ ﻭَﺑَﺚَّ ﻓِﻴﻬَﺎ ﻣِﻦْ ﻛُﻞِّ ﺩَﺍﺑَّﺔٍ ﻭَﺗَﺼْﺮِﻳﻒِ ﺍﻟﺮِّﻳَﺎﺡِ ﻭَﺍﻟﺴَّﺤَﺎﺏِ ﺍﻟْﻤُﺴَﺨَّﺮِ ﺑَﻴْﻦَ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﺀِ ﻭَﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﻟَﺂﻳَﺎﺕٍ ﻟِﻘَﻮْﻡٍ ﻳَﻌْﻘِﻠُﻮﻥَ{


ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ, ﺁﻳﺎﺕ ﺃﻱ : ﺃﺩﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺭﻱ ﻭﺇﻟﻬﻴﺘﻪ، ﻭﻋﻈﻴﻢ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﺳﺎﺋﺮ ﺻﻔﺎﺗﻪ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ }ﻟِﻘَﻮْﻡٍ ﻳَﻌْﻘِﻠُﻮﻥَ{ ﺃﻱ : ﻟﻤﻦ ﻟﻬﻢ ﻋﻘﻮﻝ ﻳﻌﻤﻠﻮﻧﻬﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﺧﻠﻘﺖ ﻟﻪ، ﻓﻌﻠﻰ ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﻣﻦّ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺪﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ, ﻳﻨﺘﻔﻊ ﺑﺎﻵﻳﺎﺕ ﻭﻳﻌﺮﻓﻬﺎ ﺑﻌﻘﻠﻪ ﻭﻓﻜﺮﻩ ﻭﺗﺪﺑُّﺮﻩ، ﻓﻔﻲ } ﺧَﻠْﻖِ ﺍﻟﺴﻤﻮﺍﺕ { ﻓﻲ ﺍﺭﺗﻔﺎﻋﻬﺎ ﻭﺍﺗﺴﺎﻋﻬﺎ, ﻭﺇﺣﻜﺎﻣﻬﺎ, ﻭﺇﺗﻘﺎﻧﻬﺎ, ﻭﻣﺎ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ , ﻭﺍﻟﻨﺠﻮﻡ, ﻭﺗﻨﻈﻴﻤﻬﺎ ﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ .
ﻭﻓﻲ ﺧﻠﻖ }ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ { ﻣﻬﺎﺩﺍ ﻟﻠﺨﻠﻖ, ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ ﻋﻠﻴﻬﺎ
ﻭﺍﻻﻧﺘﻔﺎﻉ ﺑﻤﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﻭﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ . ﻣﺎ ﻳﺪﻝ ﺫﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﻔﺮﺍﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺎﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻟﺘﺪﺑﻴﺮ, ﻭﺑﻴﺎﻥ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﺧﻠﻘﻬﺎ, ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﺃﺗﻘﻨﻬﺎ, ﻭﺃﺣﺴﻨﻬﺎ ﻭﻧﻈﻤﻬﺎ, ﻭﻋﻠﻤﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﺃﻭﺩﻉ ﻣﺎ ﺃﻭﺩﻉ , ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻓﻊ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ, ﻭﺿﺮﻭﺭﺍﺗﻬﻢ ﻭﺣﺎﺟﺎﺗﻬﻢ . ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺃﺑﻠﻎ ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻛﻤﺎﻟﻪ, ﻭﺍﺳﺘﺤﻘﺎﻗﻪ ﺃﻥ ﻳﻔﺮﺩ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩﺓ, ﻻﻧﻔﺮﺍﺩﻩ ﺑﺎﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻟﺘﺪﺑﻴﺮ, ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺸﺌﻮﻥ ﻋﺒﺎﺩﻩ }ﻭ { ﻓﻲ } ﺍﺧْﺘِﻠَﺎﻑِ ﺍﻟﻠَّﻴْﻞِ ﻭَﺍﻟﻨَّﻬَﺎﺭِ { ﻭﻫﻮ ﺗﻌﺎﻗﺒﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﺍﻡ, ﺇﺫﺍ ﺫﻫﺐ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ, ﺧﻠﻔﻪ ﺍﻵﺧﺮ، ﻭﻓﻲ ﺍﺧﺘﻼﻓﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮ, ﻭﺍﻟﺒﺮﺩ, ﻭﺍﻟﺘﻮﺳﻂ, ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻄﻮﻝ , ﻭﺍﻟﻘﺼﺮ, ﻭﺍﻟﺘﻮﺳﻂ , ﻭﻣﺎ ﻳﻨﺸﺄ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺼﻮﻝ, ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﺍﻧﺘﻈﺎﻡ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺑﻨﻲ ﺁﺩﻡ ﻭﺣﻴﻮﺍﻧﺎﺗﻬﻢ, ﻭﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ, ﻣﻦ ﺃﺷﺠﺎﺭ ﻭﻧﻮﺍﺑﺖ، ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﻡ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮ, ﻭﺗﺴﺨﻴﺮ, ﺗﻨﺒﻬﺮ ﻟﻪ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ, ﻭﺗﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺇﺩﺭﺍﻛﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﺍﻟﻔﺤﻮﻝ, ﻣﺎ ﻳﺪﻝ ﺫﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭﺓ ﻣﺼﺮﻓﻬﺎ, ﻭﻋﻠﻤﻪ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ, ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ, ﻭﻟﻄﻔﻪ
ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ, ﻭﺗﺼﺮﻳﻔﻪ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮﻩ, ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻔﺮﺩ ﺑﻪ, ﻭﻋﻈﻤﺘﻪ, ﻭﻋﻈﻤﺔ ﻣﻠﻜﻪ ﻭﺳﻠﻄﺎﻧﻪ, ﻣﻤﺎ ﻳﻮﺟﺐ ﺃﻥ ﻳﺆﻟﻪ ﻭﻳﻌﺒﺪ, ﻭﻳﻔﺮﺩ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﻈﻴﻢ , ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ ﻭﺍﻟﺮﺟﺎﺀ, ﻭﺑﺬﻝ ﺍﻟﺠﻬﺪ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﺑﻪ ﻭﻣﺮﺍﺿﻴﻪ .
} ﻭ{ ﻓﻲ }ﻭَﺍﻟْﻔُﻠْﻚِ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﺗَﺠْﺮِﻱ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺒَﺤْﺮِ { ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺴﻔﻦ
ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻛﺐ ﻭﻧﺤﻮﻫﺎ, ﻣﻤﺎ ﺃﻟﻬﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺻﻨﻌﺘﻬﺎ, ﻭﺧﻠﻖ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻵﻻﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﻣﺎ ﺃﻗﺪﺭﻫﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ .
ﺛﻢ ﺳﺨﺮ ﻟﻬﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻭﺍﻟﺮﻳﺎﺡ, ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻤﻠﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻛﺎﺏ ﻭﺍﻷﻣﻮﺍﻝ , ﻭﺍﻟﺒﻀﺎﺋﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻓﻊ ﺍﻟﻨﺎﺱ, ﻭﺑﻤﺎ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﻪ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ ﻭﺗﻨﺘﻈﻢ ﻣﻌﺎﻳﺸﻬﻢ .
ﻓﻤﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻟﻬﻤﻬﻢ ﺻﻨﻌﺘﻬﺎ, ﻭﺃﻗﺪﺭﻫﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﻭﺧﻠﻖ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ
ﺍﻵﻻﺕ ﻣﺎ ﺑﻪ ﻳﻌﻤﻠﻮﻧﻬﺎ؟ ﺃﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﺨﺮ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺒﺤﺮ, ﺗﺠﺮﻱ
ﻓﻴﻪ ﺑﺈﺫﻧﻪ ﻭﺗﺴﺨﻴﺮﻩ, ﻭﺍﻟﺮﻳﺎﺡ؟ ﺃﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺧﻠﻖ ﻟﻠﻤﺮﺍﻛﺐ
ﺍﻟﺒﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺒﺤﺮﻳﺔ, ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻥ ﺍﻟﻤﻌﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻤﻠﻬﺎ, ﻭﺣﻤﻞ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺍﻝ؟ ﻓﻬﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ, ﺣﺼﻠﺖ ﺍﺗﻔﺎﻗﺎ, ﺃﻡ ﺍﺳﺘﻘﻞ ﺑﻌﻤﻠﻬﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﺍﻟﻀﻌﻴﻒ ﺍﻟﻌﺎﺟﺰ , ﺍﻟﺬﻱ ﺧﺮﺝ ﻣﻦ ﺑﻄﻦ ﺃﻣﻪ, ﻻ ﻋﻠﻢ ﻟﻪ ﻭﻻ ﻗﺪﺭﺓ، ﺛﻢ ﺧﻠﻖ ﻟﻪ ﺭﺑﻪ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ, ﻭﻋﻠﻤﻪ ﻣﺎ ﻳﺸﺎﺀ ﺗﻌﻠﻴﻤﻪ، ﺃﻡ ﺍﻟﻤﺴﺨﺮ ﻟﺬﻟﻚ ﺭﺏ ﻭﺍﺣﺪ, ﺣﻜﻴﻢ ﻋﻠﻴﻢ, ﻻ ﻳﻌﺠﺰﻩ ﺷﻲﺀ, ﻭﻻ ﻳﻤﺘﻨﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲﺀ؟ ﺑﻞ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻗﺪ ﺩﺍﻧﺖ ﻟﺮﺑﻮﺑﻴﺘﻪ, ﻭﺍﺳﺘﻜﺎﻧﺖ ﻟﻌﻈﻤﺘﻪ , ﻭﺧﻀﻌﺖ ﻟﺠﺒﺮﻭﺗﻪ .
ﻭﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﻀﻌﻴﻒ, ﺃﻥ ﺟﻌﻠﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺟﺰﺀﺍ ﻣﻦ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ, ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﻭﺟﺪﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ, ﻓﻬﺬﺍ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻋﻨﺎﻳﺘﻪ ﺑﺨﻠﻘﻪ, ﻭﺫﻟﻚ ﻳﻮﺟﺐ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻛﻠﻬﺎ ﻟﻪ, ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ ﻭﺍﻟﺮﺟﺎﺀ, ﻭﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ, ﻭﺍﻟﺬﻝ ﻭﺍﻟﺘﻌﻈﻴﻢ . } ﻭَﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻝَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣِﻦَ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﺀِ ﻣِﻦْ ﻣَﺎﺀٍ { ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻄﺮ ﺍﻟﻨﺎﺯﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺤﺎﺏ .
} ﻓَﺄَﺣْﻴَﺎ ﺑِﻪِ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽَ ﺑَﻌْﺪَ ﻣَﻮْﺗِﻬَﺎ { ﻓﺄﻇﻬﺮﺕ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻷﻗﻮﺍﺕ,
ﻭﺃﺻﻨﺎﻑ ﺍﻟﻨﺒﺎﺕ, ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﺨﻼﺋﻖ, ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﺑﺪﻭﻧﻬﺎ .
ﺃﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ ﺩﻟﻴﻼ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭﺓ ﻣﻦ ﺃﻧﺰﻟﻪ, ﻭﺃﺧﺮﺝ ﺑﻪ ﻣﺎ ﺃﺧﺮﺝ
ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ, ﻭﻟﻄﻔﻪ ﺑﻌﺒﺎﺩﻩ, ﻭﻗﻴﺎﻣﻪ ﺑﻤﺼﺎﻟﺤﻬﻢ, ﻭﺷﺪﺓ ﺍﻓﺘﻘﺎﺭﻫﻢ
ﻭﺿﺮﻭﺭﺗﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻭﺟﻪ؟ ﺃﻣﺎ ﻳﻮﺟﺐ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻮ
ﻣﻌﺒﻮﺩﻫﻢ ﻭﺇﻟﻬﻬﻢ؟ ﺃﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ ﺩﻟﻴﻼ ﻋﻠﻰ ﺇﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ
ﻭﻣﺠﺎﺯﺍﺗﻬﻢ ﺑﺄﻋﻤﺎﻟﻬﻢ؟ }ﻭَﺑَﺚَّ ﻓِﻴﻬَﺎ{ ﺃﻱ : ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ }ﻣِﻦْ ﻛُﻞِّ ﺩَﺍﺑَّﺔٍ{ ﺃﻱ : ﻧﺸﺮ ﻓﻲ ﺃﻗﻄﺎﺭ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻭﺍﺏ ﺍﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ, ﻣﺎ ﻫﻮ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻭﻋﻈﻤﺘﻪ, ﻭﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻭﺳﺨﺮﻫﺎ ﻟﻠﻨﺎﺱ, ﻳﻨﺘﻔﻌﻮﻥ ﺑﻬﺎ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﻭﺟﻮﻩ ﺍﻻﻧﺘﻔﺎﻉ .
ﻓﻤﻨﻬﺎ: ﻣﺎ ﻳﺄﻛﻠﻮﻥ ﻣﻦ ﻟﺤﻤﻪ , ﻭﻳﺸﺮﺑﻮﻥ ﻣﻦ ﺩﺭﻩ، ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﻣﺎ
ﻳﺮﻛﺒﻮﻥ، ﻭﻣﻨﻬﺎ: ﻣﺎ ﻫﻮ ﺳﺎﻉ ﻓﻲ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ ﻭﺣﺮﺍﺳﺘﻬﻢ, ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﻣﺎ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺑﻪ، ﻭﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﺑﺚ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺩﺍﺑﺔ، ﻓﺈﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﺑﺄﺭﺯﺍﻗﻬﻢ, ﺍﻟﻤﺘﻜﻔﻞ ﺑﺄﻗﻮﺍﺗﻬﻢ، ﻓﻤﺎ ﻣﻦ ﺩﺍﺑﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺭﺯﻗﻬﺎ, ﻭﻳﻌﻠﻢ ﻣﺴﺘﻘﺮﻫﺎ ﻭﻣﺴﺘﻮﺩﻋﻬﺎ . ﻭﻓﻲ } ﺗَﺼْﺮِﻳﻒِ ﺍﻟﺮِّﻳَﺎﺡِ{ ﺑﺎﺭﺩﺓ ﻭﺣﺎﺭﺓ, ﻭﺟﻨﻮﺑﺎ ﻭﺷﻤﺎﻻ, ﻭﺷﺮﻗﺎ ﻭﺩﺑﻮﺭﺍ ﻭﺑﻴﻦ ﺫﻟﻚ، ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﺜﻴﺮ ﺍﻟﺴﺤﺎﺏ, ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﺆﻟﻒ ﺑﻴﻨﻪ, ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﻠﻘﺤﻪ, ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﺪﺭﻩ, ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﻤﺰﻗﻪ ﻭﺗﺰﻳﻞ ﺿﺮﺭﻩ, ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﻜﻮﻥ ﺭﺣﻤﺔ, ﻭﺗﺎﺭﺓ ﺗﺮﺳﻞ ﺑﺎﻟﻌﺬﺍﺏ .
ﻓﻤﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺻﺮﻓﻬﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﺮﻳﻒ, ﻭﺃﻭﺩﻉ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻓﻊ
ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ, ﻣﺎ ﻻ ﻳﺴﺘﻐﻨﻮﻥ ﻋﻨﻪ؟ ﻭﺳﺨﺮﻫﺎ ﻟﻴﻌﻴﺶ ﻓﻴﻬﺎ ﺟﻤﻴﻊ
ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ, ﻭﺗﺼﻠﺢ ﺍﻷﺑﺪًﺍﻥ ﻭﺍﻷﺷﺠﺎﺭ, ﻭﺍﻟﺤﺒﻮﺏ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﺑﺖ , ﺇﻻ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ, ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ ﺑﻌﺒﺎﺩﻩ ﺍﻟﻤﺴﺘﺤﻖ ﻟﻜﻞ ﺫﻝ
ﻭﺧﻀﻮﻉ, ﻭﻣﺤﺒﺔ ﻭﺇﻧﺎﺑﺔ ﻭﻋﺒﺎﺩﺓ؟ .
ﻭﻓﻲ ﺗﺴﺨﻴﺮ ﺍﻟﺴﺤﺎﺏ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻭﺍﻷﺭﺽ ﻋﻠﻰ ﺧﻔﺘﻪ ﻭﻟﻄﺎﻓﺘﻪ ﻳﺤﻤﻞ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ, ﻓﻴﺴﻮﻗﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺚ ﺷﺎﺀ، ﻓﻴﺤﻴﻲ ﺑﻪ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺍﻟﻌﺒﺎﺩ, ﻭﻳﺮﻭﻱ ﺍﻟﺘﻠﻮﻝ ﻭﺍﻟﻮﻫﺎﺩ, ﻭﻳﻨﺰﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﻗﺖ ﺣﺎﺟﺘﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻳﻀﺮﻫﻢ ﻛﺜﺮﺗﻪ, ﺃﻣﺴﻜﻪ ﻋﻨﻬﻢ, ﻓﻴﻨﺰﻟﻪ ﺭﺣﻤﺔ ﻭﻟﻄﻔﺎ, ﻭﻳﺼﺮﻓﻪ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﻭﻋﻄﻔﺎ، ﻓﻤﺎ ﺃﻋﻈﻢ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ, ﻭﺃﻏﺰﺭ ﺇﺣﺴﺎﻧﻪ, ﻭﺃﻟﻄﻒ ﺍﻣﺘﻨﺎﻧﻪ "
ﺃﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺒﻴﺢ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩ, ﺃﻥ ﻳﺘﻤﺘﻌﻮﺍ ﺑﺮﺯﻗﻪ, ﻭﻳﻌﻴﺸﻮﺍ ﺑﺒﺮﻩ
ﻭﻫﻢ ﻳﺴﺘﻌﻴﻨﻮﻥ ﺑﺬﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﺧﻄﻪ ﻭﻣﻌﺎﺻﻴﻪ؟ ﺃﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ
ﺩﻟﻴﻼ ﻋﻠﻰ ﺣﻠﻤﻪ ﻭﺻﺒﺮﻩ, ﻭﻋﻔﻮﻩ ﻭﺻﻔﺤﻪ, ﻭﻋﻤﻴﻢ ﻟﻄﻔﻪ؟
ﻓﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﺃﻭﻻ ﻭﺁﺧﺮﺍ, ﻭﺑﺎﻃﻨﺎ ﻭﻇﺎﻫﺮًﺍ .
ﻭﺍﻟﺤﺎﺻﻞ , ﺃﻧﻪ ﻛﻠﻤﺎ ﺗﺪﺑﺮ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ, ﻭﺗﻐﻠﻐﻞ ﻓﻜﺮﻩ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﺋﻊ ﺍﻟﻤﺒﺘﺪﻋﺎﺕ, ﻭﺍﺯﺩﺍﺩ ﺗﺄﻣﻠﻪ ﻟﻠﺼﻨﻌﺔ ﻭﻣﺎ ﺃﻭﺩﻉ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻟﻄﺎﺋﻒ ﺍﻟﺒﺮ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ, ﻋﻠﻢ ﺑﺬﻟﻚ, ﺃﻧﻬﺎ ﺧﻠﻘﺖ ﻟﻠﺤﻖ ﻭﺑﺎﻟﺤﻖ, ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺻﺤﺎﺋﻒ ﺁﻳﺎﺕ, ﻭﻛﺘﺐ ﺩﻻﻻﺕ, ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺃﺧﺒﺮ ﺑﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ, ﻭﻣﺎ ﺃﺧﺒﺮﺕ ﺑﻪ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻵﺧﺮ, ﻭﺃﻧﻬﺎ ﻣﺴﺨﺮﺍﺕ, ﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﺗﺪﺑﻴﺮ ﻭﻻ ﺍﺳﺘﻌﺼﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺑﺮﻫﺎ ﻭﻣﺼﺮﻓﻬﺎ .
ﻓﺘﻌﺮﻑ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﻠﻮﻱ ﻭﺍﻟﺴﻔﻠﻲ ﻛﻠﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻔﺘﻘﺮﻭﻥ, ﻭﺇﻟﻴﻪ ﺻﺎﻣﺪﻭﻥ، ﻭﺃﻧﻪ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻋﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ، ﻓﻼ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻻ ﺭﺏ ﺳﻮﺍﻩ .


