نبراس الدعوة


نبراس الدعوة هو منتدى دعوي إسلامي يهدف إلى نشر الوعي والتواصل الإجتماعي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحباً بكـــــم في منتديــــات نبــــــراس الـــــدعوة
‏"وَإِن من شيءٍ إلا يُسبّحُ بحمدِهِ.." انت ذرّةٌ من هذا الكون الذاكر؛ فلا يسبقنّك جبلٌ أصم وحجرٌ صلد، فكلُّ الكَون يُسبّح للسبّوح القدّوس.
‏" اجتمعَا عليه وتفرّقا عليه" هذه خريطَة الوصول نحو الظلّ ، لا تعدُ عنها ."
اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء
اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك

شاطر | 
 

 •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأربعاء سبتمبر 10, 2014 7:51 pm

180 ـ 182 ‏] } ﻛُﺘِﺐَ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺇِﺫَﺍ ﺣَﻀَﺮَ ﺃَﺣَﺪَﻛُﻢُ ﺍﻟْﻤَﻮْﺕُ ﺇِﻥْ ﺗَﺮَﻙَ
ﺧَﻴْﺮًﺍ ﺍﻟْﻮَﺻِﻴَّﺔُ ﻟِﻠْﻮَﺍﻟِﺪَﻳْﻦِ ﻭَﺍﻟْﺄَﻗْﺮَﺑِﻴﻦَ ﺑِﺎﻟْﻤَﻌْﺮُﻭﻑِ ﺣَﻘًّﺎ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟْﻤُﺘَّﻘِﻴﻦَ
* ﻓَﻤَﻦْ ﺑَﺪَّﻟَﻪُ ﺑَﻌْﺪَﻣَﺎ ﺳَﻤِﻌَﻪُ ﻓَﺈِﻧَّﻤَﺎ ﺇِﺛْﻤُﻪُ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳُﺒَﺪِّﻟُﻮﻧَﻪُ ﺇِﻥَّ
ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺳَﻤِﻴﻊٌ ﻋَﻠِﻴﻢٌ * ﻓَﻤَﻦْ ﺧَﺎﻑَ ﻣِﻦْ ﻣُﻮﺹٍ ﺟَﻨَﻔًﺎ ﺃَﻭْ ﺇِﺛْﻤًﺎ ﻓَﺄَﺻْﻠَﺢَ
ﺑَﻴْﻨَﻬُﻢْ ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻏَﻔُﻮﺭٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ{
ﺃﻱ : ﻓﺮﺽ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ, ﻳﺎ ﻣﻌﺸﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ }ﺇِﺫَﺍ ﺣَﻀَﺮَ ﺃَﺣَﺪَﻛُﻢُ
ﺍﻟْﻤَﻮْﺕُ{ ﺃﻱ : ﺃﺳﺒﺎﺑﻪ, ﻛﺎﻟﻤﺮﺽ ﺍﻟﻤﺸﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﻼﻙ, ﻭﺣﻀﻮﺭ
ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﻤﻬﺎﻟﻚ، ﻭﻛﺎﻥ ﻗﺪ }ﺗَﺮَﻙَ ﺧَﻴْﺮًﺍ { ‏[ ﺃﻱ: ﻣﺎﻻً ‏] ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺎﻝ
ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻋﺮﻓﺎ, ﻓﻌﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﻮﺻﻲ ﻟﻮﺍﻟﺪﻳﻪ ﻭﺃﻗﺮﺏ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻴﻪ
ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ, ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭ ﺣﺎﻟﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺳﺮﻑ, ﻭﻻ ﺍﻗﺘﺼﺎﺭ ﻋﻠﻰ
ﺍﻷﺑﻌﺪ, ﺩﻭﻥ ﺍﻷﻗﺮﺏ، ﺑﻞ ﻳﺮﺗﺒﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺮﺏ ﻭﺍﻟﺤﺎﺟﺔ, ﻭﻟﻬﺬﺍ
ﺃﺗﻰ ﻓﻴﻪ ﺑﺄﻓﻌﻞ ﺍﻟﺘﻔﻀﻴﻞ .
ﻭﻗﻮﻟﻪ : } ﺣَﻘًّﺎ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟْﻤُﺘَّﻘِﻴﻦَ{ ﺩﻝ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺏ ﺫﻟﻚ, ﻷﻥ ﺍﻟﺤﻖ
ﻫﻮ : ﺍﻟﺜﺎﺑﺖ، ﻭﻗﺪ ﺟﻌﻠﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻣﻮﺟﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ .
ﻭﺍﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺍﻟﻤﻔﺴﺮﻳﻦ ﻳﺮﻭﻥ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻣﻨﺴﻮﺧﺔ ﺑﺂﻳﺔ
ﺍﻟﻤﻮﺍﺭﻳﺚ، ﻭﺑﻌﻀﻬﻢ ﻳﺮﻯ ﺃﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻷﻗﺮﺑﻴﻦ ﻏﻴﺮ
ﺍﻟﻮﺍﺭﺛﻴﻦ, ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺨﺼﻴﺺ ﺑﺬﻟﻚ ﺩﻟﻴﻞ، ﻭﺍﻷﺣﺴﻦ
ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﻳﻘﺎﻝ : ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ ﻟﻠﻮﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻷﻗﺮﺑﻴﻦ ﻣﺠﻤﻠﺔ,
ﺭﺩﻫﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺮﻑ ﺍﻟﺠﺎﺭﻱ .
ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪﺭ ﻟﻠﻮﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻮﺍﺭﺛﻴﻦ ﻭﻏﻴﺮﻫﻤﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﻗﺎﺭﺏ
ﺍﻟﻮﺍﺭﺛﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻓﻲ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻮﺍﺭﻳﺚ, ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻛﺎﻥ
ﻣﺠﻤﻼ، ﻭﺑﻘﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻓﻴﻤﻦ ﻟﻢ ﻳﺮﺛﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﻤﻨﻮﻋﻴﻦ
ﻣﻦ ﺍﻹﺭﺙ ﻭﻏﻴﺮﻫﻤﺎ ﻣﻤﻦ ﺣﺠﺐ ﺑﺸﺨﺺ ﺃﻭ ﻭﺻﻒ, ﻓﺈﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ
ﻣﺄﻣﻮﺭ ﺑﺎﻟﻮﺻﻴﺔ ﻟﻬﺆﻻﺀ ﻭﻫﻢ ﺃﺣﻖ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺒﺮﻩ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﻮﻝ
ﺗﺘﻔﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻷﻣﺔ , ﻭﻳﺤﺼﻞ ﺑﻪ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﻟﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﻴﻦ,
ﻷﻥ ﻛﻼ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﺋﻠﻴﻦ ﺑﻬﻤﺎ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﻟﺤﻆ ﻣﻠﺤﻈﺎ, ﻭﺍﺧﺘﻠﻒ
ﺍﻟﻤﻮﺭﺩ .
ﻓﺒﻬﺬﺍ ﺍﻟﺠﻤﻊ, ﻳﺤﺼﻞ ﺍﻻﺗﻔﺎﻕ, ﻭﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ, ﻷﻧﻪ ﻣﻬﻤﺎ
ﺃﻣﻜﻦ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﻛﺎﻥ ﺃﺣﺴﻦ ﻣﻦ ﺍﺩﻋﺎﺀ ﺍﻟﻨﺴﺦ, ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ
ﺩﻟﻴﻞ ﺻﺤﻴﺢ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺻﻲ ﻗﺪ ﻳﻤﺘﻨﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ, ﻟﻤﺎ ﻳﺘﻮﻫﻤﻪ ﺃﻥ ﻣﻦ
ﺑﻌﺪﻩ, ﻗﺪ ﻳﺒﺪﻝ ﻣﺎ ﻭﺻﻰ ﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻓَﻤَﻦْ ﺑَﺪَّﻟَﻪُ{ ﺃﻱ:
ﺍﻹﻳﺼﺎﺀ ﻟﻠﻤﺬﻛﻮﺭﻳﻦ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻫﻢ } ﺑَﻌْﺪَﻣَﺎ ﺳَﻤِﻌَﻪُ { ‏[ ﺃﻱ: ‏] ﺑﻌﺪﻣﺎ
ﻋﻘﻠﻪ, ﻭﻋﺮﻑ ﻃﺮﻗﻪ ﻭﺗﻨﻔﻴﺬﻩ، }ﻓَﺈِﻧَّﻤَﺎ ﺇِﺛْﻤُﻪُ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳُﺒَﺪِّﻟُﻮﻧَﻪُ{
ﻭﺇﻻ ﻓﺎﻟﻤﻮﺻﻲ ﻭﻗﻊ ﺃﺟﺮﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺍﻹﺛﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺒﺪﻝ
ﺍﻟﻤﻐﻴﺮ .
} ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺳَﻤِﻴﻊٌ{ ﻳﺴﻤﻊ ﺳﺎﺋﺮ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ, ﻭﻣﻨﻪ ﺳﻤﺎﻋﻪ ﻟﻤﻘﺎﻟﺔ
ﺍﻟﻤﻮﺻﻲ ﻭﻭﺻﻴﺘﻪ، ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻗﺐ ﻣﻦ ﻳﺴﻤﻌﻪ ﻭﻳﺮﺍﻩ ,
ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﺠﻮﺭ ﻓﻲ ﻭﺻﻴﺘﻪ، } ﻋَﻠِﻴﻢٌ { ﺑﻨﻴﺘﻪ, ﻭﻋﻠﻴﻢ ﺑﻌﻤﻞ ﺍﻟﻤﻮﺻﻰ
ﺇﻟﻴﻪ، ﻓﺈﺫﺍ ﺍﺟﺘﻬﺪ ﺍﻟﻤﻮﺻﻲ, ﻭﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻧﻴﺘﻪ ﺫﻟﻚ, ﺃﺛﺎﺑﻪ ﻭﻟﻮ
ﺃﺧﻄﺄ، ﻭﻓﻴﻪ ﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮ ﻟﻠﻤﻮﺻﻰ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺒﺪﻳﻞ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻢ
ﺑﻪ, ﻣﻄﻠﻊ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ, ﻓﻠﻴﺤﺬﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ، ﻫﺬﺍ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ
ﺍﻟﻌﺎﺩﻟﺔ .
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺣﻴﻒ ﻭﺟﻨﻒ, ﻭﺇﺛﻢ، ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﻟﻤﻦ ﺣﻀﺮ
ﺍﻟﻤﻮﺻﻲ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ ﺑﻬﺎ, ﺃﻥ ﻳﻨﺼﺤﻪ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻷﺣﺴﻦ
ﻭﺍﻷﻋﺪﻝ, ﻭﺃﻥ ﻳﻨﻬﺎﻩ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻮﺭ ﻭﺍﻟﺠﻨﻒ, ﻭﻫﻮ: ﺍﻟﻤﻴﻞ ﺑﻬﺎ ﻋﻦ
ﺧﻄﺄ, ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﻌﻤﺪ, ﻭﺍﻹﺛﻢ : ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺘﻌﻤﺪ ﻟﺬﻟﻚ .
ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻞ ﺫﻟﻚ, ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺼﻠﺢ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺻﻰ ﺇﻟﻴﻬﻢ,
ﻭﻳﺘﻮﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺘﺮﺍﺿﻲ ﻭﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺤﺔ,