‏[165 ـ 167 ‏] ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻣَﻦْ ﻳَﺘَّﺨِﺬُ ﻣِﻦْ ﺩُﻭﻥِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺃَﻧْﺪَﺍﺩًﺍ ﻳُﺤِﺒُّﻮﻧَﻬُﻢْ ﻛَﺤُﺐِّ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺃَﺷَﺪُّ ﺣُﺒًّﺎ ﻟِﻠَّﻪِ ﻭَﻟَﻮْ ﻳَﺮَﻯ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻇَﻠَﻤُﻮﺍ ﺇِﺫْ ﻳَﺮَﻭْﻥَ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏَ ﺃَﻥَّ ﺍﻟْﻘُﻮَّﺓَ ﻟِﻠَّﻪِ ﺟَﻤِﻴﻌًﺎ ﻭَﺃَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺷَﺪِﻳﺪُ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏِ * ﺇِﺫْ ﺗَﺒَﺮَّﺃَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺗُّﺒِﻌُﻮﺍ ﻣِﻦَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺗَّﺒَﻌُﻮﺍ ﻭَﺭَﺃَﻭُﺍ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏَ ﻭَﺗَﻘَﻄَّﻌَﺖْ ﺑِﻬِﻢُ ﺍﻟْﺄَﺳْﺒَﺎﺏُ * ﻭَﻗَﺎﻝَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺗَّﺒَﻌُﻮﺍ ﻟَﻮْ ﺃَﻥَّ ﻟَﻨَﺎ ﻛَﺮَّﺓً ﻓَﻨَﺘَﺒَﺮَّﺃَ ﻣِﻨْﻬُﻢْ ﻛَﻤَﺎ ﺗَﺒَﺮَّﺀُﻭﺍ ﻣِﻨَّﺎ ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺮِﻳﻬِﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺃَﻋْﻤَﺎﻟَﻬُﻢْ ﺣَﺴَﺮَﺍﺕٍ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﻭَﻣَﺎ ﻫُﻢْ ﺑِﺨَﺎﺭِﺟِﻴﻦَ ﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺭِ{


ﻣﺎ ﺃﺣﺴﻦ ﺍﺗﺼﺎﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺑﻤﺎ ﻗﺒﻠﻬﺎ، ﻓﺈﻧﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻟﻤﺎ ﺑﻴﻦ
ﻭﺣﺪﺍﻧﻴﺘﻪ ﻭﺃﺩﻟﺘﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﻃﻌﺔ , ﻭﺑﺮﺍﻫﻴﻨﻬﺎ ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ ﺍﻟﻤﻮﺻﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ, ﺍﻟﻤﺰﻳﻠﺔ ﻟﻜﻞف ﺷﻚ، ﺫﻛﺮ ﻫﻨﺎ ﺃﻥ }ﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ{ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﻣﻦ ﻳﺘﺨﺬ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﻴﻦ ﺃﻧﺪﺍﺩﺍ ﻟﻠﻪ ﺃﻱ : ﻧﻈﺮﺍﺀ ﻭﻣﺜﻠًﺎﺀ, ﻳﺴﺎﻭﻳﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻤﺤﺒﺔ, ﻭﺍﻟﺘﻌﻈﻴﻢ
ﻭﺍﻟﻄﺎﻋﺔ .
ﻭﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ـ ﺑﻌﺪ ﺇﻗﺎﻣﺔ ﺍﻟﺤﺠﺔ, ﻭﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ـ
ﻋﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻣﻌﺎﻧﺪ ﻟﻠﻪ, ﻣﺸﺎﻕ ﻟﻪ, ﺃﻭ ﻣﻌﺮﺽ ﻋﻦ ﺗﺪﺑﺮ ﺁﻳﺎﺗﻪ
ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﻣﺨﻠﻮﻗﺎﺗﻪ, ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻪ ﺃﺩﻧﻰ ﻋﺬﺭ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ, ﺑﻞ ﻗﺪ
ﺣﻘﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻠﻤﺔ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ .
ﻭﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺨﺬﻭﻥ ﺍﻷﻧﺪﺍﺩ ﻣﻊ ﺍﻟﻠﻪ, ﻻ ﻳﺴﻮﻭﻧﻬﻢ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻓﻲ
ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻭﺍﻟﺮﺯﻕ ﻭﺍﻟﺘﺪﺑﻴﺮ , ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻳﺴﻮﻭﻧﻬﻢ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ,
ﻓﻴﻌﺒﺪﻭﻧﻬﻢ، ﻟﻴﻘﺮﺑﻮﻫﻢ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ : } ﺍﺗﺨﺬﻭﺍ { ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻠﻪ ﻧﺪ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻮﻥ ﺟﻌﻠﻮﺍ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ ﺃﻧﺪﺍﺩﺍ ﻟﻪ, ﺗﺴﻤﻴﺔ ﻣﺠﺮﺩﺓ, ﻭﻟﻔﻈﺎ ﻓﺎﺭﻏﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : }ﻭَﺟَﻌَﻠُﻮﺍ ﻟِﻠَّﻪِ ﺷُﺮَﻛَﺎﺀَ ﻗُﻞْ ﺳَﻤُّﻮﻫُﻢْ ﺃَﻡْ ﺗُﻨَﺒِّﺌُﻮﻧَﻪُ ﺑِﻤَﺎ ﻟَﺎ ﻳَﻌْﻠَﻢُ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﺃَﻡْ ﺑِﻈَﺎﻫِﺮٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻘَﻮْﻝِ {
} ﺇِﻥْ ﻫِﻲَ ﺇِﻟَّﺎ ﺃَﺳْﻤَﺎﺀٌ ﺳَﻤَّﻴْﺘُﻤُﻮﻫَﺎ ﺃَﻧْﺘُﻢْ ﻭَﺁﺑَﺎﺅُﻛُﻢْ ﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻝَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻬَﺎ ﻣِﻦْ ﺳُﻠْﻄَﺎﻥٍ ﺇِﻥْ ﻳَﺘَّﺒِﻌُﻮﻥَ ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟﻈَّﻦَّ{ ﻓﺎﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﻟﻴﺲ ﻧﺪﺍ ﻟﻠﻪ ﻷﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ, ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻣﺨﻠﻮﻕ, ﻭﺍﻟﺮﺏ ﺍﻟﺮﺍﺯﻕ ﻭﻣﻦ ﻋﺪﺍﻩ ﻣﺮﺯﻭﻕ, ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ, ﻭﺍﻟﻌﺒﻴﺪ ﻧﺎﻗﺼﻮﻥ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﻨﺎﻓﻊ ﺍﻟﻀﺎﺭ, ﻭﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻊ ﻭﺍﻟﻀﺮ ﻭﺍﻷﻣﺮ ﺷﻲﺀ، ﻓﻌﻠﻢ ﻋﻠﻤﺎ ﻳﻘﻴﻨﺎ, ﺑﻄﻼﻥ ﻗﻮﻝ ﻣﻦ ﺍﺗﺨﺬ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺁﻟﻬﺔ ﻭﺃﻧﺪﺍﺩﺍ، ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﻣﻠﻜﺎ ﺃﻭ ﻧﺒﻴﺎ, ﺃﻭ ﺻﺎﻟﺤﺎ, ﺻﻨﻤﺎ, ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺴﺘﺤﻖ ﻟﻠﻤﺤﺒﺔ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ , ﻭﺍﻟﺬﻝ ﺍﻟﺘﺎﻡ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻣﺪﺡ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺑﻘﻮﻟﻪ : } ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺃَﺷَﺪُّ ﺣُﺒًّﺎ ﻟِﻠَّﻪِ{
ﺃﻱ : ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻷﻧﺪﺍﺩ ﻷﻧﺪﺍﺩﻫﻢ, ﻷﻧﻬﻢ ﺃﺧﻠﺼﻮﺍ ﻣﺤﺒﺘﻬﻢ ﻟﻪ,
ﻭﻫﺆﻻﺀ ﺃﺷﺮﻛﻮﺍ ﺑﻬﺎ، ﻭﻷﻧﻬﻢ ﺃﺣﺒﻮﺍ ﻣﻦ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﻋﻠﻰ
ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ, ﺍﻟﺬﻱ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﻫﻲ ﻋﻴﻦ ﺻﻼﺡ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﺳﻌﺎﺩﺗﻪ ﻭﻓﻮﺯﻩ، ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻮﻥ ﺃﺣﺒﻮﺍ ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺐ ﺷﻴﺌًﺎ, ﻭﻣﺤﺒﺘﻪ ﻋﻴﻦ ﺷﻘﺎﺀ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﻓﺴﺎﺩﻩ, ﻭﺗﺸﺘﺖ ﺃﻣﺮﻩ .
ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺗﻮﻋﺪﻫﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ : } ﻭَﻟَﻮْ ﻳَﺮَﻯ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻇَﻠَﻤُﻮﺍ { ﺑﺎﺗﺨﺎﺫ ﺍﻷﻧﺪﺍﺩ ﻭﺍﻻﻧﻘﻴﺎﺩ ﻟﻐﻴﺮ ﺭﺏ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﻭﻇﻠﻤﻮﺍ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺑﺼﺪﻫﻢ ﻋﻦ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺳﻌﻴﻬﻢ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻀﺮﻫﻢ .
} ﺇِﺫْ ﻳَﺮَﻭْﻥَ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏَ { ﺃﻱ : ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻋﻴﺎﻧﺎ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻫﻢ، } ﺃَﻥَّ
ﺍﻟْﻘُﻮَّﺓَ ﻟِﻠَّﻪِ ﺟَﻤِﻴﻌًﺎ ﻭَﺃَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺷَﺪِﻳﺪُ ﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏِ { ﺃﻱ : ﻟﻌﻠﻤﻮﺍ ﻋﻠﻤﺎ
ﺟﺎﺯﻣﺎ, ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻟﻠﻪ ﻛﻠﻬﺎ, ﻭﺃﻥ ﺃﻧﺪﺍﺩﻫﻢ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺷﻲﺀ، ﻓﺘﺒﻴﻦ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺿﻌﻔﻬﺎ ﻭﻋﺠﺰﻫﺎ, ﻻ ﻛﻤﺎ ﺍﺷﺘﺒﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ , ﻭﻇﻨﻮﺍ ﺃﻥ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﺮ ﺷﻴﺌًﺎ , ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺗﻘﺮﺑﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ ﻭﺗﻮﺻﻠﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﺨﺎﺏ ﻇﻨﻬﻢ, ﻭﺑﻄﻞ ﺳﻌﻴﻬﻢ, ﻭﺣﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺷﺪﺓ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ, ﻭﻟﻢ ﺗﺪﻓﻊ ﻋﻨﻬﻢ ﺃﻧﺪﺍﺩﻫﻢ ﺷﻴﺌًﺎ, ﻭﻟﻢ ﺗﻐﻦ ﻋﻨﻬﻢ ﻣﺜﻘﺎﻝ ﺫﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻊ، ﺑﻞ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﻣﻨﻬﺎ, ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻇﻨﻮﺍ ﻧﻔﻌﻬﺎ .
ﻭﺗﺒﺮﺃ ﺍﻟﻤﺘﺒﻮﻋﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ, ﻭﺗﻘﻄﻌﺖ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﺍﻟﻮﺻﻞ, ﺍﻟﺘﻲ
ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ, ﻷﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ,
ﻭﻣﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺒﺎﻃﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻟﻪ, ﻓﺎﺿﻤﺤﻠﺖ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ,
ﻭﺗﻼﺷﺖ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ، ﻭﺗﺒﻴﻦ ﻟﻬﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻛﺎﺫﺑﻴﻦ, ﻭﺃﻥ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺆﻣﻠﻮﻥ ﻧﻔﻌﻬﺎ ﻭﺣﺼﻮﻝ ﻧﺘﻴﺠﺘﻬﺎ, ﺍﻧﻘﻠﺒﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺣﺴﺮﺓ ﻭﻧﺪﺍﻣﺔ, ﻭﺃﻧﻬﻢ ﺧﺎﻟﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻻ ﻳﺨﺮﺟﻮﻥ ﻣﻨﻬﺎ ﺃﺑﺪًﺍ، ﻓﻬﻞ ﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﺴﺮﺍﻥ ﺧﺴﺮﺍﻥ؟ ﺫﻟﻚ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﺍﺗﺒﻌﻮﺍ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ، ﻓﻌﻤﻠﻮﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﺭﺟﻮﺍ ﻏﻴﺮ ﻣﺮﺟﻮ, ﻭﺗﻌﻠﻘﻮﺍ ﺑﻐﻴﺮ ﻣﺘﻌﻠﻖ , ﻓﺒﻄﻠﺖ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺑﺒﻄﻼﻥ ﻣﺘﻌﻠﻘﻬﺎ، ﻭﻟﻤﺎ ﺑﻄﻠﺖ ﻭﻗﻌﺖ ﺍﻟﺤﺴﺮﺓ ﺑﻤﺎ ﻓﺎﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻞ ﻓﻴﻬﺎ, ﻓﻀﺮﺗﻬﻢ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻀﺮﺭ، ﻭﻫﺬﺍ ﺑﺨﻼﻑ ﻣﻦ ﺗﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﺒﻴﻦ, ﻭﺃﺧﻠﺺ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻮﺟﻬﻪ, ﻭﺭﺟﺎ ﻧﻔﻌﻪ، ﻓﻬﺬﺍ ﻗﺪ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻌﻪ, ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺃﻋﻤﺎﻟﻪ ﺣﻘﺎ, ﻟﺘﻌﻠﻘﻬﺎ ﺑﺎﻟﺤﻖ, ﻓﻔﺎﺯ ﺑﻨﺘﻴﺠﺔ ﻋﻤﻠﻪ, ﻭﻭﺟﺪ ﺟﺰﺍﺀﻩ ﻋﻨﺪ ﺭﺑﻪ, ﻏﻴﺮ ﻣﻨﻘﻄﻊ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭﺍ ﻭَﺻَﺪُّﻭﺍ ﻋَﻦْ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺃَﺿَﻞَّ
ﺃَﻋْﻤَﺎﻟَﻬُﻢْ ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﻭَﻋَﻤِﻠُﻮﺍ ﺍﻟﺼَّﺎﻟِﺤَﺎﺕِ ﻭَﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺑِﻤَﺎ ﻧُﺰِّﻝَ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪٍ ﻭَﻫُﻮَ ﺍﻟْﺤَﻖُّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻬِﻢْ ﻛَﻔَّﺮَ ﻋَﻨْﻬُﻢْ ﺳَﻴِّﺌَﺎﺗِﻬِﻢْ ﻭَﺃَﺻْﻠَﺢَ ﺑَﺎﻟَﻬُﻢْ ﺫَﻟِﻚَ ﺑِﺄَﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭﺍ ﺍﺗَّﺒَﻌُﻮﺍ ﺍﻟْﺒَﺎﻃِﻞَ ﻭَﺃَﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺍﺗَّﺒَﻌُﻮﺍ ﺍﻟْﺤَﻖَّ ﻣِﻦْ ﺭَﺑِّﻬِﻢْ ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳَﻀْﺮِﺏُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﺃَﻣْﺜَﺎﻟَﻬُﻢْ {
ﻭﺣﻴﻨﺌﺬ ﻳﺘﻤﻨﻰ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﺮﺩﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﻴﺘﺒﺮﺃﻭﺍ ﻣﻦ
ﻣﺘﺒﻮﻋﻴﻬﻢ, ﺑﺄﻥ ﻳﺘﺮﻛﻮﺍ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﺑﺎﻟﻠﻪ, ﻭﻳﻘﺒﻠﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺇﺧﻼﺹ
ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻠﻪ، ﻭﻫﻴﻬﺎﺕ, ﻓﺎﺕ ﺍﻷﻣﺮ, ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻭﻗﺖ ﺇﻣﻬﺎﻝ
ﻭﺇﻧﻈﺎﺭ، ﻭﻣﻊ ﻫﺬﺍ, ﻓﻬﻢ ﻛﺬﺑﺔ, ﻓﻠﻮ ﺭﺩﻭﺍ ﻟﻌﺎﺩﻭﺍ ﻟﻤﺎ ﻧﻬﻮﺍ ﻋﻨﻪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻗﻮﻝ ﻳﻘﻮﻟﻮﻧﻪ, ﻭﺃﻣﺎﻧﻲ ﻳﺘﻤﻨﻮﻧﻬﺎ, ﺣﻨﻘﺎ ﻭﻏﻴﻈﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺘﺒﻮﻋﻴﻦ ﻟﻤﺎ ﺗﺒﺮﺃﻭﺍ ﻣﻨﻬﻢ ﻭﺍﻟﺬﻧﺐ ﺫﻧﺒﻬﻢ، ﻓﺮﺃﺱ ﺍﻟﻤﺘﺒﻮﻋﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺮ, ﺇﺑﻠﻴﺲ, ﻭﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﻳﻘﻮﻝ ﻷﺗﺒﺎﻋﻪ ﻟﻤﺎ ﻗﻀﻲ ﺍﻷﻣﺮ } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻭَﻋَﺪَﻛُﻢْ ﻭَﻋْﺪَ ﺍﻟْﺤَﻖِّ ﻭَﻭَﻋَﺪْﺗُﻜُﻢْ ﻓَﺄَﺧْﻠَﻔْﺘُﻜُﻢْ ﻭَﻣَﺎ ﻛَﺎﻥَ ﻟِﻲ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻣِﻦْ ﺳُﻠْﻄَﺎﻥٍ ﺇِﻟَّﺎ ﺃَﻥْ ﺩَﻋَﻮْﺗُﻜُﻢْ ﻓَﺎﺳْﺘَﺠَﺒْﺘُﻢْ ﻟِﻲ ﻓَﻠَﺎ ﺗَﻠُﻮﻣُﻮﻧِﻲ ﻭَﻟُﻮﻣُﻮﺍ ﺃَﻧْﻔُﺴَﻜُﻢْ {