ﻭﻭﻋﻈﻬﻢ ﺑﺘﺒﺮﺋﺔ ﺫﻣﺔ ﻣﻴﺘﻬﻢ ﻓﻬﺬﺍ ﻗﺪ ﻓﻌﻞ ﻣﻌﺮﻭﻓﺎ ﻋﻈﻴﻤﺎ,
ﻭﻟﻴﺲ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺇﺛﻢ, ﻛﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺪﻝ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﺋﺰﺓ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ :
} ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻏَﻔُﻮﺭٌ { ﺃﻱ : ﻳﻐﻔﺮ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺰﻻﺕ , ﻭﻳﺼﻔﺢ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺒﻌﺎﺕ
ﻟﻤﻦ ﺗﺎﺏ ﺇﻟﻴﻪ, ﻭﻣﻨﻪ ﻣﻐﻔﺮﺗﻪ ﻟﻤﻦ ﻏﺾ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻪ , ﻭﺗﺮﻙ ﺑﻌﺾ
ﺣﻘﻪ ﻷﺧﻴﻪ, ﻷﻥ ﻣﻦ ﺳﺎﻣﺢ, ﺳﺎﻣﺤﻪ ﺍﻟﻠﻪ، ﻏﻔﻮﺭ ﻟﻤﻴﺘﻬﻢ ﺍﻟﺠﺎﺋﺮ
ﻓﻲ ﻭﺻﻴﺘﻪ, ﺇﺫﺍ ﺍﺣﺘﺴﺒﻮﺍ ﺑﻤﺴﺎﻣﺤﺔ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻌﻀًﺎ ﻷﺟﻞ ﺑﺮﺍﺀﺓ
ﺫﻣﺘﻪ، ﺭﺣﻴﻢ ﺑﻌﺒﺎﺩﻩ, ﺣﻴﺚ ﺷﺮﻉ ﻟﻬﻢ ﻛﻞ ﺃﻣﺮ ﺑﻪ ﻳﺘﺮﺍﺣﻤﻮﻥ
ﻭﻳﺘﻌﺎﻃﻔﻮﻥ، ﻓﺪﻟﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ, ﻭﻋﻠﻰ
ﺑﻴﺎﻥ ﻣﻦ ﻫﻲ ﻟﻪ , ﻭﻋﻠﻰ ﻭﻋﻴﺪ ﺍﻟﻤﺒﺪﻝ ﻟﻠﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﺩﻟﺔ,
ﻭﺍﻟﺘﺮﻏﻴﺐ ﻓﻲ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﺋﺮﺓ .
‏[183 ـ 185 ‏] } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﻛُﺘِﺐَ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢُ ﺍﻟﺼِّﻴَﺎﻡُ ﻛَﻤَﺎ
ﻛُﺘِﺐَ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻣِﻦْ ﻗَﺒْﻠِﻜُﻢْ ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَّﻘُﻮﻥَ * ﺃَﻳَّﺎﻣًﺎ ﻣَﻌْﺪُﻭﺩَﺍﺕٍ
ﻓَﻤَﻦْ ﻛَﺎﻥَ ﻣِﻨْﻜُﻢْ ﻣَﺮِﻳﻀًﺎ ﺃَﻭْ ﻋَﻠَﻰ ﺳَﻔَﺮٍ ﻓَﻌِﺪَّﺓٌ ﻣِﻦْ ﺃَﻳَّﺎﻡٍ ﺃُﺧَﺮَ ﻭَﻋَﻠَﻰ
ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳُﻄِﻴﻘُﻮﻧَﻪُ ﻓِﺪْﻳَﺔٌ ﻃَﻌَﺎﻡُ ﻣِﺴْﻜِﻴﻦٍ ﻓَﻤَﻦْ ﺗَﻄَﻮَّﻉَ ﺧَﻴْﺮًﺍ ﻓَﻬُﻮَ ﺧَﻴْﺮٌ
ﻟَﻪُ ﻭَﺃَﻥْ ﺗَﺼُﻮﻣُﻮﺍ ﺧَﻴْﺮٌ ﻟَﻜُﻢْ ﺇِﻥْ ﻛُﻨْﺘُﻢْ ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ * ﺷَﻬْﺮُ ﺭَﻣَﻀَﺎﻥَ ﺍﻟَّﺬِﻱ
ﺃُﻧْﺰِﻝَ ﻓِﻴﻪِ ﺍﻟْﻘُﺮْﺁﻥُ ﻫُﺪًﻯ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻭَﺑَﻴِّﻨَﺎﺕٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻬُﺪَﻯ ﻭَﺍﻟْﻔُﺮْﻗَﺎﻥِ
ﻓَﻤَﻦْ ﺷَﻬِﺪَ ﻣِﻨْﻜُﻢُ ﺍﻟﺸَّﻬْﺮَ ﻓَﻠْﻴَﺼُﻤْﻪُ ﻭَﻣَﻦْ ﻛَﺎﻥَ ﻣَﺮِﻳﻀًﺎ ﺃَﻭْ ﻋَﻠَﻰ
ﺳَﻔَﺮٍ ﻓَﻌِﺪَّﺓٌ ﻣِﻦْ ﺃَﻳَّﺎﻡٍ ﺃُﺧَﺮَ ﻳُﺮِﻳﺪُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻜُﻢُ ﺍﻟْﻴُﺴْﺮَ ﻭَﻟَﺎ ﻳُﺮِﻳﺪُ ﺑِﻜُﻢُ
ﺍﻟْﻌُﺴْﺮَ ﻭَﻟِﺘُﻜْﻤِﻠُﻮﺍ ﺍﻟْﻌِﺪَّﺓَ ﻭَﻟِﺘُﻜَﺒِّﺮُﻭﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﻠَﻰ ﻣَﺎ ﻫَﺪَﺍﻛُﻢْ ﻭَﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ
ﺗَﺸْﻜُﺮُﻭﻥَ {
ﻳﺨﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻤﺎ ﻣﻦَّ ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ, ﺑﺄﻧﻪ ﻓﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ,
ﻛﻤﺎ ﻓﺮﺿﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ, ﻷﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﺍﺋﻊ ﻭﺍﻷﻭﺍﻣﺮ
ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻟﻠﺨﻠﻖ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺯﻣﺎﻥ .
ﻭﻓﻴﻪ ﺗﻨﺸﻴﻂ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ, ﺑﺄﻧﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻜﻢ ﺃﻥ ﺗﻨﺎﻓﺴﻮﺍ ﻏﻴﺮﻛﻢ
ﻓﻲ ﺗﻜﻤﻴﻞ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ, ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﺭﻋﺔ ﺇﻟﻰ ﺻﺎﻟﺢ ﺍﻟﺨﺼﺎﻝ, ﻭﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ
ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﺜﻘﻴﻠﺔ, ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺧﺘﺼﻴﺘﻢ ﺑﻬﺎ .
ﺛﻢ ﺫﻛﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﻓﻲ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻓﻘﺎﻝ: }ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ
ﺗَﺘَّﻘُﻮﻥَ { ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ, ﻷﻥ ﻓﻴﻪ ﺍﻣﺘﺜﺎﻝ
ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺍﺟﺘﻨﺎﺏ ﻧﻬﻴﻪ .
ﻓﻤﻤﺎ ﺍﺷﺘﻤﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ : ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺎﺋﻢ ﻳﺘﺮﻙ ﻣﺎ ﺣﺮﻡ ﺍﻟﻠﻪ
ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻷﻛﻞ ﻭﺍﻟﺸﺮﺏ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻉ ﻭﻧﺤﻮﻫﺎ, ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻴﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ
ﻧﻔﺴﻪ, ﻣﺘﻘﺮﺑﺎ ﺑﺬﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ, ﺭﺍﺟﻴﺎ ﺑﺘﺮﻛﻬﺎ, ﺛﻮﺍﺑﻪ، ﻓﻬﺬﺍ ﻣﻦ
ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ .
ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺎﺋﻢ ﻳﺪﺭﺏ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻓﻴﺘﺮﻙ
ﻣﺎ ﺗﻬﻮﻯ ﻧﻔﺴﻪ, ﻣﻊ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻴﻪ, ﻟﻌﻠﻤﻪ ﺑﺎﻃﻼﻉ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ،
ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻥ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻳﻀﻴﻖ ﻣﺠﺎﺭﻱ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ, ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺠﺮﻱ ﻣﻦ ﺍﺑﻦ
ﺁﺩﻡ ﻣﺠﺮﻯ ﺍﻟﺪﻡ, ﻓﺒﺎﻟﺼﻴﺎﻡ, ﻳﻀﻌﻒ ﻧﻔﻮﺫﻩ, ﻭﺗﻘﻞ ﻣﻨﻪ
ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ، ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺎﺋﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ, ﺗﻜﺜﺮ ﻃﺎﻋﺘﻪ,
ﻭﺍﻟﻄﺎﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺧﺼﺎﻝ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ، ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﺃﻥ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﺇﺫﺍ ﺫﺍﻕ ﺃﻟﻢ
ﺍﻟﺠﻮﻉ, ﺃﻭﺟﺐ ﻟﻪ ﺫﻟﻚ , ﻣﻮﺍﺳﺎﺓ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ ﺍﻟﻤﻌﺪﻣﻴﻦ, ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻦ
ﺧﺼﺎﻝ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ .
ﻭﻟﻤﺎ ﺫﻛﺮ ﺃﻧﻪ ﻓﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ, ﺃﺧﺒﺮ ﺃﻧﻪ ﺃﻳﺎﻡ ﻣﻌﺪﻭﺩﺍﺕ, ﺃﻱ:
ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺴﻬﻮﻟﺔ .
ﺛﻢ ﺳﻬﻞ ﺗﺴﻬﻴﻼ ﺁﺧﺮ . ﻓﻘﺎﻝ : } ﻓَﻤَﻦْ ﻛَﺎﻥَ ﻣِﻨْﻜُﻢْ ﻣَﺮِﻳﻀًﺎ ﺃَﻭْ ﻋَﻠَﻰ
ﺳَﻔَﺮٍ ﻓَﻌِﺪَّﺓٌ ﻣِﻦْ ﺃَﻳَّﺎﻡٍ ﺃُﺧَﺮَ { ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻠﻤﺸﻘﺔ, ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ, ﺭﺧﺺ
ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻤﺎ, ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻄﺮ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺣﺼﻮﻝ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻟﻜﻞ ﻣﺆﻣﻦ, ﺃﻣﺮﻫﻤﺎ
ﺃﻥ ﻳﻘﻀﻴﺎﻩ ﻓﻲ ﺃﻳﺎﻡ ﺃﺧﺮ ﺇﺫﺍ ﺯﺍﻝ ﺍﻟﻤﺮﺽ, ﻭﺍﻧﻘﻀﻰ ﺍﻟﺴﻔﺮ,
ﻭﺣﺼﻠﺖ ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ .
ﻭﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: } ﻓَﻌِﺪَّﺓٌ ﻣِﻦْ ﺃَﻳَّﺎﻡٍ { ﻓﻴﻪ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﻘﻀﻲ ﻋﺪﺩ
ﺃﻳﺎﻡ ﺭﻣﻀﺎﻥ, ﻛﺎﻣﻠًﺎ ﻛﺎﻥ, ﺃﻭ ﻧﺎﻗﺼﺎ, ﻭﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﻘﻀﻲ
ﺃﻳﺎﻣﺎ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺑﺎﺭﺩﺓ , ﻋﻦ ﺃﻳﺎﻡ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺣﺎﺭﺓ ﻛﺎﻟﻌﻜﺲ .
ﻭﻗﻮﻟﻪ : } ﻭَﻋَﻠَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳُﻄِﻴﻘُﻮﻧَﻪُ{ ﺃﻱ: ﻳﻄﻴﻘﻮﻥ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ } ﻓِﺪْﻳَﺔٌ {