‏[168 ـ 170 ‏] } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟﻨَّﺎﺱُ ﻛُﻠُﻮﺍ ﻣِﻤَّﺎ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﺣَﻠَﺎﻟًﺎ
ﻃَﻴِّﺒًﺎ ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺘَّﺒِﻌُﻮﺍ ﺧُﻄُﻮَﺍﺕِ ﺍﻟﺸَّﻴْﻄَﺎﻥِ ﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻜُﻢْ ﻋَﺪُﻭٌّ ﻣُﺒِﻴﻦٌ * ﺇِﻧَّﻤَﺎ
ﻳَﺄْﻣُﺮُﻛُﻢْ ﺑِﺎﻟﺴُّﻮﺀِ ﻭَﺍﻟْﻔَﺤْﺸَﺎﺀِ ﻭَﺃَﻥْ ﺗَﻘُﻮﻟُﻮﺍ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻣَﺎ ﻟَﺎ ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ* ﻭَﺇِﺫَﺍ ﻗِﻴﻞَ ﻟَﻬُﻢُ ﺍﺗَّﺒِﻌُﻮﺍ ﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻝَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻗَﺎﻟُﻮﺍ ﺑَﻞْ ﻧَﺘَّﺒِﻊُ ﻣَﺎ ﺃَﻟْﻔَﻴْﻨَﺎ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺁﺑَﺎﺀَﻧَﺎ ﺃَﻭَﻟَﻮْ ﻛَﺎﻥَ ﺁﺑَﺎﺅُﻫُﻢْ ﻟَﺎ ﻳَﻌْﻘِﻠُﻮﻥَ ﺷﻴﺌًﺎ ﻭَﻟَﺎ ﻳَﻬْﺘَﺪُﻭﻥَ {


ﻫﺬﺍ ﺧﻄﺎﺏ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻛﻠﻬﻢ , ﻣﺆﻣﻨﻬﻢ ﻭﻛﺎﻓﺮﻫﻢ، ﻓﺎﻣﺘﻦ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺄﻥ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﺃﻥ ﻳﺄﻛﻠﻮﺍ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ، ﻣﻦ ﺣﺒﻮﺏ, ﻭﺛﻤﺎﺭ, ﻭﻓﻮﺍﻛﻪ, ﻭﺣﻴﻮﺍﻧﺎﺕ , ﺣﺎﻟﺔ ﻛﻮﻧﻬﺎ }ﺣَﻠَﺎﻟًﺎ{ ﺃﻱ : ﻣﺤﻠﻼ ﻟﻜﻢ ﺗﻨﺎﻭﻟﻪ، ﻟﻴﺲ ﺑﻐﺼﺐ ﻭﻻ ﺳﺮﻗﺔ, ﻭﻻ ﻣﺤﺼﻼ ﺑﻤﻌﺎﻣﻠﺔ ﻣﺤﺮﻣﺔ ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﻣﺤﺮﻡ، ﺃﻭ ﻣﻌﻴﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﺮﻡ .
} ﻃَﻴِّﺒًﺎ{ ﺃﻱ: ﻟﻴﺲ ﺑﺨﺒﻴﺚ, ﻛﺎﻟﻤﻴﺘﺔ ﻭﺍﻟﺪﻡ, ﻭﻟﺤﻢ ﺍﻟﺨﻨﺰﻳﺮ,
ﻭﺍﻟﺨﺒﺎﺋﺚ ﻛﻠﻬﺎ، ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻷﺻﻞ ﻓﻲ
ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ، ﺃﻛﻼ ﻭﺍﻧﺘﻔﺎﻋﺎ, ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﺤﺮﻡ ﻧﻮﻋﺎﻥ : ﺇﻣﺎ ﻣﺤﺮﻡ ﻟﺬﺍﺗﻪ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺨﺒﻴﺚ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺿﺪ ﺍﻟﻄﻴﺐ، ﻭﺇﻣﺎ ﻣﺤﺮﻡ ﻟﻤﺎ ﻋﺮﺽ ﻟﻪ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺤﺮﻡ ﻟﺘﻌﻠﻖ ﺣﻖ ﺍﻟﻠﻪ, ﺃﻭ ﺣﻖ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺑﻪ, ﻭﻫﻮ ﺿﺪ ﺍﻟﺤﻼﻝ .
ﻭﻓﻴﻪ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻷﻛﻞ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻳﻘﻴﻢ ﺍﻟﺒﻨﻴﺔ ﻭﺍﺟﺐ, ﻳﺄﺛﻢ
ﺗﺎﺭﻛﻪ ﻟﻈﺎﻫﺮ ﺍﻷﻣﺮ، ﻭﻟﻤﺎ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﺑﺎﺗﺒﺎﻉ ﻣﺎ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﺑﻪ ـ ﺇﺫ ﻫﻮ ﻋﻴﻦ ﺻﻼﺣﻬﻢ ـ ﻧﻬﺎﻫﻢ ﻋﻦ ﺍﺗﺒﺎﻉ }ﺧُﻄُﻮَﺍﺕِ ﺍﻟﺸَّﻴْﻄَﺎﻥِ{ ﺃﻱ : ﻃﺮﻗﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﻬﺎ, ﻭﻫﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻣﻦ ﻛﻔﺮ, ﻭﻓﺴﻮﻕ, ﻭﻇﻠﻢ، ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺍﻟﺴﻮﺍﺋﺐ, ﻭﺍﻟﺤﺎﻡ, ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ، ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻴﻪ ﺃﻳﻀًﺎ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﺍﻟﻤﺄﻛﻮﻻﺕ ﺍﻟﻤﺤﺮﻣﺔ، } ﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻜُﻢْ ﻋَﺪُﻭٌّ ﻣُﺒِﻴﻦٌ{ ﺃﻱ: ﻇﺎﻫﺮ ﺍﻟﻌﺪﺍﻭﺓ , ﻓﻼ ﻳﺮﻳﺪ ﺑﺄﻣﺮﻛﻢ ﺇﻻ ﻏﺸﻜﻢ, ﻭﺃﻥ ﺗﻜﻮﻧﻮﺍ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺴﻌﻴﺮ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﺘﻒ ﺭﺑﻨﺎ ﺑﻨﻬﻴﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺧﻄﻮﺍﺗﻪ, ﺣﺘﻰ ﺃﺧﺒﺮﻧﺎ ـ ﻭﻫﻮ ﺃﺻﺪﻕ ﺍﻟﻘﺎﺋﻠﻴﻦ ـ ﺑﻌﺪﺍﻭﺗﻪ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﺔ ﻟﻠﺤﺬﺭ ﻣﻨﻪ, ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒ ﺑﺬﻟﻚ, ﺣﺘﻰ ﺃﺧﺒﺮﻧﺎ ﺑﺘﻔﺼﻴﻞ ﻣﺎ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﻪ, ﻭﺃﻧﻪ ﺃﻗﺒﺢ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ, ﻭﺃﻋﻈﻤﻬﺎ ﻣﻔﺴﺪﺓ ﻓﻘﺎﻝ : }ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﻳَﺄْﻣُﺮُﻛُﻢْ ﺑِﺎﻟﺴُّﻮﺀِ{
ﺃﻱ : ﺍﻟﺸﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻮﺀ ﺻﺎﺣﺒﻪ, ﻓﻴﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ, ﺟﻤﻴﻊ
ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻭَﺍﻟْﻔَﺤْﺸَﺎﺀِ{ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﻋﻄﻒ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺎﻡ؛ ﻷﻥ ﺍﻟﻔﺤﺸﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ, ﻣﺎ ﺗﻨﺎﻫﻰ ﻗﺒﺤﻪ, ﻛﺎﻟﺰﻧﺎ, ﻭﺷﺮﺏ ﺍﻟﺨﻤﺮ, ﻭﺍﻟﻘﺘﻞ, ﻭﺍﻟﻘﺬﻑ, ﻭﺍﻟﺒﺨﻞ ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ, ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﻔﺤﺸﻪ ﻣﻦ ﻟﻪ ﻋﻘﻞ، } ﻭَﺃَﻥْ ﺗَﻘُﻮﻟُﻮﺍ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻣَﺎ ﻟَﺎ ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ { ﻓﻴﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ , ﺍﻟﻘﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ, ﻓﻲ ﺷﺮﻋﻪ, ﻭﻗﺪﺭﻩ، ﻓﻤﻦ ﻭﺻﻒ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﻣﺎ ﻭﺻﻒ ﺑﻪ ﻧﻔﺴﻪ, ﺃﻭ ﻭﺻﻔﻪ ﺑﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ, ﺃﻭ ﻧﻔﻰ ﻋﻨﻪ ﻣﺎ ﺃﺛﺒﺘﻪ ﻟﻨﻔﺴﻪ, ﺃﻭ ﺃﺛﺒﺖ ﻟﻪ ﻣﺎ ﻧﻔﺎﻩ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ, ﻓﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ، ﻭﻣﻦ ﺯﻋﻢ ﺃﻥ ﻟﻠﻪ ﻧﺪﺍ, ﻭﺃﻭﺛﺎﻧﺎ , ﺗﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﻋﺒﺪﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻓﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ، ﻭﻣﻦ ﻗﺎﻝ : ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺣﻞ ﻛﺬﺍ, ﺃﻭ ﺣﺮﻡ ﻛﺬﺍ, ﺃﻭ ﺃﻣﺮ ﺑﻜﺬﺍ, ﺃﻭ ﻧﻬﻰ ﻋﻦ ﻛﺬﺍ, ﺑﻐﻴﺮ ﺑﺼﻴﺮﺓ, ﻓﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ، ﻭﻣﻦ ﻗﺎﻝ : ﺍﻟﻠﻪ ﺧﻠﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺼﻨﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ, ﻟﻠﻌﻠﺔ ﺍﻟﻔﻼﻧﻴﺔ ﺑﻼ ﺑﺮﻫﺎﻥ ﻟﻪ ﺑﺬﻟﻚ, ﻓﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ، ﻭﻣﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ, ﺃﻥ ﻳﺘﺄﻭﻝ ﺍﻟﻤﺘﺄﻭﻝ ﻛﻼﻣﻪ, ﺃﻭ ﻛﻼﻡ ﺭﺳﻮﻟﻪ, ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻥ ﺍﺻﻄﻠﺢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ ﻃﻮﺍﺋﻒ ﺍﻟﻀﻼﻝ , ﺛﻢ ﻳﻘﻮﻝ :
ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺭﺍﺩﻫﺎ، ﻓﺎﻟﻘﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻼ ﻋﻠﻢ, ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ ﺍﻟﻤﺤﺮﻣﺎﺕ, ﻭﺃﺷﻤﻠﻬﺎ, ﻭﺃﻛﺒﺮ ﻃﺮﻕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻴﻬﺎ, ﻓﻬﺬﻩ ﻃﺮﻕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻫﻮ ﻭﺟﻨﻮﺩﻩ, ﻭﻳﺒﺬﻟﻮﻥ ﻣﻜﺮﻫﻢ ﻭﺧﺪﺍﻋﻬﻢ, ﻋﻠﻰ ﺇﻏﻮﺍﺀ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺑﻤﺎ ﻳﻘﺪﺭﻭﻥ ﻋﻠﻴﻪ .
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﺎﻟﻌﺪﻝ ﻭﺍﻹﺣﺴﺎﻥ, ﻭﺇﻳﺘﺎﺀ ﺫﻱ
ﺍﻟﻘﺮﺑﻰ, ﻭﻳﻨﻬﻰ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺤﺸﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﻨﻜﺮ ﻭﺍﻟﺒﻐﻲ، ﻓﻠﻴﻨﻈﺮ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻧﻔﺴﻪ, ﻣﻊ ﺃﻱ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﻴﻦ ﻫﻮ, ﻭﻣﻦ ﺃﻱ ﺍﻟﺤﺰﺑﻴﻦ؟ ﺃﺗﺘﺒﻊ ﺩﺍﻋﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻳﺪ ﻟﻚ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ ﻭﺍﻷﺧﺮﻭﻳﺔ, ﺍﻟﺬﻱ ﻛﻞ ﺍﻟﻔﻼﺡ ﺑﻄﺎﻋﺘﻪ, ﻭﻛﻞ ﺍﻟﻔﻮﺯ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺘﻪ, ﻭﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺭﺑﺎﺡ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ ﺍﻟﻤﻨﻌﻢ ﺑﺎﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻨﺔ, ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺄﻣﺮ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ, ﻭﻻ ﻳﻨﻬﻰ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮ، ﺃﻡ ﺗﺘﺒﻊ ﺩﺍﻋﻲ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ, ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻋﺪﻭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ, ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻳﺪ ﻟﻚ ﺍﻟﺸﺮ, ﻭﻳﺴﻌﻰ ﺑﺠﻬﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺇﻫﻼﻛﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ؟ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﻞ ﺍﻟﺸﺮ ﻓﻲ ﻃﺎﻋﺘﻪ, ﻭﻛﻞ ﺍﻟﺨﺴﺮﺍﻥ ﻓﻲ ﻭﻻﻳﺘﻪ، ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺄﻣﺮ ﺇﻻ ﺑﺸﺮ, ﻭﻻ ﻳﻨﻬﻰ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺧﻴﺮ .
ﺛﻢ ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻦ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﺇﺫﺍ ﺃﻣﺮﻭﺍ ﺑﺎﺗﺒﺎﻉ ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ
ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻟﻪ ـ ﻣﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻭﺻﻔﻪ ـ ﺭﻏﺒﻮﺍ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ : } ﺑَﻞْ ﻧَﺘَّﺒِﻊُ ﻣَﺎ ﺃَﻟْﻔَﻴْﻨَﺎ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺁﺑَﺎﺀَﻧَﺎ { ﻓﺎﻛﺘﻔﻮﺍ ﺑﺘﻘﻠﻴﺪ ﺍﻵﺑﺎﺀ, ﻭﺯﻫﺪﻭﺍ ﻓﻲ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻷﻧﺒﻴﺎﺀ، ﻭﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﻓﺂﺑﺎﺅﻫﻢ ﺃﺟﻬﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ, ﻭﺃﺷﺪﻫﻢ ﺿﻼﻟًﺎ ﻭﻫﺬﻩ ﺷﺒﻬﺔ ﻟﺮﺩ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻫﻴﺔ، ﻓﻬﺬﺍ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺇﻋﺮﺍﺿﻬﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ , ﻭﺭﻏﺒﺘﻬﻢ ﻋﻨﻪ, ﻭﻋﺪﻡ ﺇﻧﺼﺎﻓﻬﻢ، ﻓﻠﻮ ﻫﺪﻭﺍ ﻟﺮﺷﺪﻫﻢ, ﻭﺣﺴﻦ ﻗﺼﺪﻫﻢ, ﻟﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻫﻮ ﺍﻟﻘﺼﺪ، ﻭﻣﻦ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﻗﺼﺪﻩ, ﻭﻭﺍﺯﻥ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﻏﻴﺮﻩ, ﺗﺒﻴﻦ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﻖ ﻗﻄﻌﺎ, ﻭﺍﺗﺒﻌﻪ ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﺼﻔًﺎ ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين سبتمبر 08, 2014 6:48 am

ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ‏[ ﺗﻌﺎﻟﻰ ‏] : } ﻭَﻣَﺜَﻞُ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭﺍ ﻛَﻤَﺜَﻞِ ﺍﻟَّﺬِﻱ ﻳَﻨْﻌِﻖُ ﺑِﻤَﺎ ﻟَﺎﻳَﺴْﻤَﻊُ ﺇِﻟَّﺎ ﺩُﻋَﺎﺀً ﻭَﻧِﺪَﺍﺀً ﺻُﻢٌّ ﺑُﻜْﻢٌ ﻋُﻤْﻲٌ ﻓَﻬُﻢْ ﻟَﺎ ﻳَﻌْﻘِﻠُﻮﻥَ{


ﻟﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﺪﻡ ﺍﻧﻘﻴﺎﺩﻫﻢ ﻟﻤﺎ ﺟﺎﺀﺕ ﺑﻪ ﺍﻟﺮﺳﻞ, ﻭﺭﺩﻫﻢ
ﻟﺬﻟﻚ ﺑﺎﻟﺘﻘﻠﻴﺪ, ﻋﻠﻢ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺃﻧﻬﻢ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑﻠﻴﻦ ﻟﻠﺤﻖ, ﻭﻻ
ﻣﺴﺘﺠﻴﺒﻴﻦ ﻟﻪ, ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎ ﻟﻜﻞ ﺃﺣﺪ ﺃﻧﻬﻢ ﻟﻦ ﻳﺰﻭﻟﻮﺍ ﻋﻦ
ﻋﻨﺎﺩﻫﻢ، ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺃﻥ ﻣﺜﻠﻬﻢ ﻋﻨﺪ ﺩﻋﺎﺀ ﺍﻟﺪﺍﻋﻲ ﻟﻬﻢ ﺇﻟﻰ
ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻛﻤﺜﻞ ﺍﻟﺒﻬﺎﺋﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﻌﻖ ﻟﻬﺎ ﺭﺍﻋﻴﻬﺎ, ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﻋﻠﻢ ﺑﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺭﺍﻋﻴﻬﺎ ﻭﻣﻨﺎﺩﻳﻬﺎ، ﻓﻬﻢ ﻳﺴﻤﻌﻮﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﺼﻮﺕ, ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻘﻮﻡ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺤﺠﺔ, ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﻻ ﻳﻔﻘﻬﻮﻧﻪ ﻓﻘﻬﺎ ﻳﻨﻔﻌﻬﻢ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺻﻤﺎ, ﻻ ﻳﺴﻤﻌﻮﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﺳﻤﺎﻉ ﻓﻬﻢ ﻭﻗﺒﻮﻝ, ﻋﻤﻴﺎ, ﻻ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﻧﻈﺮ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ, ﺑﻜﻤﺎ, ﻓﻼ ﻳﻨﻄﻘﻮﻥ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﺧﻴﺮ ﻟﻬﻢ . ﻭﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻤﻮﺟﺐ ﻟﺬﻟﻚ ﻛﻠﻪ, ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﻢ ﻋﻘﻞ ﺻﺤﻴﺢ, ﺑﻞ ﻫﻢﺃﺳﻔﻪ ﺍﻟﺴﻔﻬﺎﺀ, ﻭﺃﺟﻬﻞ ﺍﻟﺠﻬﻼﺀ .
ﻓﻬﻞ ﻳﺴﺘﺮﻳﺐ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ , ﺃﻥ ﻣﻦ ﺩﻋﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺷﺎﺩ, ﻭﺫﻳﺪ ﻋﻦ
ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ, ﻭﻧﻬﻲ ﻋﻦ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ, ﻭﺃﻣﺮ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﺻﻼﺣﻪ
ﻭﻓﻼﺣﻪ, ﻭﻓﻮﺯﻩ, ﻭﻧﻌﻴﻤﻪ ﻓﻌﺼﻰ ﺍﻟﻨﺎﺻﺢ , ﻭﺗﻮﻟﻰ ﻋﻦ ﺃﻣﺮ ﺭﺑﻪ , ﻭﺍﻗﺘﺤﻢ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺑﺼﻴﺮﺓ, ﻭﺍﺗﺒﻊ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ , ﻭﻧﺒﺬ ﺍﻟﺤﻖ ـ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻣﺴﻜﺔ ﻣﻦ ﻋﻘﻞ, ﻭﺃﻧﻪ ﻟﻮ ﺍﺗﺼﻒ ﺑﺎﻟﻤﻜﺮ ﻭﺍﻟﺨﺪﻳﻌﺔ ﻭﺍﻟﺪﻫﺎﺀ, ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ ﺃﺳﻔﻪ ﺍﻟﺴﻔﻬﺎﺀ .