ﻋﻦ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻳﻔﻄﺮﻭﻧﻪ } ﻃَﻌَﺎﻡُ ﻣِﺴْﻜِﻴﻦٍ { ﻭﻫﺬﺍ ﻓﻲ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀ ﻓﺮﺽ
ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ , ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻏﻴﺮ ﻣﻌﺘﺎﺩﻳﻦ ﻟﻠﺼﻴﺎﻡ, ﻭﻛﺎﻥ ﻓﺮﺿﻪ ﺣﺘﻤﺎ, ﻓﻴﻪ
ﻣﺸﻘﺔ ﻋﻠﻴﻬﻢ, ﺩﺭﺟﻬﻢ ﺍﻟﺮﺏ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ, ﺑﺄﺳﻬﻞ ﻃﺮﻳﻖ، ﻭﺧﻴَّﺮ
ﺍﻟﻤﻄﻴﻖ ﻟﻠﺼﻮﻡ ﺑﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﺼﻮﻡ, ﻭﻫﻮ ﺃﻓﻀﻞ, ﺃﻭ ﻳﻄﻌﻢ، ﻭﻟﻬﺬﺍ
ﻗﺎﻝ : } ﻭَﺃَﻥْ ﺗَﺼُﻮﻣُﻮﺍ ﺧَﻴْﺮٌ ﻟَﻜُﻢْ{
ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ , ﺟﻌﻞ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﺣﺘﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻄﻴﻖ ﻭﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻄﻴﻖ,
ﻳﻔﻄﺮ ﻭﻳﻘﻀﻴﻪ ﻓﻲ ﺃﻳﺎﻡ ﺃﺧﺮ ‏[ﻭﻗﻴﻞ : } ﻭَﻋَﻠَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳُﻄِﻴﻘُﻮﻧَﻪُ {
ﺃﻱ : ﻳﺘﻜﻠﻔﻮﻧﻪ، ﻭﻳﺸﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﺸﻘﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺘﻤﻠﺔ, ﻛﺎﻟﺸﻴﺦ
ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ, ﻓﺪﻳﺔ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻣﺴﻜﻴﻦ ﻭﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ‏] .
} ﺷَﻬْﺮُ ﺭَﻣَﻀَﺎﻥَ ﺍﻟَّﺬِﻱ ﺃُﻧْﺰِﻝَ ﻓِﻴﻪِ ﺍﻟْﻘُﺮْﺁﻥُ { ﺃﻱ : ﺍﻟﺼﻮﻡ ﺍﻟﻤﻔﺮﻭﺽ
ﻋﻠﻴﻜﻢ, ﻫﻮ ﺷﻬﺮ ﺭﻣﻀﺎﻥ, ﺍﻟﺸﻬﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ , ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﺣﺼﻞ ﻟﻜﻢ
ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻔﻀﻞ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ, ﺍﻟﻤﺸﺘﻤﻞ
ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻟﻤﺼﺎﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ, ﻭﺗﺒﻴﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﺄﻭﺿﺢ
ﺑﻴﺎﻥ , ﻭﺍﻟﻔﺮﻗﺎﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﺒﺎﻃﻞ, ﻭﺍﻟﻬﺪﻯ ﻭﺍﻟﻀﻼﻝ, ﻭﺃﻫﻞ
ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﻘﺎﻭﺓ .
ﻓﺤﻘﻴﻖ ﺑﺸﻬﺮ, ﻫﺬﺍ ﻓﻀﻠﻪ, ﻭﻫﺬﺍ ﺇﺣﺴﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻓﻴﻪ, ﺃﻥ
ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻮﺳﻤﺎ ﻟﻠﻌﺒﺎﺩ ﻣﻔﺮﻭﺿﺎ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ .
ﻓﻠﻤﺎ ﻗﺮﺭﻩ, ﻭﺑﻴﻦ ﻓﻀﻴﻠﺘﻪ, ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺗﺨﺼﻴﺼﻪ
ﻗﺎﻝ : } ﻓَﻤَﻦْ ﺷَﻬِﺪَ ﻣِﻨْﻜُﻢُ ﺍﻟﺸَّﻬْﺮَ ﻓَﻠْﻴَﺼُﻤْﻪُ{ ﻫﺬﺍ ﻓﻴﻪ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ
ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺴﺦ ﻟﻠﺘﺨﻴﻴﺮ, ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﻴﺎﻡ ﻭﺍﻟﻔﺪﺍﺀ ﺧﺎﺻﺔ , ﺃﻋﺎﺩ
ﺍﻟﺮﺧﺼﺔ ﻟﻠﻤﺮﻳﺾ ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻓﺮ, ﻟﺌﻼ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺧﺼﺔ ﺃﻳﻀًﺎ
ﻣﻨﺴﻮﺧﺔ ‏[ ﻓﻘﺎﻝ ‏] }ﻳُﺮِﻳﺪُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﻜُﻢُ ﺍﻟْﻴُﺴْﺮَ ﻭَﻟَﺎ ﻳُﺮِﻳﺪُ ﺑِﻜُﻢُ ﺍﻟْﻌُﺴْﺮَ {
ﺃﻱ : ﻳﺮﻳﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﻴﺴﺮ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺍﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﻤﻮﺻﻠﺔ ﺇﻟﻰ
ﺭﺿﻮﺍﻧﻪ ﺃﻋﻈﻢ ﺗﻴﺴﻴﺮ, ﻭﻳﺴﻬﻠﻬﺎ ﺃﺷﺪ ﺗﺴﻬﻴﻞ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﺟﻤﻴﻊ
ﻣﺎ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺴﻬﻮﻟﺔ ﻓﻲ ﺃﺻﻠﻪ .
ﻭﺇﺫﺍ ﺣﺼﻠﺖ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻌﻮﺍﺭﺽ ﺍﻟﻤﻮﺟﺒﺔ ﻟﺜﻘﻠﻪ , ﺳﻬَّﻠﻪ ﺗﺴﻬﻴﻼ ﺁﺧﺮ,
ﺇﻣﺎ ﺑﺈﺳﻘﺎﻃﻪ, ﺃﻭ ﺗﺨﻔﻴﻔﻪ ﺑﺄﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻔﺎﺕ .
ﻭﻫﺬﻩ ﺟﻤﻠﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻔﺼﻴﻠﻬﺎ, ﻷﻥ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻬﺎ, ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺎﺕ,
ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺮﺧﺺ ﻭﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻔﺎﺕ .
} ﻭَﻟِﺘُﻜْﻤِﻠُﻮﺍ ﺍﻟْﻌِﺪَّﺓَ { ﻭﻫﺬﺍ ـ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ـ ﻟﺌﻼ ﻳﺘﻮﻫﻢ ﻣﺘﻮﻫﻢ, ﺃﻥ
ﺻﻴﺎﻡ ﺭﻣﻀﺎﻥ, ﻳﺤﺼﻞ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻨﻪ ﺑﺒﻌﻀﻪ, ﺩﻓﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻫﻢ
ﺑﺎﻷﻣﺮ ﺑﺘﻜﻤﻴﻞ ﻋﺪﺗﻪ، ﻭﻳﺸﻜﺮ ﺍﻟﻠﻪ ‏[ ﺗﻌﺎﻟﻰ ‏] ﻋﻨﺪ ﺇﺗﻤﺎﻣﻪ ﻋﻠﻰ
ﺗﻮﻓﻴﻘﻪ ﻭﺗﺴﻬﻴﻠﻪ ﻭﺗﺒﻴﻴﻨﻪ ﻟﻌﺒﺎﺩﻩ, ﻭﺑﺎﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﻋﻨﺪ ﺍﻧﻘﻀﺎﺋﻪ, ﻭﻳﺪﺧﻞ
ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﻋﻨﺪ ﺭﺅﻳﺔ ﻫﻼﻝ ﺷﻮﺍﻝ ﺇﻟﻰ ﻓﺮﺍﻍ ﺧﻄﺒﺔ ﺍﻟﻌﻴﺪ .
‏[186 ‏] } ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺳَﺄَﻟَﻚَ ﻋِﺒَﺎﺩِﻱ ﻋَﻨِّﻲ ﻓَﺈِﻧِّﻲ ﻗَﺮِﻳﺐٌ ﺃُﺟِﻴﺐُ ﺩَﻋْﻮَﺓَ
ﺍﻟﺪَّﺍﻉِ ﺇِﺫَﺍ ﺩَﻋَﺎﻥِ ﻓَﻠْﻴَﺴْﺘَﺠِﻴﺒُﻮﺍ ﻟِﻲ ﻭَﻟْﻴُﺆْﻣِﻨُﻮﺍ ﺑِﻲ ﻟَﻌَﻠَّﻬُﻢْ ﻳَﺮْﺷُﺪُﻭﻥَ{
ﻫﺬﺍ ﺟﻮﺍﺏ ﺳﺆﺍﻝ، ﺳﺄﻝ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺑﻌﺾ
ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ, ﺃﻗﺮﻳﺐ ﺭﺑﻨﺎ ﻓﻨﻨﺎﺟﻴﻪ, ﺃﻡ ﺑﻌﻴﺪ
ﻓﻨﻨﺎﺩﻳﻪ؟ ﻓﻨﺰﻝ : } ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺳَﺄَﻟَﻚَ ﻋِﺒَﺎﺩِﻱ ﻋَﻨِّﻲ ﻓَﺈِﻧِّﻲ ﻗَﺮِﻳﺐٌ { ﻷﻧﻪ
ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺍﻟﺮﻗﻴﺐ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ, ﺍﻟﻤﻄﻠﻊ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﺮ ﻭﺃﺧﻔﻰ, ﻳﻌﻠﻢ ﺧﺎﺋﻨﺔ
ﺍﻷﻋﻴﻦ ﻭﻣﺎ ﺗﺨﻔﻲ ﺍﻟﺼﺪﻭﺭ, ﻓﻬﻮ ﻗﺮﻳﺐ ﺃﻳﻀًﺎ ﻣﻦ ﺩﺍﻋﻴﻪ,
ﺑﺎﻹﺟﺎﺑﺔ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ: }ﺃُﺟِﻴﺐُ ﺩَﻋْﻮَﺓَ ﺍﻟﺪَّﺍﻉِ ﺇِﺫَﺍ ﺩَﻋَﺎﻥِ { ﻭﺍﻟﺪﻋﺎﺀ
ﻧﻮﻋﺎﻥ : ﺩﻋﺎﺀ ﻋﺒﺎﺩﺓ, ﻭﺩﻋﺎﺀ ﻣﺴﺄﻟﺔ .
ﻭﺍﻟﻘﺮﺏ ﻧﻮﻋﺎﻥ : ﻗﺮﺏ ﺑﻌﻠﻤﻪ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺧﻠﻘﻪ, ﻭﻗﺮﺏ ﻣﻦ ﻋﺎﺑﺪﻳﻪ
ﻭﺩﺍﻋﻴﻪ ﺑﺎﻹﺟﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻮﻧﺔ ﻭﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ .
ﻓﻤﻦ ﺩﻋﺎ ﺭﺑﻪ ﺑﻘﻠﺐ ﺣﺎﺿﺮ, ﻭﺩﻋﺎﺀ ﻣﺸﺮﻭﻉ, ﻭﻟﻢ ﻳﻤﻨﻊ ﻣﺎﻧﻊ ﻣﻦ
ﺇﺟﺎﺑﺔ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ, ﻛﺄﻛﻞ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ ﻭﻧﺤﻮﻩ, ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻗﺪ ﻭﻋﺪﻩ ﺑﺎﻹﺟﺎﺑﺔ،
ﻭ ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺗﻰ ﺑﺄﺳﺒﺎﺏ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ, ﻭﻫﻲ ﺍﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻠﻪ
ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺎﻻﻧﻘﻴﺎﺩ ﻷﻭﺍﻣﺮﻩ ﻭﻧﻮﺍﻫﻴﻪ ﺍﻟﻘﻮﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻌﻠﻴﺔ, ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ
ﺑﻪ, ﺍﻟﻤﻮﺟﺐ ﻟﻼﺳﺘﺠﺎﺑﺔ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ : } ﻓَﻠْﻴَﺴْﺘَﺠِﻴﺒُﻮﺍ ﻟِﻲ ﻭَﻟْﻴُﺆْﻣِﻨُﻮﺍ
ﺑِﻲ ﻟَﻌَﻠَّﻬُﻢْ ﻳَﺮْﺷُﺪُﻭﻥَ{ ﺃﻱ : ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﺮﺷﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ
ﻟﻺﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ, ﻭﻳﺰﻭﻝ ﻋﻨﻬﻢ ﺍﻟﻐﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻲ ﻟﻺﻳﻤﺎﻥ
ﻭﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ . ﻭﻷﻥ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺍﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻷﻣﺮﻩ, ﺳﺒﺐ
ﻟﺤﺼﻮﻝ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺇِﻥْ ﺗَﺘَّﻘُﻮﺍ
ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻳَﺠْﻌَﻞْ ﻟَﻜُﻢْ ﻓُﺮْﻗَﺎﻧًﺎ