‏[172 ـ 173 ‏] } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﻛُﻠُﻮﺍ ﻣِﻦْ ﻃَﻴِّﺒَﺎﺕِ ﻣَﺎ

ﺭَﺯَﻗْﻨَﺎﻛُﻢْ ﻭَﺍﺷْﻜُﺮُﻭﺍ ﻟِﻠَّﻪِ ﺇِﻥْ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﺇِﻳَّﺎﻩُ ﺗَﻌْﺒُﺪُﻭﻥَ * ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﺣَﺮَّﻡَ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢُ ﺍﻟْﻤَﻴْﺘَﺔَ ﻭَﺍﻟﺪَّﻡَ ﻭَﻟَﺤْﻢَ ﺍﻟْﺨِﻨْﺰِﻳﺮِ ﻭَﻣَﺎ ﺃُﻫِﻞَّ ﺑِﻪِ ﻟِﻐَﻴْﺮِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﻤَﻦِ ﺍﺿْﻄُﺮَّ ﻏَﻴْﺮَ ﺑَﺎﻍٍ ﻭَﻟَﺎ ﻋَﺎﺩٍ ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻏَﻔُﻮﺭٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ {


ﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﻟﻠﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺧﺎﺻﺔ, ﺑﻌﺪ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﻌﺎﻡ, ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻧﻬﻢ ﻫﻢ
ﺍﻟﻤﻨﺘﻔﻌﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﺎﻷﻭﺍﻣﺮ ﻭﺍﻟﻨﻮﺍﻫﻲ, ﺑﺴﺒﺐ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ, ﻓﺄﻣﺮﻫﻢف ﺑﺄﻛﻞ ﺍﻟﻄﻴﺒﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺯﻕ, ﻭﺍﻟﺸﻜﺮ ﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﻌﺎﻣﻪ, ﺑﺎﺳﺘﻌﻤﺎﻟﻬﺎ ﺑﻄﺎﻋﺘﻪ, ﻭﺍﻟﺘﻘﻮﻱ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻳﻮﺻﻞ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﺄﻣﺮﻫﻢ ﺑﻤﺎ ﺃﻣﺮ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺮﺳﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟﺮُّﺳُﻞُ ﻛُﻠُﻮﺍ ﻣِﻦَ ﺍﻟﻄَّﻴِّﺒَﺎﺕِ ﻭَﺍﻋْﻤَﻠُﻮﺍ ﺻَﺎﻟِﺤًﺎ{
ﻓﺎﻟﺸﻜﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﻫﻮ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ، ﻭﻫﻨﺎ ﻟﻢ
ﻳﻘﻞ "ﺣﻼﻝ " ﻷﻥ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﺃﺑﺎﺡ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﺍﻟﻄﻴﺒﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺯﻕ
ﺧﺎﻟﺼﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺒﻌﺔ، ﻭﻷﻥ ﺇﻳﻤﺎﻧﻪ ﻳﺤﺠﺰﻩ ﻋﻦ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻣﺎ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ .
ﻭﻗﻮﻟﻪ : } ﺇِﻥْ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﺇِﻳَّﺎﻩُ ﺗَﻌْﺒُﺪُﻭﻥَ { ﺃﻱ : ﻓﺎﺷﻜﺮﻭﻩ، ﻓﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺸﻜﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻟﻢ ﻳﻌﺒﺪﻩ ﻭﺣﺪﻩ, ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﻦ ﺷﻜﺮﻩ, ﻓﻘﺪ ﻋﺒﺪﻩ, ﻭﺃﺗﻰ ﺑﻤﺎ ﺃﻣﺮ ﺑﻪ، ﻭﻳﺪﻝ ﺃﻳﻀًﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺃﻛﻞ ﺍﻟﻄﻴﺐ, ﺳﺒﺐ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﻭﻗﺒﻮﻟﻪ، ﻭﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﺸﻜﺮ, ﻋﻘﻴﺐ ﺍﻟﻨﻌﻢ؛ ﻷﻥ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻳﺤﻔﻆ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ, ﻭﻳﺠﻠﺐ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩﺓ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﻔﺮ, ﻳﻨﻔﺮ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩﺓ ﻭﻳﺰﻳﻞ ﺍﻟﻨﻌﻢ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ . 
ﻭﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﺑﺎﺣﺔ ﺍﻟﻄﻴﺒﺎﺕ ﺫﻛﺮ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺍﻟﺨﺒﺎﺋﺚ ﻓﻘﺎﻝ }ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﺣَﺮَّﻡَ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢُ ﺍﻟْﻤَﻴْﺘَﺔَ{ ﻭﻫﻲ : ﻣﺎ ﻣﺎﺕ ﺑﻐﻴﺮ ﺗﺬﻛﻴﺔ ﺷﺮﻋﻴﺔ , ﻷﻥ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﺧﺒﻴﺜﺔ ﻣﻀﺮﺓ, ﻟﺮﺩﺍﺀﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ, ﻭﻷﻥ ﺍﻷﻏﻠﺐ , ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﻦ ﻣﺮﺽ, ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺿﺮﺭ ﻭﺍﺳﺘﺜﻨﻰ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻮﻡ, ﻣﻴﺘﺔ ﺍﻟﺠﺮﺍﺩ, ﻭﺳﻤﻚ ﺍﻟﺒﺤﺮ , ﻓﺈﻧﻪ ﺣﻼﻝ ﻃﻴﺐ .
}ﻭَﺍﻟﺪَّﻡَ { ﺃﻱ : ﺍﻟﻤﺴﻔﻮﺡ ﻛﻤﺎ ﻗﻴﺪ ﻓﻲ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ .
} ﻭَﻣَﺎ ﺃُﻫِﻞَّ ﺑِﻪِ ﻟِﻐَﻴْﺮِ ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﺃﻱ : ﺫﺑﺢ ﻟﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻛﺎﻟﺬﻱ ﻳﺬﺑﺢ
ﻟﻸﺻﻨﺎﻡ ﻭﺍﻷﻭﺛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﺠﺎﺭ, ﻭﺍﻟﻘﺒﻮﺭ ﻭﻧﺤﻮﻫﺎ, ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﻏﻴﺮ ﺣﺎﺻﺮ ﻟﻠﻤﺤﺮﻣﺎﺕ، ﺟﻲﺀ ﺑﻪ ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺃﺟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺨﺒﺎﺋﺚ ﺍﻟﻤﺪﻟﻮﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻤﻔﻬﻮﻡ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻃَﻴِّﺒَﺎﺕِ{ ﻓﻌﻤﻮﻡ ﺍﻟﻤﺤﺮﻣﺎﺕ, ﺗﺴﺘﻔﺎﺩ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ, ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ : }ﺣَﻠَﺎﻟًﺎ ﻃَﻴِّﺒًﺎ { ﻛﻤﺎ ﺗﻘﺪﻡ .
ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺣﺮﻡ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﺒﺎﺋﺚ ﻭﻧﺤﻮﻫﺎ, ﻟﻄﻔﺎ ﺑﻨﺎ, ﻭﺗﻨﺰﻳﻬﺎ ﻋﻦ
ﺍﻟﻤﻀﺮ، ﻭﻣﻊ ﻫﺬﺍ } ﻓَﻤَﻦِ ﺍﺿْﻄُﺮَّ{ ﺃﻱ: ﺃﻟﺠﺊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﺮﻡ, ﺑﺠﻮﻉ ﻭﻋﺪﻡ, ﺃﻭ ﺇﻛﺮﺍﻩ، } ﻏَﻴْﺮَ ﺑَﺎﻍٍ{ ﺃﻱ : ﻏﻴﺮ ﻃﺎﻟﺐ ﻟﻠﻤﺤﺮﻡ, ﻣﻊ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻼﻝ, ﺃﻭ ﻣﻊ ﻋﺪﻡ ﺟﻮﻋﻪ، }ﻭَﻟَﺎ ﻋَﺎﺩٍ { ﺃﻱ : ﻣﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺪ ﻓﻲ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻣﺎ ﺃﺑﻴﺢ ﻟﻪ, ﺍﺿﻄﺮﺍﺭﺍ، ﻓﻤﻦ ﺍﺿﻄﺮ ﻭﻫﻮ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻼﻝ، ﻭﺃﻛﻞ ﺑﻘﺪﺭ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻼ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻠﻴﻬﺎ، } ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ { ‏[ ﺃﻱ : ﺟﻨﺎﺡ ‏] ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺇﺫﺍ ﺍﺭﺗﻔﻊ ﺍﻟﺠﻨﺎﺡ ﺍﻹﺛﻢ ﺭﺟﻊ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ, ﻣﺄﻣﻮﺭ ﺑﺎﻷﻛﻞ, ﺑﻞ ﻣﻨﻬﻲ ﺃﻥ ﻳﻠﻘﻲ ﺑﻴﺪﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻬﻠﻜﺔ , ﻭﺃﻥ ﻳﻘﺘﻞ ﻧﻔﺴﻪ .
ﻓﻴﺠﺐ, ﺇﺫًﺍ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻷﻛﻞ, ﻭﻳﺄﺛﻢ ﺇﻥ ﺗﺮﻙ ﺍﻷﻛﻞ ﺣﺘﻰ ﻣﺎﺕ, ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻗﺎﺗﻼ ﻟﻨﻔﺴﻪ .
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺘﻮﺳﻌﺔ, ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻌﺒﺎﺩﻩ, ﻓﻠﻬﺬﺍ
ﺧﺘﻤﻬﺎ ﺑﻬﺬﻳﻦ ﺍﻻﺳﻤﻴﻦ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﻴﻦ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ
ﻓﻘﺎﻝ : } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻏَﻔُﻮﺭٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ {
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺤﻞ ﻣﺸﺮﻭﻃًﺎ ﺑﻬﺬﻳﻦ ﺍﻟﺸﺮﻃﻴﻦ, ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ, ﺭﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺴﺘﻘﺼﻲ ﺗﻤﺎﻡ ﺍﻻﺳﺘﻘﺼﺎﺀ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻘﻬﺎ ـ ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﻏﻔﻮﺭ, ﻓﻴﻐﻔﺮ ﻣﺎ ﺃﺧﻄﺄ ﻓﻴﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻝ, ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﻭﻗﺪ ﻏﻠﺒﺘﻪ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ, ﻭﺃﺫﻫﺒﺖ ﺣﻮﺍﺳﻪ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ .
ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ : "ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭﺍﺕ " ﻓﻜﻞ ﻣﺤﻈﻮﺭ, ﺍﺿﻄﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ, ﻓﻘﺪ ﺃﺑﺎﺣﻪ ﻟﻪ, ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ . ‏[ ﻓﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻭﺍﻟﺸﻜﺮ, ﺃﻭﻟًﺎ ﻭﺁﺧﺮًﺍ, ﻭﻇﺎﻫﺮًﺍ ﻭﺑﺎﻃﻨًﺎ ‏] .


‏[174 ـ 176 ‏] } ﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳَﻜْﺘُﻤُﻮﻥَ ﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻝَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏِ ﻭَﻳَﺸْﺘَﺮُﻭﻥَ ﺑِﻪِ ﺛَﻤَﻨًﺎ ﻗَﻠِﻴﻠًﺎ ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻣَﺎ ﻳَﺄْﻛُﻠُﻮﻥَ ﻓِﻲ ﺑُﻄُﻮﻧِﻬِﻢْ ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟﻨَّﺎﺭَ ﻭَﻟَﺎ ﻳُﻜَﻠِّﻤُﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﻮْﻡَ ﺍﻟْﻘِﻴَﺎﻣَﺔِ ﻭَﻟَﺎ ﻳُﺰَﻛِّﻴﻬِﻢْ ﻭَﻟَﻬُﻢْ ﻋَﺬَﺍﺏٌ ﺃَﻟِﻴﻢٌ * ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺷْﺘَﺮَﻭُﺍ ﺍﻟﻀَّﻠَﺎﻟَﺔَ ﺑِﺎﻟْﻬُﺪَﻯ ﻭَﺍﻟْﻌَﺬَﺍﺏَ ﺑِﺎﻟْﻤَﻐْﻔِﺮَﺓِ ﻓَﻤَﺎ ﺃَﺻْﺒَﺮَﻫُﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻨَّﺎﺭِ * ﺫَﻟِﻚَ ﺑِﺄَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻧَﺰَّﻝَ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﺑِﺎﻟْﺤَﻖِّ ﻭَﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺧْﺘَﻠَﻔُﻮﺍ ﻓِﻲ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏِ ﻟَﻔِﻲ ﺷِﻘَﺎﻕٍ ﺑَﻌِﻴﺪٍ{


ﻫﺬﺍ ﻭﻋﻴﺪ ﺷﺪﻳﺪ ﻟﻤﻦ ﻛﺘﻢ ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻠﻪ, ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺧﺬ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﻴﺜﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻠﻪ, ﺃﻥ ﻳﺒﻴﻨﻮﻩ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻭﻻ
ﻳﻜﺘﻤﻮﻩ، ﻓﻤﻦ ﺗﻌﻮﺽ ﻋﻨﻪ ﺑﺎﻟﺤﻄﺎﻡ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻱ, ﻭﻧﺒﺬ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ,
ﻓﺄﻭﻟﺌﻚ : } ﻣَﺎ ﻳَﺄْﻛُﻠُﻮﻥَ ﻓِﻲ ﺑُﻄُﻮﻧِﻬِﻢْ ﺇِﻟَّﺎ ﺍﻟﻨَّﺎﺭَ{ ﻷﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺜﻤﻦ
ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻛﺘﺴﺒﻮﻩ, ﺇﻧﻤﺎ ﺣﺼﻞ ﻟﻬﻢ ﺑﺄﻗﺒﺢ ﺍﻟﻤﻜﺎﺳﺐ, ﻭﺃﻋﻈﻢ
ﺍﻟﻤﺤﺮﻣﺎﺕ, ﻓﻜﺎﻥ ﺟﺰﺍﺅﻫﻢ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ ﻋﻤﻠﻬﻢ، }ﻭَﻟَﺎ ﻳُﻜَﻠِّﻤُﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﻮْﻡَ ﺍﻟْﻘِﻴَﺎﻣَﺔِ { ﺑﻞ ﻗﺪ ﺳﺨﻂ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﺃﻋﺮﺽ ﻋﻨﻬﻢ، ﻓﻬﺬﺍ ﺃﻋﻈﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﻋﺬﺍﺏ ﺍﻟﻨﺎﺭ، }ﻭَﻟَﺎ ﻳُﺰَﻛِّﻴﻬِﻢْ{ ﺃﻱ : ﻻ ﻳﻄﻬﺮﻫﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﺮﺫﻳﻠﺔ, ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻬﻢ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺗﺼﻠﺢ ﻟﻠﻤﺪﺡ ﻭﺍﻟﺮﺿﺎ
ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺰﻛﻬﻢ ﻷﻧﻬﻢ ﻓﻌﻠﻮﺍ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﻋﺪﻡ
ﺍﻟﺘﺰﻛﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻋﻈﻢ ﺃﺳﺒﺎﺑﻬﺎ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺍﻻﻫﺘﺪﺍﺀ ﺑﻪ,
ﻭﺍﻟﺪﻋﻮﺓ ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﻬﺆﻻﺀ ﻧﺒﺬﻭﺍ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺃﻋﺮﺿﻮﺍ ﻋﻨﻪ,
ﻭﺍﺧﺘﺎﺭﻭﺍ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﺪﻯ, ﻭﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﻓﻬﺆﻻﺀ ﻻ ﻳﺼﻠﺢ ﻟﻬﻢ ﺇﻻ ﺍﻟﻨﺎﺭ, ﻓﻜﻴﻒ ﻳﺼﺒﺮﻭﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﻭﺃﻧﻰ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﺠﻠﺪ ﻋﻠﻴﻬﺎ؟ "
} ﺫَﻟِﻚَ{ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ, ﻭﻫﻮ ﻣﺠﺎﺯﺍﺗﻪ ﺑﺎﻟﻌﺪﻝ, ﻭﻣﻨﻌﻪ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ, ﻣﻤﻦ ﺃﺑﺎﻫﺎ ﻭﺍﺧﺘﺎﺭ ﺳﻮﺍﻫﺎ .
} ﺑِﺄَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻧَﺰَّﻝَ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﺑِﺎﻟْﺤَﻖِّ{ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺤﻖ, ﻣﺠﺎﺯﺍﺓ ﺍﻟﻤﺤﺴﻦ
ﺑﺈﺣﺴﺎﻧﻪ, ﻭﺍﻟﻤﺴﻲﺀ ﺑﺈﺳﺎﺀﺗﻪ . ﻭﺃﻳﻀًﺎ ﻓﻔﻲ ﻗﻮﻟﻪ : }ﻧَﺰَّﻝَ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ ﺑِﺎﻟْﺤَﻖِّ{ ﻣﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻧﺰﻟﻪ ﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﺧﻠﻘﻪ, ﻭﺗﺒﻴﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ, ﻭﺍﻟﻬﺪﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﻼﻝ، ﻓﻤﻦ ﺻﺮﻓﻪ ﻋﻦ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ, ﻓﻬﻮ ﺣﻘﻴﻖ ﺑﺄﻥ ﻳﺠﺎﺯﻯ ﺑﺄﻋﻈﻢ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ .
} ﻭَﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺧْﺘَﻠَﻔُﻮﺍ ﻓِﻲ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏِ ﻟَﻔِﻲ ﺷِﻘَﺎﻕٍ ﺑَﻌِﻴﺪٍ { ﺃﻱ : ﻭﺇﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺧﺘﻠﻔﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ , ﻓﺂﻣﻨﻮﺍ ﺑﺒﻌﻀﻪ, ﻭﻛﻔﺮﻭﺍ ﺑﺒﻌﻀﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻳﻦ ﺣﺮﻓﻮﻩ ﻭﺻﺮﻓﻮﻩ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻮﺍﺋﻬﻢ ﻭﻣﺮﺍﺩﺍﺗﻬﻢ } ﻟَﻔِﻲ ﺷِﻘَﺎﻕٍ { ﺃﻱ : ﻣﺤﺎﺩﺓ، } ﺑَﻌِﻴﺪٍ{ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻷﻧﻬﻢ ﻗﺪ ﺧﺎﻟﻔﻮﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﺎﺀ ﺑﺎﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﻮﺟﺐ ﻟﻼﺗﻔﺎﻕ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ، ﻓﻤﺮﺝ ﺃﻣﺮﻫﻢ, ﻭﻛﺜﺮ ﺷﻘﺎﻗﻬﻢ, ﻭﺗﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻓﺘﺮﺍﻗﻬﻢ، ﺑﺨﻼﻑ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﺑﻪ, ﻭﺣﻜﻤﻮﻩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ, ﻓﺈﻧﻬﻢ ﺍﺗﻔﻘﻮﺍ ﻭﺍﺭﺗﻔﻘﻮﺍ ﺑﺎﻟﻤﺤﺒﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﻋﻠﻴﻪ .
ﻭﻗﺪ ﺗﻀﻤﻨﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ, ﺍﻟﻮﻋﻴﺪ ﻟﻠﻜﺎﺗﻤﻴﻦ ﻟﻤﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ,
ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﻳﻦ ﻋﻠﻴﻪ, ﻋﺮﺽ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﺎﻟﻌﺬﺍﺏ ﻭﺍﻟﺴﺨﻂ, ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻻ
ﻳﻄﻬﺮﻫﻢ ﺑﺎﻟﺘﻮﻓﻴﻖ, ﻭﻻ ﺑﺎﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﻭﺫﻛﺮ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ
ﺑﺈﻳﺜﺎﺭﻫﻢ ﺍﻟﻀﻼﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﺪﻯ، ﻓﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﺛﻢ ﺗﻮﺟﻊ ﻟﻬﻢ ﺑﺸﺪﺓ ﺻﺒﺮﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺭ, ﻟﻌﻤﻠﻬﻢ ﺑﺎﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻮﺻﻠﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻣﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﻮﺟﺐ ﻟﻼﺗﻔﺎﻕ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻻﻓﺘﺮﺍﻕ، ﻭﺃﻥ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺧﺎﻟﻔﻪ, ﻓﻬﻮ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺒﻌﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ , ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻋﺔ ﻭﺍﻟﻤﺨﺎﺻﻤﺔ, ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ..

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الثلاثاء سبتمبر 09, 2014 3:09 am