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   السبت سبتمبر 13, 2014 8:35 am

187‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}
كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به‏.‏

‏{‏فتاب‏}‏ الله ‏{‏عليكم‏}‏ بأن وسع لكم أمرا كان ـ لولا توسعته ـ موجبا للإثم ‏{‏وعفا عنكم‏}‏ ما سلف من التخون‏.‏
‏{‏فالآن‏}‏ بعد هذه الرخصة والسعة من الله ‏{‏باشروهن‏}‏ وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك‏.‏
‏{‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏}‏ أي‏:‏ انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح‏.‏
ومما كتب الله لكم ليلة القدر، الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك‏.‏
‏{‏وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر‏}‏ هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه‏.‏
وفيه‏:‏ دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد‏.‏
وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق‏.‏
‏{‏ثم‏}‏ إذا طلع الفجر ‏{‏أتموا الصيام‏}‏ أي‏:‏ الإمساك عن المفطرات ‏{‏إلى الليل‏}‏ وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك، استثناه بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد‏}‏ أي‏:‏ وأنتم متصفون بذلك، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله ‏[‏تعالى‏]‏، وانقطاعا إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد‏.‏
ويستفاد من تعريف المساجد، أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس‏.‏
وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف‏.‏
‏{‏تلك‏}‏ المذكورات ـ وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات ‏{‏حدود الله‏}‏ التي حدها لعباده، ونهاهم عنها، فقال‏:‏ ‏{‏فلا تقربوها‏}‏ أبلغ من قوله‏:‏ ‏"‏فلا تفعلوها‏"‏ لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه‏.‏
والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول الله فيها‏:‏ ‏{‏تلك حدود الله فلا تعتدوها‏}‏ فينهى عن مجاوزتها‏.‏
‏{‏كذلك‏}‏ أي‏:‏ بيَّن ‏[‏الله‏]‏ لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين، وأوضحها لهم أكمل أيضًاح‏.‏
‏{‏يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون‏}‏ فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببا للتقوى‏.‏
‏[‏188‏]‏ ‏{‏وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}
أي‏:‏ ولا تأخذوا أموالكم أي‏:‏ أموال غيركم، أضافها إليهم‏,‏ لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏,‏ ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة‏.‏
ولما كان أكلها نوعين‏:‏ نوعا بحق‏,‏ ونوعا بباطل‏,‏ وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل‏,‏ قيده تعالى بذلك، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية‏,‏ أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضًا‏,‏ أخذها على وجه المعاوضة‏,‏ بمعاوضة محرمة‏,‏ كعقود الربا‏,‏ والقمار كلها‏,‏ فإنها من أكل المال بالباطل‏,‏ لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة‏,‏ ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات‏,‏ والأوقاف، والوصايا‏,‏ لمن ليس له حق منها‏,‏ أو فوق حقه‏.‏
فكل هذا ونحوه‏,‏ من أكل المال بالباطل‏,‏ فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع‏,‏ وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة‏,‏ غلبت حجة المحق‏,‏ وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم‏,‏ لا يبيح محرما‏,‏ ولا يحلل حراما‏,‏ إنما يحكم على نحو مما يسمع‏,‏ وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة‏,‏ ولا شبهة‏,‏ ولا استراحة‏.‏
فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة‏,‏ وحكم له بذلك‏,‏ فإنه لا يحل له‏,‏ ويكون آكلا لمال غيره‏,‏ بالباطل والإثم‏,‏ وهو عالم بذلك‏.‏ فيكون أبلغ في عقوبته‏,‏ وأشد في نكاله‏.‏
وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه‏,‏ لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا‏}‏
‏[‏189‏]‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ‏}‏ جمع ـ هلال ـ ما فائدتها وحكمتها‏؟‏ أو عن ذاتها، ‏{‏قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ جعلها الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر‏,‏ ثم يتزايد إلى نصفه‏,‏ ثم يشرع في النقص إلى كماله‏,‏ وهكذا‏,‏ ليعرف الناس بذلك‏,‏ مواقيت عباداتهم من الصيام‏,‏ وأوقات الزكاة‏,‏ والكفارات‏,‏ وأوقات الحج‏.‏
ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات‏,‏ ويستغرق أوقاتا كثيرة قال‏:‏ ‏{‏وَالْحَجِّ‏}‏ وكذلك تعرف بذلك‏,‏ أوقات الديون المؤجلات‏,‏ ومدة الإجارات‏,‏ ومدة العدد والحمل‏,‏ وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق، فجعله تعالى‏,‏ حسابا‏,‏ يعرفه كل أحد‏,‏ من صغير‏,‏ وكبير‏,‏ وعالم‏,‏ وجاهل، فلو كان الحساب بالسنة الشمسية‏,‏ لم يعرفه إلا النادر من الناس‏.‏
‏{‏وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا‏}‏ وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب‏,‏ إذا أحرموا‏,‏ لم يدخلوا البيوت من أبوابها‏,‏ تعبدا بذلك‏,‏ وظنا أنه بر‏.‏ فأخبر الله أنه ليس ببر لأن الله تعالى‏,‏ لم يشرعه لهم، وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله‏,‏ فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم‏,‏ التي هي قاعدة من قواعد الشرع‏.‏
ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور‏,‏ أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب‏,‏ الذي قد جعل له موصلا، فالآمر بالمعروف‏,‏ والناهي عن المنكر‏,‏ ينبغي أن ينظر في حالة المأمور‏,‏ ويستعمل معه الرفق والسياسة‏,‏ التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم‏,‏ ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله‏,‏ يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه‏,‏ فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود‏.‏
‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ هذا هو البر الذي أمر الله به‏,‏ وهو لزوم تقواه على الدوام‏,‏ بامتثال أوامره‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ فإنه سبب للفلاح‏,‏ الذي هو الفوز بالمطلوب‏,‏ والنجاة من المرهوب، فمن لم يتق الله تعالى‏,‏ لم يكن له سبيل إلى الفلاح‏,‏ ومن اتقاه‏,‏ فاز بالفلاح والنجاح‏.‏
‏[‏190 ـ 193‏]‏ ‏{‏وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ‏}
هذه الآيات‏,‏ تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله‏,‏ وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة‏,‏ لما قوي المسلمون للقتال‏,‏ أمرهم الله به‏,‏ بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم، وفي تخصيص القتال ‏{‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ حث على الإخلاص‏,‏ ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين‏.‏
‏{‏الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ الذين هم مستعدون لقتالكم‏,‏ وهم المكلفون الرجال‏,‏ غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال‏.‏
والنهي عن الاعتداء‏,‏ يشمل أنواع الاعتداء كلها‏,‏ من قتل من لا يقاتل‏,‏ من النساء‏,‏ والمجانين والأطفال‏,‏ والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى‏,‏ وقتل الحيوانات‏,‏ وقطع الأشجار ‏[‏ونحوها‏]‏‏,‏ لغير مصلحة تعود للمسلمين‏.‏
ومن الاعتداء‏,‏ مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها‏,‏ فإن ذلك لا يجوز‏.‏
‏{‏وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏}‏ هذا أمر بقتالهم‏,‏ أينما وجدوا في كل وقت‏,‏ وفي كل زمان قتال مدافعة‏,‏ وقتال مهاجمة ثم استثنى من هذا العموم قتالهم ‏{‏عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ وأنه لا يجوز إلا أن يبدأوا بالقتال‏,‏ فإنهم يقاتلون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت‏,‏ حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا‏,‏ فإن الله يتوب عليهم‏,‏ ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله‏,‏ والشرك في المسجد الحرام‏,‏ وصد الرسول والمؤمنين عنه وهذا من رحمته وكرمه بعباده‏.‏
ولما كان القتال عند المسجد الحرام‏,‏ يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام‏,‏ أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك‏,‏ والصد عن دينه‏,‏ أشد من مفسدة القتل‏,‏ فليس عليكم ـ أيها المسلمون ـ حرج في قتالهم‏.‏
ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي‏:‏ أنه يرتكب أخف المفسدتين‏,‏ لدفع أعلاهما‏.‏
ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله‏,‏ وأنه ليس المقصود به‏,‏ سفك دماء الكفار‏,‏ وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن ‏{‏يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ‏}‏ تعالى‏,‏ فيظهر دين الله ‏[‏تعالى‏]‏‏,‏ على سائر الأديان‏,‏ ويدفع كل ما يعارضه‏,‏ من الشرك وغيره‏,‏ وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود‏,‏ فلا قتل ولا قتال، ‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْا‏}‏ عن قتالكم عند المسجد الحرام ‏{‏فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ فليس عليهم منكم اعتداء‏,‏ إلا من ظلم منهم‏,‏ فإنه يستحق المعاقبة‏,‏ بقدر ظلمه‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأحد سبتمبر 14, 2014 4:15 pm

194‏]‏ ‏{‏الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ‏}‏ يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه عام الحديبية‏,‏ عن الدخول لمكة‏,‏ وقاضوهم على دخولها من قابل‏,‏ وكان الصد والقضاء في شهر حرام‏,‏ وهو ذو القعدة‏,‏ فيكون هذا بهذا، فيكون فيه‏,‏ تطييب لقلوب الصحابة‏,‏ بتمام نسكهم‏,‏ وكماله‏.‏
ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ إنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام فقد قاتلوكم فيه‏,‏ وهم المعتدون‏,‏ فليس عليكم في ذلك حرج، وعلى هذا فيكون قوله‏:‏ ‏{‏وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏}‏ من باب عطف العام على الخاص، أي‏:‏ كل شيء يحترم من شهر حرام‏,‏ أو بلد حرام‏,‏ أو إحرام‏,‏ أو ما هو أعم من ذلك‏,‏ جميع ما أمر الشرع باحترامه‏,‏ فمن تجرأ عليها فإنه يقتص منه، فمن قاتل في الشهر الحرام‏,‏ قوتل، ومن هتك البلد الحرام‏,‏ أخذ منه الحد‏,‏ ولم يكن له حرمة، ومن قتل مكافئا له قتل به‏,‏ ومن جرحه أو قطع عضوا‏,‏ منه‏,‏ اقتص منه، ومن أخذ مال غيره المحترم‏,‏ أخذ منه بدله، ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا‏؟‏ خلاف بين العلماء‏,‏ الراجح من ذلك‏,‏ أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف‏,‏ إذا لم يقره غيره‏,‏ والزوجة‏,‏ والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة ‏[‏من الإنفاق عليه‏]‏ فإنه يجوز أخذه من ماله‏.‏
وإن كان السبب خفيا‏,‏ كمن جحد دين غيره‏,‏ أو خانه في وديعة‏,‏ أو سرق منه ونحو ذلك‏,‏ فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له‏,‏ جمعا بين الأدلة‏,‏ ولهذا قال تعالى‏,‏ تأكيدا وتقوية لما تقدم‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏}‏ هذا تفسير لصفة المقاصة‏,‏ وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي‏.‏
ولما كانت النفوس ـ في الغالب ـ لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي‏,‏ أمر تعالى بلزوم تقواه‏,‏ التي هي الوقوف عند حدوده‏,‏ وعدم تجاوزها‏,‏ وأخبر تعالى أنه ‏{‏مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ أي‏:‏ بالعون‏,‏ والنصر‏,‏ والتأييد‏,‏ والتوفيق‏.‏
ومن كان الله معه‏,‏ حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه‏,‏ وخذله‏,‏ فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد‏.‏

‏[‏195‏]‏ ‏{‏وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}
يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله‏,‏ وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير‏,‏ من صدقة على مسكين‏,‏ أو قريب‏,‏ أو إنفاق على من تجب مؤنته‏.‏
وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فإن النفقة فيه جهاد بالمال‏,‏ وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة‏,‏ الإعانة على تقوية المسلمين‏,‏ وعلى توهية الشرك وأهله‏,‏ وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح‏,‏ لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله‏,‏ إبطال للجهاد‏,‏ وتسليط للأعداء‏,‏ وشدة تكالبهم، فيكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏ كالتعليل لذلك، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين‏:‏ ترك ما أمر به العبد‏,‏ إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح‏,‏ فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك‏,‏ ترك الجهاد في سبيل الله‏,‏ أو النفقة فيه‏,‏ الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف‏,‏ أو محل مسبعة أو حيات‏,‏ أو يصعد شجرًا أو بنيانًا خطرًا‏,‏ أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه‏,‏ ممن ألقى بيده إلى التهلكة‏.‏
ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة الإقامة على معاصي الله‏,‏ واليأس من التوبة، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض‏,‏ التي في تركها هلاك للروح والدين‏.‏
ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان‏,‏ أمر بالإحسان عمومًا فقال‏:‏ ‏{‏وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان‏,‏ لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم‏.‏
ويدخل فيه الإحسان بالجاه‏,‏ بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك‏,‏ الإحسان بالأمر بالمعروف‏,‏ والنهي عن المنكر‏,‏ وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس‏,‏ من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم‏,‏ وعيادة مرضاهم‏,‏ وتشييع جنائزهم‏,‏ وإرشاد ضالهم‏,‏ وإعانة من يعمل عملا‏,‏ والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك‏,‏ مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا‏,‏ الإحسان في عبادة الله تعالى‏,‏ وهو كما ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏أن تعبد الله كأنك تراه‏,‏ فإن لم تكن تراه‏,‏ فإنه يراك‏)‏‏.‏
فمن اتصف بهذه الصفات‏,‏ كان من الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ‏}‏ وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره‏.‏

‏{‏ولما فرغ تعالى من ‏[‏ذكر‏]‏ أحكام الصيام فالجهاد‏,‏ ذكر أحكام الحج فقال‏:‏
‏[‏196‏]‏ ‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}
يستدل بقوله ‏[‏تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ‏}‏ على أمور‏:‏
أحدها‏:‏ وجوب الحج والعمرة‏,‏ وفرضيتهما‏.‏
الثاني‏:‏ وجوب إتمامهما بأركانهما‏,‏ وواجباتهما‏,‏ التي قد دل عليها فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله‏:‏ ‏(‏خذوا عني مناسككم‏)‏
الثالث‏:‏ أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة‏.‏
الرابع‏:‏ أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما‏,‏ ولو كانا نفلا‏.‏
الخامس‏:‏ الأمر بإتقانهما وإحسانهما‏,‏ وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما‏.‏
السادس‏:‏ وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى‏.‏
السابع‏:‏ أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما‏,‏ إلا بما استثناه الله‏,‏ وهو الحصر‏,‏ فلهذا قال‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما‏,‏ بمرض‏,‏ أو ضلالة‏,‏ أو عدو‏,‏ ونحو ذلك من أنواع الحصر‏,‏ الذي هو المنع‏.‏
‏{‏فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏}‏ أي‏:‏ فاذبحوا ما استيسر من الهدي‏,‏ وهو سبع بدنة‏,‏ أو سبع بقرة‏,‏ أو شاة يذبحها المحصر‏,‏ ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه‏,‏ لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي‏,‏ فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ‏}‏ وهذا من محظورات الإحرام‏,‏ إزالة الشعر‏,‏ بحلق أو غيره‏,‏ لأن المعنى واحد من الرأس‏,‏ أو من البدن‏,‏ لأن المقصود من ذلك‏,‏ حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته‏,‏ وهو موجود في بقية الشعر‏.‏
وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر‏,‏ تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر‏,‏ حتى يبلغ الهدي محله‏,‏ وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر‏,‏ كما تدل عليه الآية‏.‏
ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي‏,‏ لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة‏,‏ أحرم بالحج‏,‏ ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك‏,‏ لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له‏,‏ والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد‏,‏ وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض‏,‏ ينتفع بحلق رأسه له‏,‏ أو قروح‏,‏ أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه‏,‏ ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام‏,‏ أو صدقة على ستة مساكين أو نسك ما يجزئ في أضحية‏,‏ فهو مخير، والنسك أفضل‏,‏ فالصدقة‏,‏ فالصيام‏.‏
ومثل هذا‏,‏ كل ما كان في معنى ذلك‏,‏ من تقليم الأظفار‏,‏ أو تغطية الرأس‏,‏ أو لبس المخيط‏,‏ أو الطيب‏,‏ فإنه يجوز عند الضرورة‏,‏ مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع‏,‏ إزالة ما به يترفه‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَمِنْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، ‏{‏فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ‏}‏ بأن توصل بها إليه‏,‏ وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها‏.‏
‏{‏فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏}‏ أي‏:‏ فعليه ما تيسر من الهدي‏,‏ وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك‏,‏ مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة‏,‏ ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة‏,‏ وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له‏.‏
ويدل مفهوم الآية‏,‏ على أن المفرد للحج‏,‏ ليس عليه هدي، ودلت الآية‏,‏ على جواز‏,‏ بل فضيلة المتعة‏,‏ وعلى جواز فعلها في أشهر الحج‏.‏
‏{‏فَمَنْ لَمْ يَجِدْ‏}‏ أي الهدي أو ثمنه ‏{‏فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ‏}‏ أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة‏,‏ وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر‏,‏ أيام رمي الجمار‏,‏ والمبيت بـ ‏"‏منى‏"‏ ولكن الأفضل منها‏,‏ أن يصوم السابع‏,‏ والثامن‏,‏ والتاسع، ‏{‏وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ فرغتم من أعمال الحج‏,‏ فيجوز فعلها في مكة‏,‏ وفي الطريق‏,‏ وعند وصوله إلى أهله‏.‏
‏{‏ذَلِكَ‏}‏ المذكور من وجوب الهدي على المتمتع ‏{‏لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ بأن كان عند مسافة قصر فأكثر‏,‏ أو بعيدًا عنه عرفات‏,‏ فهذا الذي يجب عليه الهدي‏,‏ لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام‏,‏ فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك‏.‏
‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ في جميع أموركم‏,‏ بامتثال أوامره‏,‏ واجتناب نواهيه، ومن ذلك‏,‏ امتثالكم‏,‏ لهذه المأمورات‏,‏ واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية‏.‏
‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ أي‏:‏ لمن عصاه‏,‏ وهذا هو الموجب للتقوى‏,‏ فإن من خاف عقاب الله‏,‏ انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب‏,‏ ولم يرج الثواب‏,‏ اقتحم المحارم‏,‏ وتجرأ على ترك الواجبات‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين سبتمبر 15, 2014 11:09 am

[‏197‏]‏ ‏{‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ‏}‏




يخبر تعالى أن ‏{‏الْحَجَّ‏}‏ واقع في ‏{‏أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ‏}‏ عند المخاطبين‏,‏ مشهورات‏,‏ بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره‏,‏ وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس‏.‏




وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم‏,‏ التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم‏.‏




والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء‏:‏ شوال‏,‏ وذو القعدة‏,‏ وعشر من ذي الحجة‏,‏ فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبًا‏.‏




‏{‏فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ‏}‏ أي‏:‏ أحرم به‏,‏ لأن الشروع فيه يصيره فرضا‏,‏ ولو كان نفلا‏.‏




واستدل بهذه الآية الشافعي ومن تابعه‏,‏ على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره، قلت لو قيل‏:‏ إن فيها دلالة لقول الجمهور‏,‏ بصحة الإحرام ‏[‏بالحج‏]‏ قبل أشهره لكان قريبا، فإن قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ‏}‏ دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة وقد لا يقع فيها‏,‏ وإلا لم يقيده‏.‏




وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ‏}‏ أي‏:‏ يجب أن تعظموا الإحرام بالحج‏,‏ و خصوصًا الواقع في أشهره‏,‏ وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه‏,‏ من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية‏,‏ خصوصًا عند النساء بحضرتهن‏.‏




والفسوق وهو‏:‏ جميع المعاصي‏,‏ ومنها محظورات الإحرام‏.‏




والجدال وهو‏:‏ المماراة والمنازعة والمخاصمة‏,‏ لكونها تثير الشر‏,‏ وتوقع العداوة‏.‏




والمقصود من الحج‏,‏ الذل والانكسار لله‏,‏ والتقرب إليه بما أمكن من القربات‏,‏ والتنزه عن مقارفة السيئات‏,‏ فإنه بذلك يكون مبرورا والمبرور‏,‏ ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان‏,‏ فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج‏.‏




واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ‏}‏ أتى بـ ‏"‏من‏"‏ لتنصيص على العموم، فكل خير وقربة وعبادة‏,‏ داخل في ذلك، أي‏:‏ فإن الله به عليم‏,‏ وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير‏,‏ وخصوصًا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة‏,‏ فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها‏,‏ من صلاة‏,‏ وصيام‏,‏ وصدقة‏,‏ وطواف‏,‏ وإحسان قولي وفعلي‏.‏




ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك‏,‏ فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين‏,‏ والكف عن أموالهم‏,‏ سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين‏,‏ وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع‏.‏




وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه‏,‏ في دنياه‏,‏ وأخراه‏,‏ فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار‏,‏ وهو الموصل لأكمل لذة‏,‏ وأجل نعيم دائم أبدًا، ومن ترك هذا الزاد‏,‏ فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر‏,‏ وممنوع من الوصول إلى دار المتقين‏.‏ فهذا مدح للتقوى‏.‏




ثم أمر بها أولي الألباب فقال‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ‏}‏ أي‏:‏ يا أهل العقول الرزينة‏,‏ اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول‏,‏ وتركها دليل على الجهل‏,‏ وفساد الرأي‏.‏




‏[‏198 ـ 202‏]‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏}‏




لما أمر تعالى بالتقوى‏,‏ أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره‏,‏ ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج‏,‏ وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله‏,‏ لا منسوبا إلى حذق العبد‏,‏ والوقوف مع السبب‏,‏ ونسيان المسبب‏,‏ فإن هذا هو الحرج بعينه‏.‏




وفي قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ‏}‏ دلالة على أمور‏:‏




أحدها‏:‏ الوقوف بعرفة‏,‏ وأنه كان معروفا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات‏,‏ لا تكون إلا بعد الوقوف‏.‏




الثاني‏:‏ الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام‏,‏ وهو المزدلفة‏,‏ وذلك أيضًا معروف‏,‏ يكون ليلة النحر بائتا بها‏,‏ وبعد صلاة الفجر‏,‏ يقف في المزدلفة داعيا‏,‏ حتى يسفر جدا‏,‏ ويدخل في ذكر الله عنده‏,‏ إيقاع الفرائض والنوافل فيه‏.‏




الثالث‏:‏ أن الوقوف بمزدلفة‏,‏ متأخر عن الوقوف بعرفة‏,‏ كما تدل عليه الفاء والترتيب‏.‏




الرابع‏,‏ والخامس‏:‏ أن عرفات ومزدلفة‏,‏ كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها‏,‏ وإظهارها‏.‏




السادس‏:‏ أن مزدلفة في الحرم‏,‏ كما قيده بالحرام‏.‏




السابع‏:‏ أن عرفة في الحل‏,‏ كما هو مفهوم التقييد بـ ‏"‏مزدلفة‏"‏




‏{‏وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ‏}‏ أي‏:‏ اذكروا الله تعالى كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال‏,‏ وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم‏,‏ التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعم بالقلب واللسان‏.‏




‏{‏ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ‏}‏ أي‏:‏ ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس‏,‏ من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم‏,‏ وهو رمي الجمار‏,‏ وذبح الهدايا‏,‏ والطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والمبيت بـ ‏"‏منى‏"‏ ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك‏.‏




ولما كانت ‏[‏هذه‏]‏ الإفاضة‏,‏ يقصد بها ما ذكر‏,‏ والمذكورات آخر المناسك‏,‏ أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد‏,‏ في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة‏.‏




وهكذا ينبغي للعبد‏,‏ كلما فرغ من عبادة‏,‏ أن يستغفر الله عن التقصير‏,‏ ويشكره على التوفيق‏,‏ لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة‏,‏ ومن بها على ربه‏,‏ وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة‏,‏ فهذا حقيق بالمقت‏,‏ ورد الفعل، كما أن الأول‏,‏ حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر‏.‏




ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق‏,‏ وأن الجميع يسألونه مطالبهم‏,‏ ويستدفعونه ما يضرهم‏,‏ ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم‏:‏ ‏{‏مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته‏,‏ وليس له في الآخرة من نصيب‏,‏ لرغبته عنها‏,‏ وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين‏,‏ ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء‏,‏ لهم نصيب من كسبهم وعملهم‏,‏ وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم‏,‏ وهماتهم ونياتهم‏,‏ جزاء دائرا بين العدل والفضل‏,‏ يحمد عليه أكمل حمد وأتمه، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع‏,‏ مسلمًا أو كافرًا‏,‏ أو فاسقًا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه‏,‏ دليلا على محبته له وقربه منه‏,‏ إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين‏.‏




والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد‏,‏ من رزق هنيء واسع حلال‏,‏ وزوجة صالحة‏,‏ وولد تقر به العين‏,‏ وراحة‏,‏ وعلم نافع‏,‏ وعمل صالح‏,‏ ونحو ذلك‏,‏ من المطالب المحبوبة والمباحة‏.‏




وحسنة الآخرة‏,‏ هي السلامة من العقوبات‏,‏ في القبر‏,‏ والموقف‏,‏ والنار‏,‏ وحصول رضا الله‏,‏ والفوز بالنعيم المقيم‏,‏ والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء‏,‏ أجمع دعاء وأكمله‏,‏ وأولاه بالإيثار‏,‏ ولهذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكثر من الدعاء به‏,‏ والحث عليه‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين سبتمبر 22, 2014 8:36 pm

‏[203 ‏] }ﻭَﺍﺫْﻛُﺮُﻭﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻓِﻲ ﺃَﻳَّﺎﻡٍ ﻣَﻌْﺪُﻭﺩَﺍﺕٍ ﻓَﻤَﻦْ ﺗَﻌَﺠَّﻞَ ﻓِﻲ ﻳَﻮْﻣَﻴْﻦِ ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻭَﻣَﻦْ ﺗَﺄَﺧَّﺮَ ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻟِﻤَﻦِ ﺍﺗَّﻘَﻰ ﻭَﺍﺗَّﻘُﻮﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻭَﺍﻋْﻠَﻤُﻮﺍ ﺃَﻧَّﻜُﻢْ ﺇِﻟَﻴْﻪِ ﺗُﺤْﺸَﺮُﻭﻥَ {


ﻳﺄﻣﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺬﻛﺮﻩ ﻓﻲ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﺍﻟﻤﻌﺪﻭﺩﺍﺕ, ﻭﻫﻲ ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻖ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻌﻴﺪ, ﻟﻤﺰﻳﺘﻬﺎ ﻭﺷﺮﻓﻬﺎ , ﻭﻛﻮﻥ ﺑﻘﻴﺔ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﻚ ﺗﻔﻌﻞ ﺑﻬﺎ, ﻭﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﺿﻴﺎﻓﺎ ﻟﻠﻪ ﻓﻴﻬﺎ, ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺣﺮﻡ ﺻﻴﺎﻣﻬﺎ، ﻓﻠﻠﺬﻛﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺰﻳﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻟﻐﻴﺮﻫﺎ, ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ : ‏( ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻖ, ﺃﻳﺎﻡ ﺃﻛﻞ ﻭﺷﺮﺏ, ﻭﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ‏)
ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻬﺎ, ﺫﻛﺮﻩ ﻋﻨﺪ ﺭﻣﻲ ﺍﻟﺠﻤﺎﺭ, ﻭﻋﻨﺪ ﺍﻟﺬﺑﺢ, ﻭﺍﻟﺬﻛﺮ ﺍﻟﻤﻘﻴﺪ ﻋﻘﺐ ﺍﻟﻔﺮﺍﺋﺾ، ﺑﻞ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ : ﺇﻧﻪ ﻳﺴﺘﺤﺐ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺘﻜﺒﻴﺮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ, ﻛﺎﻟﻌﺸﺮ, ﻭﻟﻴﺲ ﺑﺒﻌﻴﺪ . } ﻓَﻤَﻦْ ﺗَﻌَﺠَّﻞَ ﻓِﻲ ﻳَﻮْﻣَﻴْﻦِ{ ﺃﻱ: ﺧﺮﺝ ﻣﻦ " ﻣﻨﻰ " ﻭﻧﻔﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﻏﺮﻭﺏ ﺷﻤﺲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ } ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﻭَﻣَﻦْ ﺗَﺄَﺧَّﺮَ { ﺑﺄﻥ ﺑﺎﺕ ﺑﻬﺎ ﻟﻴﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﺭﻣﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺪ } ﻓَﻠَﺎ ﺇِﺛْﻢَ ﻋَﻠَﻴْﻪِ{ ﻭﻫﺬﺍ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ‏[ ﺗﻌﺎﻟﻰ ‏] ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ, ﻓﻲ ﺇﺑﺎﺣﺔ ﻛﻼ ﺍﻷﻣﺮﻳﻦ، ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﺃﺑﻴﺢ ﻛﻼ ﺍﻷﻣﺮﻳﻦ, ﻓﺎﻟﻤﺘﺄﺧﺮ ﺃﻓﻀﻞ , ﻷﻧﻪ ﺃﻛﺜﺮ ﻋﺒﺎﺩﺓ ..
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺤﺮﺝ ﻗﺪ ﻳﻔﻬﻢ ﻣﻨﻪ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺤﺮﺝ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭ ﻭﻓﻲ ﻏﻴﺮﻩ, ﻭﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﺮﺝ ﻣﻨﻔﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻡ، ﻭﺍﻟﻤﺘﺄﺧﺮ ﻓﻘﻂ ﻗﻴﺪﻩ ﺑﻘﻮﻟﻪ : } ﻟِﻤَﻦِ ﺍﺗَّﻘَﻰ { ﺃﻱ : ﺍﺗﻘﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﻣﻮﺭﻩ, ﻭﺃﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺤﺞ، ﻓﻤﻦ ﺍﺗﻘﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ , ﺣﺼﻞ ﻟﻪ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺤﺮﺝ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻭﻣﻦ ﺍﺗﻘﺎﻩ ﻓﻲ ﺷﻲﺀ ﺩﻭﻥ ﺷﻲﺀ, ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﺟﻨﺲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ..
} ﻭَﺍﺗَّﻘُﻮﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ { ﺑﺎﻣﺘﺜﺎﻝ ﺃﻭﺍﻣﺮﻩ ﻭﺍﺟﺘﻨﺎﺏ ﻣﻌﺎﺻﻴﻪ، }ﻭَﺍﻋْﻠَﻤُﻮﺍ ﺃَﻧَّﻜُﻢْ ﺇِﻟَﻴْﻪِ ﺗُﺤْﺸَﺮُﻭﻥَ{ ﻓﻤﺠﺎﺯﻳﻜﻢ ﺑﺄﻋﻤﺎﻟﻜﻢ، ﻓﻤﻦ ﺍﺗﻘﺎﻩ, ﻭﺟﺪ ﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﻋﻨﺪﻩ, ﻭﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺘﻘﻪ, ﻋﺎﻗﺒﻪ ﺃﺷﺪ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ، ﻓﺎﻟﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﺠﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﺪﻭﺍﻋﻲ ﻟﺘﻘﻮﻯ ﺍﻟﻠﻪ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺣﺚ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺬﻟﻚ .


‏[204 ـ 206 ‏] } ﻭَﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻣَﻦْ ﻳُﻌْﺠِﺒُﻚَ ﻗَﻮْﻟُﻪُ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺤَﻴَﺎﺓِ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﻳُﺸْﻬِﺪُ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﻠَﻰ ﻣَﺎ ﻓِﻲ ﻗَﻠْﺒِﻪِ ﻭَﻫُﻮَ ﺃَﻟَﺪُّ ﺍﻟْﺨِﺼَﺎﻡِ * ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺗَﻮَﻟَّﻰ ﺳَﻌَﻰ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﻟِﻴُﻔْﺴِﺪَ ﻓِﻴﻬَﺎ ﻭَﻳُﻬْﻠِﻚَ ﺍﻟْﺤَﺮْﺙَ ﻭَﺍﻟﻨَّﺴْﻞَ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﺎ ﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟْﻔَﺴَﺎﺩَ * ﻭَﺇِﺫَﺍ ﻗِﻴﻞَ ﻟَﻪُ ﺍﺗَّﻖِ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺃَﺧَﺬَﺗْﻪُ ﺍﻟْﻌِﺰَّﺓُ
ﺑِﺎﻟْﺈِﺛْﻢِ ﻓَﺤَﺴْﺒُﻪُ ﺟَﻬَﻨَّﻢُ ﻭَﻟَﺒِﺌْﺲَ ﺍﻟْﻤِﻬَﺎﺩُ{


ﻟﻤﺎ ﺃﻣﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺎﻹﻛﺜﺎﺭ ﻣﻦ ﺫﻛﺮﻩ, ﻭ ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﻭﻗﺎﺕ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺧﻴﺮ ﻭﻣﺼﻠﺤﺔ ﻭﺑﺮ, ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺤﺎﻝ ﻣﻦ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﺑﻠﺴﺎﻧﻪ ﻭﻳﺨﺎﻟﻒ ﻓﻌﻠﻪ ﻗﻮﻟﻪ, ﻓﺎﻟﻜﻼﻡ ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﺮﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻭ ﻳﺨﻔﻀﻪ ﻓﻘﺎﻝ : } ﻭَﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻣَﻦْ ﻳُﻌْﺠِﺒُﻚَ ﻗَﻮْﻟُﻪُ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺤَﻴَﺎﺓِ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ { ﺃﻱ : ﺇﺫﺍ ﺗﻜﻠﻢ ﺭﺍﻕ ﻛﻼﻣﻪ ﻟﻠﺴﺎﻣﻊ، ﻭﺇﺫﺍ ﻧﻄﻖ, ﻇﻨﻨﺘﻪ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﺑﻜﻼﻡ ﻧﺎﻓﻊ , ﻭﻳﺆﻛﺪ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﺄﻧﻪ }ﻭَﻳُﺸْﻬِﺪُ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﻠَﻰ ﻣَﺎ ﻓِﻲ ﻗَﻠْﺒِﻪِ{ ﺑﺄﻥ ﻳﺨﺒﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﻌﻠﻢ, ﺃﻥ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻣﻮﺍﻓﻖ ﻟﻤﺎ ﻧﻄﻖ ﺑﻪ, ﻭﻫﻮ ﻛﺎﺫﺏ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ, ﻷﻧﻪ ﻳﺨﺎﻟﻒ ﻗﻮﻟﻪ ﻓﻌﻠﻪ ..
ﻓﻠﻮ ﻛﺎﻥ ﺻﺎﺩﻗﺎ, ﻟﺘﻮﺍﻓﻖ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﻭﺍﻟﻔﻌﻞ, ﻛﺤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻖ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ : } ﻭَﻫُﻮَ ﺃَﻟَﺪُّ ﺍﻟْﺨِﺼَﺎﻡِ { ﺃﻱ : ﺇﺫﺍ ﺧﺎﺻﻤﺘﻪ, ﻭﺟﺪﺕ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺪﺩ ﻭﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﺼﺐ, ﻭﻣﺎ ﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ, ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻣﻘﺎﺑﺢ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ, ﻟﻴﺲ ﻛﺄﺧﻼﻕ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ, ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺟﻌﻠﻮﺍ ﺍﻟﺴﻬﻮﻟﺔ ﻣﺮﻛﺒﻬﻢ, ﻭﺍﻻﻧﻘﻴﺎﺩ ﻟﻠﺤﻖ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﻢ, ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﺣﺔ
ﺳﺠﻴﺘﻬﻢ . } ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺗَﻮَﻟَّﻰ { ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺠﺒﻚ ﻗﻮﻟﻪ ﺇﺫﺍ ﺣﻀﺮ ﻋﻨﺪﻙ } ﺳَﻌَﻰ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﻟِﻴُﻔْﺴِﺪَ ﻓِﻴﻬَﺎ { ﺃﻱ : ﻳﺠﺘﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ, ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺇﻓﺴﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ }ﻭَﻳُﻬْﻠِﻚَ{ ﺑﺴﺒﺐ ﺫﻟﻚ } ﺍﻟْﺤَﺮْﺙَ ﻭَﺍﻟﻨَّﺴْﻞَ { ﻓﺎﻟﺰﺭﻭﻉ ﻭﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺷﻲ, ﺗﺘﻠﻒ ﻭﺗﻨﻘﺺ, ﻭﺗﻘﻞ ﺑﺮﻛﺘﻬﺎ, ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ، } ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﺎ ﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟْﻔَﺴَﺎﺩَ { ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻻ ﻳﺤﺐ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ , ﻓﻬﻮ ﻳﺒﻐﺾ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﻤﻔﺴﺪ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ, ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺒﻐﺾ, ﻭﺇﻥ ﻗﺎﻝ ﺑﻠﺴﺎﻧﻪ ﻗﻮﻟًﺎ ﺣﺴﻨًﺎ ..
ﻓﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻷﻗﻮﺍﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ, ﻟﻴﺴﺖ ﺩﻟﻴﻼ ﻋﻠﻰ ﺻﺪﻕ ﻭﻻ ﻛﺬﺏ, ﻭﻻ ﺑﺮ ﻭﻻ ﻓﺠﻮﺭ ﺣﺘﻰ ﻳﻮﺟﺪ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻤﺼﺪﻕ ﻟﻬﺎ, ﺍﻟﻤﺰﻛﻲ ﻟﻬﺎ ﻭﺃﻧﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﺧﺘﺒﺎﺭ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ, ﻭﺍﻟﻤﺤﻖ ﻭﺍﻟﻤﺒﻄﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ, ﺑﺴﺒﺮ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ,
ﻭﺍﻟﻨﻈﺮ ﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ, ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﻐﺘﺮ ﺑﺘﻤﻮﻳﻬﻬﻢ ﻭﺗﺰﻛﻴﺘﻬﻢ
ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ..
ﺛﻢ ﺫﻛﺮ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻔﺴﺪ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﻤﻌﺎﺻﻲ ﺍﻟﻠﻪ, ﺇﺫﺍ ﺃﻣﺮ
ﺑﺘﻘﻮﻯ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻜﺒﺮ ﻭﺃﻧﻒ، ﻭ }ﺃَﺧَﺬَﺗْﻪُ ﺍﻟْﻌِﺰَّﺓُ ﺑِﺎﻟْﺈِﺛْﻢِ{ ﻓﻴﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻭﺍﻟﻜﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺻﺤﻴﻦ ..
} ﻓَﺤَﺴْﺒُﻪُ ﺟَﻬَﻨَّﻢُ { ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻌﺎﺻﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺘﻜﺒﺮﻳﻦ، } ﻭَﻟَﺒِﺌْﺲَ ﺍﻟْﻤِﻬَﺎﺩُ { ﺃﻱ : ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺮ ﻭﺍﻟﻤﺴﻜﻦ, ﻋﺬﺍﺏ ﺩﺍﺋﻢ, ﻭﻫﻢ ﻻ ﻳﻨﻘﻄﻊ, ﻭﻳﺄﺱ ﻣﺴﺘﻤﺮ, ﻻ ﻳﺨﻔﻒ ﻋﻨﻬﻢ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ, ﻭﻻ ﻳﺮﺟﻮﻥ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ, ﺟﺰﺍﺀ ﻟﺠﻨﺎﻳﺎﺗﻬﻢ ﻭﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﻷﻋﻤﺎﻟﻬﻢ، ﻓﻌﻴﺎﺫﺍ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ ..


‏[207 ‏] } ﻭَﻣِﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻣَﻦْ ﻳَﺸْﺮِﻱ ﻧَﻔْﺴَﻪُ ﺍﺑْﺘِﻐَﺎﺀَ ﻣَﺮْﺿَﺎﺕِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﺭَﺀُﻭﻑٌ ﺑِﺎﻟْﻌِﺒَﺎﺩِ{


ﻫﺆﻻﺀ ﻫﻢ ﺍﻟﻤﻮﻓﻘﻮﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺑﺎﻋﻮﺍ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﺃﺭﺧﺼﻮﻫﺎ ﻭﺑﺬﻟﻮﻫﺎ ﻃﻠﺒﺎ ﻟﻤﺮﺿﺎﺓ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺟﺎﺀ ﻟﺜﻮﺍﺑﻪ، ﻓﻬﻢ ﺑﺬﻟﻮﺍ ﺍﻟﺜﻤﻦ ﻟﻠﻤﻠﻲﺀ ﺍﻟﻮﻓﻲ ﺍﻟﺮﺀﻭﻑ ﺑﺎﻟﻌﺒﺎﺩ، ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻦ ﺭﺃﻓﺘﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﺃﻥ ﻭﻓﻘﻬﻢ ﻟﺬﻟﻚ، ﻭﻗﺪ ﻭﻋﺪ ﺍﻟﻮﻓﺎﺀ ﺑﺬﻟﻚ، ﻓﻘﺎﻝ : } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺍﺷْﺘَﺮَﻯ ﻣِﻦَ
ﺍﻟْﻤُﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ ﺃَﻧْﻔُﺴَﻬُﻢْ ﻭَﺃَﻣْﻮَﺍﻟَﻬُﻢْ ﺑِﺄَﻥَّ ﻟَﻬُﻢُ ﺍﻟْﺠَﻨَّﺔَ{ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ ﺍﻵﻳﺔ . ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺃﺧﺒﺮ ﺃﻧﻬﻢ ﺍﺷﺘﺮﻭﺍ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﺑﺬﻟﻮﻫﺎ، ﻭﺃﺧﺒﺮ ﺑﺮﺃﻓﺘﻪ ﺍﻟﻤﻮﺟﺒﺔ ﻟﺘﺤﺼﻴﻞ ﻣﺎ ﻃﻠﺒﻮﺍ، ﻭﺑﺬﻝ ﻣﺎ ﺑﻪ ﺭﻏﺒﻮﺍ، ﻓﻼ ﺗﺴﺄﻝ ﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ ﻋﻦ ﻣﺎ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ، ﻭﻣﺎ ﻳﻨﺎﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻮﺯ ﻭﺍﻟﺘﻜﺮﻳﻢ ..


‏[208 ـ 209 ‏] } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺍﺩْﺧُﻠُﻮﺍ ﻓِﻲ ﺍﻟﺴِّﻠْﻢِ ﻛَﺎﻓَّﺔً ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺘَّﺒِﻌُﻮﺍ ﺧُﻄُﻮَﺍﺕِ ﺍﻟﺸَّﻴْﻄَﺎﻥِ ﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻜُﻢْ ﻋَﺪُﻭٌّ ﻣُﺒِﻴﻦٌ * ﻓَﺈِﻥْ ﺯَﻟَﻠْﺘُﻢْ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻣَﺎ ﺟَﺎﺀَﺗْﻜُﻢُ ﺍﻟْﺒَﻴِّﻨَﺎﺕُ ﻓَﺎﻋْﻠَﻤُﻮﺍ ﺃَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ{


ﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻟﻠﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﺪﺧﻠﻮﺍ } ﻓِﻲ ﺍﻟﺴِّﻠْﻢِ ﻛَﺎﻓَّﺔً{ ﺃﻱ: ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺷﺮﺍﺋﻊ ﺍﻟﺪﻳﻦ, ﻭﻻ ﻳﺘﺮﻛﻮﺍ ﻣﻨﻬﺎ ﺷﻴﺌًﺎ, ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻣﻤﻦ ﺍﺗﺨﺬ ﺇﻟﻬﻪ ﻫﻮﺍﻩ, ﺇﻥ ﻭﺍﻓﻖ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻫﻮﺍﻩ ﻓﻌﻠﻪ, ﻭﺇﻥ ﺧﺎﻟﻔﻪ, ﺗﺮﻛﻪ، ﺑﻞ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻬﻮﻯ,
ﺗﺒﻌﺎ ﻟﻠﺪﻳﻦ, ﻭﺃﻥ ﻳﻔﻌﻞ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻴﻪ, ﻣﻦ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺨﻴﺮ,
ﻭﻣﺎ ﻳﻌﺠﺰ ﻋﻨﻪ, ﻳﻠﺘﺰﻣﻪ ﻭﻳﻨﻮﻳﻪ , ﻓﻴﺪﺭﻛﻪ ﺑﻨﻴﺘﻪ . ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻢ ﻛﺎﻓﺔ, ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻭﻻ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺇﻻ ﺑﻤﺨﺎﻟﻔﺔ ﻃﺮﻕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻗﺎﻝ : }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺘَّﺒِﻌُﻮﺍ ﺧُﻄُﻮَﺍﺕِ ﺍﻟﺸَّﻴْﻄَﺎﻥِ {
ﺃﻱ : ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﻤﻌﺎﺻﻲ ﺍﻟﻠﻪ } ﺇِﻧَّﻪُ ﻟَﻜُﻢْ ﻋَﺪُﻭٌّ ﻣُﺒِﻴﻦٌ { ﻭﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﻤﺒﻴﻦ, ﻻ ﻳﺄﻣﺮ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺴﻮﺀ ﻭﺍﻟﻔﺤﺸﺎﺀ, ﻭﻣﺎ ﺑﻪ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﻋﻠﻴﻜﻢ ..
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻻ ﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﻊ ﻣﻨﻪ ﺧﻠﻞ ﻭﺯﻟﻞ, ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ :
} ﻓَﺈِﻥْ ﺯَﻟَﻠْﺘُﻢْ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻣَﺎ ﺟَﺎﺀَﺗْﻜُﻢُ ﺍﻟْﺒَﻴِّﻨَﺎﺕُ { ﺃﻱ : ﻋﻠﻰ ﻋﻠﻢ ﻭﻳﻘﻴﻦ }ﻓَﺎﻋْﻠَﻤُﻮﺍ ﺃَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ{ ﻭﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻋﻴﺪ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ, ﻭﺍﻟﺘﺨﻮﻳﻒ, ﻣﺎ ﻳﻮﺟﺐ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﺰﻟﻞ, ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮ ﺍﻟﺤﻜﻴﻢ, ﺇﺫﺍ ﻋﺼﺎﻩ ﺍﻟﻌﺎﺻﻲ, ﻗﻬﺮﻩ ﺑﻘﻮﺗﻪ, ﻭﻋﺬﺑﻪ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﻓﺈﻥ ﻣﻦ ﺣﻜﻤﺘﻪ, ﺗﻌﺬﻳﺐ ﺍﻟﻌﺼﺎﺓ ﻭﺍﻟﺠﻨﺎﺓ ..


‏[210 ‏] } ﻫَﻞْ ﻳَﻨْﻈُﺮُﻭﻥَ ﺇِﻟَّﺎ ﺃَﻥْ ﻳَﺄْﺗِﻴَﻬُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻓِﻲ ﻇُﻠَﻞٍ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻐَﻤَﺎﻡِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻠَﺎﺋِﻜَﺔُ ﻭَﻗُﻀِﻲَ ﺍﻟْﺄَﻣْﺮُ ﻭَﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺗُﺮْﺟَﻊُ ﺍﻟْﺄُﻣُﻮﺭُ{


ﻭﻫﺬﺍ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻋﻴﺪ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻭﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﺎ ﺗﻨﺨﻠﻊ ﻟﻪ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ، ﻳﻘﻮﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ﻫﻞ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺍﻟﺴﺎﻋﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ, ﺍﻟﻤﺘﺒﻌﻮﻥ ﻟﺨﻄﻮﺍﺕ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ, ﺍﻟﻨﺎﺑﺬﻭﻥ ﻷﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻻ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﺑﺎﻷﻋﻤﺎﻝ, ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﺣﺸﻲ ﻣﻦ ﺍﻷﻫﻮﺍﻝ ﻭﺍﻟﺸﺪﺍﺋﺪ ﻭﺍﻟﻔﻈﺎﺋﻊ, ﻣﺎ ﻳﻘﻠﻘﻞ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﻈﺎﻟﻤﻴﻦ, ﻭﻳﺤﻖ ﺑﻪ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﺍﻟﺴﻴﺊ ﻋﻠﻰ
ﺍﻟﻤﻔﺴﺪﻳﻦ ..
ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﻄﻮﻱ ﺍﻟﺴﻤﻮﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺽ, ﻭﺗﻨﺜﺮ ﺍﻟﻜﻮﺍﻛﺐ, ﻭﺗﻜﻮﺭ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ, ﻭﺗﻨﺰﻝ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ, ﻓﺘﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﺨﻼﺋﻖ, ﻭﻳﻨﺰﻝ ﺍﻟﺒﺎﺭﻱ ‏[ﺗﺒﺎﺭﻙ ‏] ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻓِﻲ ﻇُﻠَﻞٍ ﻣِﻦَ
ﺍﻟْﻐَﻤَﺎﻡِ { ﻟﻴﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺑﺎﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻌﺪﻝ ..
ﻓﺘﻮﺿﻊ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﻳﻦ, ﻭﺗﻨﺸﺮ ﺍﻟﺪﻭﺍﻭﻳﻦ, ﻭﺗﺒﻴﺾ ﻭﺟﻮﻩ ﺃﻫﻞ
ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻭﺗﺴﻮﺩ ﻭﺟﻮﻩ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﻘﺎﻭﺓ, ﻭﻳﺘﻤﻴﺰ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺮ، ﻭﻛﻞ ﻳﺠﺎﺯﻯ ﺑﻌﻤﻠﻪ، ﻓﻬﻨﺎﻟﻚ ﻳﻌﺾ ﺍﻟﻈﺎﻟﻢ ﻋﻠﻰ ﻳﺪﻳﻪ ﺇﺫﺍ ﻋﻠﻢ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻋﻠﻴﻪ ..
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻭﻣﺎ ﺃﺷﺒﻬﻬﺎ ﺩﻟﻴﻞ ﻟﻤﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ, ﺍﻟﻤﺜﺒﺘﻴﻦ ﻟﻠﺼﻔﺎﺕ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭﻳﺔ, ﻛﺎﻻﺳﺘﻮﺍﺀ, ﻭﺍﻟﻨﺰﻭﻝ, ﻭﺍﻟﻤﺠﻲﺀ, ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺧﺒﺮ ﺑﻬﺎ ﺗﻌﺎﻟﻰ , ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ, ﺃﻭ
ﺃﺧﺒﺮ ﺑﻬﺎ ﻋﻨﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻓﻴﺜﺒﺘﻮﻧﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﻳﻠﻴﻖ ﺑﺠﻼﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻋﻈﻤﺘﻪ , ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﺸﺒﻴﻪ ﻭﻻ ﺗﺤﺮﻳﻒ، ﺧﻼﻓﺎ ﻟﻠﻤﻌﻄﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﺃﻧﻮﺍﻋﻬﻢ, ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﻤﻴﺔ, ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ, ﻭﺍﻷﺷﻌﺮﻳﺔ ﻭﻧﺤﻮﻫﻢ, ﻣﻤﻦ ﻳﻨﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ, ﻭﻳﺘﺄﻭﻝ ﻷﺟﻠﻬﺎ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺑﺘﺄﻭﻳﻼﺕ ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺎﻥ, ﺑﻞ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ ﺍﻟﻘﺪﺡ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺑﻴﺎﻥ ﺭﺳﻮﻟﻪ, ﻭﺍﻟﺰﻋﻢ ﺑﺄﻥ ﻛﻼﻣﻬﻢ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﺼﻞ ﺑﻪ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ، ﻓﻬﺆﻻﺀ ﻟﻴﺲ ﻣﻌﻬﻢ ﺩﻟﻴﻞ ﻧﻘﻠﻲ, ﺑﻞ ﻭﻻ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻘﻠﻲ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻨﻘﻠﻲ ﻓﻘﺪ ﺍﻋﺘﺮﻓﻮﺍ ﺃﻥ
ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ, ﻇﺎﻫﺮﻫﺎ ﺑﻞ ﺻﺮﻳﺤﻬﺎ, ﺩﺍﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ, ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﻟﺪﻻﻟﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺬﻫﺒﻬﻢ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ, ﺃﻥ ﺗﺨﺮﺝ ﻋﻦ ﻇﺎﻫﺮﻫﺎ ﻭﻳﺰﺍﺩ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻳﻨﻘﺺ، ﻭﻫﺬﺍ ﻛﻤﺎ ﺗﺮﻯ ﻻ ﻳﺮﺗﻀﻴﻪ ﻣﻦ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﻣﺜﻘﺎﻝ ﺫﺭﺓ ﻣﻦ ﺇﻳﻤﺎﻥ .
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻠﻴﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻣﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ، ﺑﻞ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺩﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺎﻋﻞ ﺃﻛﻤﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻌﻞ, ﻭﺃﻥ ﻓﻌﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻖ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻭﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻖ ﺑﺨﻠﻘﻪ ﻫﻮ
ﻛﻤﺎﻝ، ﻓﺈﻥ ﺯﻋﻤﻮﺍ ﺃﻥ ﺇﺛﺒﺎﺗﻬﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﺑﺨﻠﻘﻪ، ﻗﻴﻞ ﻟﻬﻢ : ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ , ﻳﺘﺒﻊ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﺍﺕ، ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻟﻠﻪ ﺫﺍﺗﺎ ﻻ ﺗﺸﺒﻬﻬﺎ ﺍﻟﺬﻭﺍﺕ, ﻓﻠﻠﻪ ﺻﻔﺎﺕ ﻻ ﺗﺸﺒﻬﻬﺎ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ، ﻓﺼﻔﺎﺗﻪ ﺗﺒﻊ ﻟﺬﺍﺗﻪ, ﻭﺻﻔﺎﺕ ﺧﻠﻘﻪ , ﺗﺒﻊ ﻟﺬﻭﺍﺗﻬﻢ, ﻓﻠﻴﺲ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺗﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﺑﻮﺟﻪ ..
ﻭﻳﻘﺎﻝ ﺃﻳﻀًﺎ, ﻟﻤﻦ ﺃﺛﺒﺖ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ , ﻭﻧﻔﻰ ﺑﻌﻀًﺎ, ﺃﻭ ﺃﺛﺒﺖ ﺍﻷﺳﻤﺎﺀ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ: ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﺜﺒﺖ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﻛﻤﺎ ﺃﺛﺒﺘﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻨﻔﺴﻪ, ﻭﺃﺛﺒﺘﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ، ﻭﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﻨﻔﻲ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ, ﻭﺗﻜﻮﻥ ﻣﻨﻜﺮﺍ ﻟﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ، ﻭﺃﻣﺎ ﺇﺛﺒﺎﺗﻚ ﺑﻌﺾ ﺫﻟﻚ, ﻭﻧﻔﻴﻚ ﻟﺒﻌﻀﻪ, ﻓﻬﺬﺍ ﺗﻨﺎﻗﺾ، ﻓﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﻣﺎ ﺃﺛﺒﺘﻪ, ﻭﻣﺎ ﻧﻔﻴﺘﻪ, ﻭﻟﻦ ﺗﺠﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺳﺒﻴﻼ، ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖ : ﻣﺎ ﺃﺛﺒﺘﻪ ﻻ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎ، ﻗﺎﻝ ﻟﻚ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ : ﻭﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻟﻤﺎ ﻧﻔﻴﺘﻪ ﻻ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖ : ﻻ ﺃﻋﻘﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﻔﻴﺘﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ، ﻗﺎﻝ ﻟﻚ ﺍﻟﻨﻔﺎﺓ : ﻭﻧﺤﻦ ﻻ
ﻧﻌﻘﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺒﺘﻪ ﺇﻻ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ، ﻓﻤﺎ ﺃﺟﺒﺖ ﺑﻪ ﺍﻟﻨﻔﺎﺓ, ﺃﺟﺎﺑﻚ ﺑﻪ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ, ﻟﻤﺎ ﻧﻔﻴﺘﻪ ..
ﻭﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻧﻔﻰ ﺷﻴﺌًﺎ ﻭﺃﺛﺒﺖ ﺷﻴﺌًﺎ ﻣﻤﺎ ﺩﻝ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ
ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺇﺛﺒﺎﺗﻪ, ﻓﻬﻮ ﻣﺘﻨﺎﻗﺾ, ﻻ ﻳﺜﺒﺖ ﻟﻪ ﺩﻟﻴﻞ ﺷﺮﻋﻲ ﻭﻻ ﻋﻘﻠﻲ, ﺑﻞ ﻗﺪ ﺧﺎﻟﻒ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻝ ﻭﺍﻟﻤﻨﻘﻮﻝ ..

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين سبتمبر 22, 2014 8:44 pm

‏[216 ‏] } ﻛُﺘِﺐَ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢُ ﺍﻟْﻘِﺘَﺎﻝُ ﻭَﻫُﻮَ ﻛُﺮْﻩٌ ﻟَﻜُﻢْ ﻭَﻋَﺴَﻰ ﺃَﻥْ ﺗَﻜْﺮَﻫُﻮﺍ ﺷﻴﺌًﺎ ﻭَﻫُﻮَ ﺧَﻴْﺮٌ ﻟَﻜُﻢْ ﻭَﻋَﺴَﻰ ﺃَﻥْ ﺗُﺤِﺒُّﻮﺍ ﺷﻴﺌًﺎ ﻭَﻫُﻮَ ﺷَﺮٌّ ﻟَﻜُﻢْ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﻌْﻠَﻢُ ﻭَﺃَﻧْﺘُﻢْ ﻟَﺎ ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ{


ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺮﺽ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ, ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ
ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﻣﺄﻣﻮﺭﻳﻦ ﺑﺘﺮﻛﻪ, ﻟﻀﻌﻔﻬﻢ, ﻭﻋﺪﻡ ﺍﺣﺘﻤﺎﻟﻬﻢ ﻟﺬﻟﻚ، ﻓﻠﻤﺎ ﻫﺎﺟﺮ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ, ﻭﻛﺜﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ, ﻭﻗﻮﻭﺍ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ، ﻭﺃﺧﺒﺮ ﺃﻧﻪ ﻣﻜﺮﻭﻩ ﻟﻠﻨﻔﻮﺱ, ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺐ ﻭﺍﻟﻤﺸﻘﺔ, ﻭﺣﺼﻮﻝ ﺃﻧﻮﺍﻉ
ﺍﻟﻤﺨﺎﻭﻑ ﻭﺍﻟﺘﻌﺮﺽ ﻟﻠﻤﺘﺎﻟﻒ، ﻭﻣﻊ ﻫﺬﺍ, ﻓﻬﻮ ﺧﻴﺮ ﻣﺤﺾ, ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ, ﻭﺍﻟﺘﺤﺮﺯ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﺍﻷﻟﻴﻢ, ﻭﺍﻟﻨﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ ﻭﺍﻟﻈﻔﺮ ﺑﺎﻟﻐﻨﺎﺋﻢ, ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ, ﻣﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺮﺏ, ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺮﺍﻫﺔ } ﻭَﻋَﺴَﻰ ﺃَﻥْ ﺗُﺤِﺒُّﻮﺍ ﺷﻴﺌًﺎ ﻭَﻫُﻮَ ﺷَﺮٌّ ﻟَﻜُﻢْ{
ﻭﺫﻟﻚ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﻌﻮﺩ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻟﻄﻠﺐ ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ, ﻓﺈﻧﻪ ﺷﺮ, ﻷﻧﻪ
ﻳﻌﻘﺐ ﺍﻟﺨﺬﻻﻥ, ﻭﺗﺴﻠﻂ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺃﻫﻠﻪ, ﻭﺣﺼﻮﻝ ﺍﻟﺬﻝ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﻥ, ﻭﻓﻮﺍﺕ ﺍﻷﺟﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻭﺣﺼﻮﻝ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ .
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻋﺎﻣﺔ ﻣﻄﺮﺩﺓ, ﻓﻲ ﺃﻥ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﺮﻫﻬﺎ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ ﺃﻧﻬﺎ ﺧﻴﺮ ﺑﻼ ﺷﻚ، ﻭﺃﻥ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺸﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺐ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﻟﻤﺎ ﺗﺘﻮﻫﻤﻪ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﻭﺍﻟﻠﺬﺓ ﻓﻬﻲ ﺷﺮ ﺑﻼ ﺷﻚ . ﻭﺃﻣﺎ ﺃﺣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ, ﻓﻠﻴﺲ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﻄﺮﺩًﺍ, ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ , ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﺃﺣﺐ ﺃﻣﺮﺍ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺭ, ﻓﻘﻴﺾ ﺍﻟﻠﻪ ‏[ﻟﻪ ‏] ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻣﺎ ﻳﺼﺮﻓﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻧﻪ ﺧﻴﺮ ﻟﻪ, ﻓﺎﻷﻭﻓﻖ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ, ﺃﻥ ﻳﺸﻜﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ, ﻷﻧﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ
ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﺭﺣﻢ ﺑﺎﻟﻌﺒﺪ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻪ, ﻭﺃﻗﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻋﺒﺪﻩ ﻣﻨﻪ, ﻭﺃﻋﻠﻢ ﺑﻤﺼﻠﺤﺘﻪ ﻣﻨﻪ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ‏[ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ‏] } ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﻌْﻠَﻢُ ﻭَﺃَﻧْﺘُﻢْ ﻟَﺎ
ﺗَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ { ﻓﺎﻟﻼﺋﻖ ﺑﻜﻢ ﺃﻥ ﺗﺘﻤﺸﻮﺍ ﻣﻊ ﺃﻗﺪﺍﺭﻩ , ﺳﻮﺍﺀ ﺳﺮﺗﻜﻢ ﺃﻭ ﺳﺎﺀﺗﻜﻢ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ , ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻘﻴﺪ, ﻟﺸﻤﻞ ﺍﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﻡ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ, ﺍﺳﺘﺜﻨﻰ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﻡ ﻓﻘﺎﻝ :


‏[217 ‏] } ﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦِ ﺍﻟﺸَّﻬْﺮِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ ﻗِﺘَﺎﻝٍ ﻓِﻴﻪِ ﻗُﻞْ ﻗِﺘَﺎﻝٌ ﻓِﻴﻪِ ﻛَﺒِﻴﺮٌ ﻭَﺻَﺪٌّ ﻋَﻦْ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﻛُﻔْﺮٌ ﺑِﻪِ ﻭَﺍﻟْﻤَﺴْﺠِﺪِ ﺍﻟْﺤَﺮَﺍﻡِ ﻭَﺇِﺧْﺮَﺍﺝُ
ﺃَﻫْﻠِﻪِ ﻣِﻨْﻪُ ﺃَﻛْﺒَﺮُ ﻋِﻨْﺪَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟْﻔِﺘْﻨَﺔُ ﺃَﻛْﺒَﺮُ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻘَﺘْﻞِ ﻭَﻟَﺎ ﻳَﺰَﺍﻟُﻮﻥَ ﻳُﻘَﺎﺗِﻠُﻮﻧَﻜُﻢْ ﺣَﺘَّﻰ ﻳَﺮُﺩُّﻭﻛُﻢْ ﻋَﻦْ ﺩِﻳﻨِﻜُﻢْ ﺇِﻥِ ﺍﺳْﺘَﻄَﺎﻋُﻮﺍ ﻭَﻣَﻦْ ﻳَﺮْﺗَﺪِﺩْ ﻣِﻨْﻜُﻢْ ﻋَﻦْ ﺩِﻳﻨِﻪِ ﻓَﻴَﻤُﺖْ ﻭَﻫُﻮَ ﻛَﺎﻓِﺮٌ ﻓَﺄُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺣَﺒِﻄَﺖْ ﺃَﻋْﻤَﺎﻟُﻬُﻢْ ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ ﻭَﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺃَﺻْﺤَﺎﺏُ ﺍﻟﻨَّﺎﺭِ ﻫُﻢْ ﻓِﻴﻬَﺎ ﺧَﺎﻟِﺪُﻭﻥَ{


ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﻡ, ﻣﻨﺴﻮﺥ ﺑﺎﻷﻣﺮ ﺑﻘﺘﺎﻝ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﺣﻴﺜﻤﺎ ﻭﺟﺪﻭﺍ، ﻭﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻔﺴﺮﻳﻦ :
ﺇﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻨﺴﺦ, ﻷﻥ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ﻣﺤﻤﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻘﻴﺪ، ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻣﻘﻴﺪﺓ ﻟﻌﻤﻮﻡ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ ﻣﻄﻠﻘﺎ؛ ﻭﻷﻥ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﺰﻳﺔ ﺍﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﻡ، ﺑﻞ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﺰﺍﻳﺎﻫﺎ, ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻓﻴﻬﺎ, ﻭﻫﺬﺍ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻲ ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻻﺑﺘﺪﺍﺀ، ﻭﺃﻣﺎ ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻟﺪﻓﻊ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺠﻮﺯ ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﻡ, ﻛﻤﺎ ﻳﺠﻮﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻧﺎﺯﻟﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﻣﺎ ﺣﺼﻞ, ﻟﺴﺮﻳﺔ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺟﺤﺶ, ﻭﻗﺘﻠﻬﻢ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﻀﺮﻣﻲ, ﻭﺃﺧﺬﻫﻢ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ , ﻭﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ـ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻗﻴﻞ ـ ﻓﻲ ﺷﻬﺮ ﺭﺟﺐ، ﻋﻴﺮﻫﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻮﻥ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ ﺑﺎﻷﺷﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﻡ, ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻓﻲ ﺗﻌﻴﻴﺮﻫﻢ ﻇﺎﻟﻤﻴﻦ, ﺇﺫ ﻓﻴﻬﻢ