[‏177‏]‏ ‏{‏لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ‏}‏ أي‏:‏ ليس هذا هو البر المقصود من العباد‏,‏ فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف، وهذا نظير قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏ليس الشديد بالصرعة‏,‏ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب‏)‏ ونحو ذلك‏.‏
‏{‏وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ بأنه إله واحد‏,‏ موصوف بكل صفة كمال‏,‏ منزه عن كل نقص‏.‏
‏{‏وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏ وهو كل ما أخبر الله به في كتابه‏,‏ أو أخبر به الرسول‏,‏ مما يكون بعد الموت‏.‏
‏{‏وَالْمَلَائِكَةِ‏}‏ الذين وصفهم الله لنا في كتابه‏,‏ ووصفهم رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏وَالْكِتَابِ‏}‏ أي‏:‏ جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله‏,‏ وأعظمها القرآن‏,‏ فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، ‏{‏وَالنَّبِيِّينَ‏}‏ عمومًا‏,‏ خصوصًا خاتمهم وأفضلهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏
‏{‏وَآتَى الْمَالَ‏}‏ وهو كل ما يتموله الإنسان من مال‏,‏ قليلا كان أو كثيرًا، أي‏:‏ أعطى المال ‏{‏عَلَى حُبِّهِ‏}‏ أي‏:‏ حب المال ، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس‏,‏ فلا يكاد يخرجه العبد‏.‏
فمن أخرجه مع حبه له تقربا إلى الله تعالى‏,‏ كان هذا برهانا لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه‏,‏ أن يتصدق وهو صحيح شحيح‏,‏ يأمل الغنى‏,‏ ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة‏,‏ كانت أفضل‏,‏ لأنه في هذه الحال‏,‏ يحب إمساكه‏,‏ لما يتوهمه من العدم والفقر‏.‏
وكذلك إخراج النفيس من المال‏,‏ وما يحبه من ماله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏}‏ فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه‏.‏
ثم ذكر المنفق عليهم‏,‏ وهم أولى الناس ببرك وإحسانك‏.‏ من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم‏,‏ وتفرح بسرورهم‏,‏ الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه‏,‏ تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي‏,‏ على حسب قربهم وحاجتهم‏.‏
ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم‏,‏ وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته ‏[‏تعالى‏]‏ بالعباد‏,‏ الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد‏,‏ وفرض عليهم في أموالهم‏,‏ الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره‏,‏ رُحِمَ يتيمه‏.‏
‏{‏وَالْمَسَاكِين‏}‏ وهم الذين أسكنتهم الحاجة‏,‏ وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء‏,‏ بما يدفع مسكنتهم أو يخففها‏,‏ بما يقدرون عليه‏,‏ وبما يتيسر، ‏{‏وَابْنَ السَّبِيلِ‏}‏ وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحث الله عباده على إعطائه من المال‏,‏ ما يعينه على سفره‏,‏ لكونه مظنة الحاجة‏,‏ وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته‏,‏ وخوله من نعمته‏,‏ أن يرحم أخاه الغريب‏,‏ الذي بهذه الصفة‏,‏ على حسب استطاعته‏,‏ ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره‏,‏ أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها‏.‏
‏{‏وَالسَّائِلِينَ‏}‏ أي‏:‏ الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج‏,‏ توجب السؤال، كمن ابتلي بأرش جناية‏,‏ أو ضريبة عليه من ولاة الأمور‏,‏ أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة‏,‏ كالمساجد‏,‏ والمدارس‏,‏ والقناطر‏,‏ ونحو ذلك‏,‏ فهذا له حق وإن كان غنيا ‏{‏وَفِي الرِّقَابِ‏}‏ فيدخل فيه العتق والإعانة عليه‏,‏ وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده‏,‏ وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة‏.‏
‏{‏وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ‏}‏ قد تقدم مرارا‏,‏ أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة‏,‏ لكونهما أفضل العبادات‏,‏ وأكمل القربات‏,‏ عبادات قلبية‏,‏ وبدنية‏,‏ ومالية‏,‏ وبهما يوزن الإيمان‏,‏ ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان‏.‏
‏{‏وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا‏}‏ والعهد‏:‏ هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه‏.‏ فدخل في ذلك حقوق الله كلها‏,‏ لكون الله ألزم بها عباده والتزموها‏,‏ ودخلوا تحت عهدتها‏,‏ ووجب عليهم أداؤها‏,‏ وحقوق العباد‏,‏ التي أوجبها الله عليهم‏,‏ والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور‏,‏ ونحو ذلك‏.‏
‏{‏وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ‏}‏ أي‏:‏ الفقر‏,‏ لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة‏,‏ لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره‏.‏
فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم‏,‏ وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم‏,‏ وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم‏.‏
فكل هذه ونحوها‏,‏ مصائب‏,‏ يؤمر بالصبر عليها‏,‏ والاحتساب‏,‏ ورجاء الثواب من الله عليها‏.‏
‏{‏وَالضَّرَّاءِ‏}‏ أي‏:‏ المرض على اختلاف أنواعه‏,‏ من حمى‏,‏ وقروح‏,‏ ورياح‏,‏ ووجع عضو‏,‏ حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك‏,‏ فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لأن النفس تضعف‏,‏ والبدن يألم‏,‏ وذلك في غاية المشقة على النفوس‏,‏ خصوصًا مع تطاول ذلك‏,‏ فإنه يؤمر بالصبر‏,‏ احتسابا لثواب الله ‏[‏تعالى‏]‏‏.‏
‏{‏وَحِينَ الْبَأْسِ‏}‏ أي‏:‏ وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم‏,‏ لأن الجلاد‏,‏ يشق غاية المشقة على النفس‏,‏ ويجزع الإنسان من القتل‏,‏ أو الجراح أو الأسر‏,‏ فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا‏,‏ ورجاء لثواب الله ‏[‏تعالى‏]‏ الذي منه النصر والمعونة‏,‏ التي وعدها الصابرين‏.‏
‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ أي‏:‏ المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة‏,‏ والأعمال التي هي آثار الإيمان‏,‏ وبرهانه ونوره‏,‏ والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية، فأولئك هم ‏{‏الَّذِينَ صَدَقُوا‏}‏ في إيمانهم‏,‏ لأن أعمالهم صدقت إيمانهم، ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}‏ لأنهم تركوا المحظور‏,‏ وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير‏,‏ تضمنا ولزوما‏,‏ لأن الوفاء بالعهد‏,‏ يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها‏,‏ كان بما سواها أقوم‏,‏ فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون‏.‏
وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة‏,‏ من الثواب الدنيوي والأخروي‏,‏ مما لا يمكن تفصيله في ‏[‏مثل‏]‏ هذا الموضع‏.‏




‏[‏178 ـ 179‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}
يمتن تعالى على عباده المؤمنين‏,‏ بأنه فرض عليهم ‏{‏الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى‏}‏ أي‏:‏ المساواة فيه‏,‏ وأن يقتل القاتل على الصفة‏,‏ التي قتل عليها المقتول‏,‏ إقامة للعدل والقسط بين العباد‏.‏
وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين‏,‏ فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول‏,‏ إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل‏,‏ وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد‏,‏ ويمنعوا الولي من الاقتصاص‏,‏ كما عليه عادة الجاهلية‏,‏ ومن أشبههم من إيواء المحدثين‏.‏
ثم بيَّن تفصيل ذلك فقال‏:‏ ‏{‏الْحُرُّ بِالْحُرِّ‏}‏ يدخل بمنطقوقها‏,‏ الذكر بالذكر، ‏{‏وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى‏}‏ والأنثى بالذكر‏,‏ والذكر بالأنثى‏,‏ فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله‏:‏ ‏{‏الأنثى بالأنثى‏}‏ مع دلالة السنة‏,‏ على أن الذكر يقتل بالأنثى، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد‏,‏ لورود السنة بذلك، مع أن في قوله‏:‏ ‏{‏الْقِصَاصُ‏}‏ ما يدل على أنه ليس من العدل‏,‏ أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة‏,‏ ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله‏,‏ أو أذية شديدة جدا من الولد له‏.‏
وخرج من العموم أيضًا‏,‏ الكافر بالسنة‏,‏ مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة‏.‏
وأيضًا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد‏,‏ ذكرا كان أو أنثى‏,‏ تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر‏,‏ لا يقتل بالعبد‏,‏ لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى‏,‏ أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة‏,‏ وتقدم وجه ذلك‏.‏
وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل‏,‏ وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ‏}‏ أي‏:‏ عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية‏,‏ أو عفا بعض الأولياء‏,‏ فإنه يسقط القصاص‏,‏ وتجب الدية‏,‏ وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي‏.‏
فإذا عفا عنه وجب على الولي‏,‏ ‏[‏أي‏:‏ ولي المقتول‏]‏ أن يتبع القاتل ‏{‏بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ من غير أن يشق عليه‏,‏ ولا يحمله ما لا يطيق‏,‏ بل يحسن الاقتضاء والطلب‏,‏ ولا يحرجه‏.‏
وعلى القاتل ‏{‏أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ‏}‏ من غير مطل ولا نقص‏,‏ ولا إساءة فعلية أو قولية‏,‏ فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو‏,‏ إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق‏,‏ بالأداء بإحسان‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ‏}‏ ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانًا‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏أَخِيهِ‏}‏ دليل على أن القاتل لا يكفر‏,‏ لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان‏,‏ فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر‏,‏ لا يكفر بها فاعلها‏,‏ وإنما ينقص بذلك إيمانه‏.‏
وإذا عفا أولياء المقتول‏,‏ أو عفا بعضهم‏,‏ احتقن دم القاتل‏,‏ وصار معصوما منهم ومن غيرهم‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ بعد العفو ‏{‏فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ في الآخرة، وأما قتله وعدمه‏,‏ فيؤخذ مما تقدم‏,‏ لأنه قتل مكافئا له‏,‏ فيجب قتله بذلك‏.‏
وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل‏,‏ فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله‏,‏ ولا يجوز العفو عنه‏,‏ وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول‏,‏ لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره‏.‏
ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ‏}‏ أي‏:‏ تنحقن بذلك الدماء‏,‏ وتنقمع به الأشقياء‏,‏ لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل‏,‏ لا يكاد يصدر منه القتل‏,‏ وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر‏,‏ فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل‏,‏ لم يحصل انكفاف الشر‏,‏ الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية‏,‏ فيها من النكاية والانزجار‏,‏ ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكَّر ‏"‏الحياة‏"‏ لإفادة التعظيم والتكثير‏.‏
ولما كان هذا الحكم‏,‏ لا يعرف حقيقته‏,‏ إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة‏,‏ خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى‏,‏ يحب من عباده‏,‏ أن يعملوا أفكارهم وعقولهم‏,‏ في تدبر ما في أحكامه من الحكم‏,‏ والمصالح الدالة على كماله‏,‏ وكمال حكمته وحمده‏,‏ وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة‏,‏ فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب‏,‏ وناداهم رب الأرباب‏,‏ وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة‏,‏ أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله‏,‏ ويعظم معاصيه فيتركها‏,‏ فيستحق بذلك أن يكون من المتقين‏.‏
‏[‏180 ـ 182‏]‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}
أي‏:‏ فرض الله عليكم‏,‏ يا معشر المؤمنين ‏{‏إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ‏}‏ أي‏:‏ أسبابه‏,‏ كالمرض المشرف على الهلاك‏,‏ وحضور أسباب المهالك، وكان قد ‏{‏تَرَكَ خَيْرًا‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ مالاً‏]‏ وهو المال الكثير عرفا‏,‏ فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف‏,‏ على قدر حاله من غير سرف‏,‏ ولا اقتصار على الأبعد‏,‏ دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة‏,‏ ولهذا أتى فيه بأفعل التفضيل‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏}‏ دل على وجوب ذلك‏,‏ لأن الحق هو‏:‏ الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى‏.‏
واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين‏,‏ مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال‏:‏ إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة‏,‏ ردها الله تعالى إلى العرف الجاري‏.‏
ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث‏,‏ بعد أن كان مجملا، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف‏,‏ فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة‏,‏ ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين‏,‏ لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا‏,‏ واختلف المورد‏.‏
فبهذا الجمع‏,‏ يحصل الاتفاق‏,‏ والجمع بين الآيات‏,‏ لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ‏,‏ الذي لم يدل عليه دليل صحيح‏.‏
ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية‏,‏ لما يتوهمه أن من بعده‏,‏ قد يبدل ما وصى به قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ بَدَّلَهُ‏}‏ أي‏:‏ الإيصاء للمذكورين أو غيرهم ‏{‏بَعْدَمَا سَمِعَهُ‏}‏ ‏[‏أي‏:‏‏]‏ بعدما عقله‏,‏ وعرف طرقه وتنفيذه، ‏{‏فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ‏}‏ وإلا فالموصي وقع أجره على الله‏,‏ وإنما الإثم على المبدل المغير‏.‏
‏{‏إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏}‏ يسمع سائر الأصوات‏,‏ ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه‏,‏ وأن لا يجور في وصيته، ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بنيته‏,‏ وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي‏,‏ وعلم الله من نيته ذلك‏,‏ أثابه ولو أخطأ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به‏,‏ مطلع على ما فعله‏,‏ فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة‏.‏
وأما الوصية التي فيها حيف وجنف‏,‏ وإثم، فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها‏,‏ أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل‏,‏ وأن ينهاه عن الجور والجنف‏,‏ وهو‏:‏ الميل بها عن خطأ‏,‏ من غير تعمد‏,‏ والإثم‏:‏ وهو التعمد لذلك‏.‏
فإن لم يفعل ذلك‏,‏ فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم‏,‏ ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة‏,‏ ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم فهذا قد فعل معروفا عظيما‏,‏ وليس عليهم إثم‏,‏ كما على مبدل الوصية الجائزة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ‏}‏ أي‏:‏ يغفر جميع الزلات‏,‏ ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه‏,‏ ومنه مغفرته لمن غض من نفسه‏,‏ وترك بعض حقه لأخيه‏,‏ لأن من سامح‏,‏ سامحه الله، غفور لميتهم الجائر في وصيته‏,‏ إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضًا لأجل براءة ذمته، رحيم بعباده‏,‏ حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون، فدلت هذه الآيات على الحث على الوصية‏,‏ وعلى بيان من هي له‏,‏ وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة‏,‏ والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
•° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبراس الدعوة :: الملتقى الدعوي :: حملتن القرَان وَگنتن كالمنَار فهنيئاً لگنّ تاج الوقار-
انتقل الى: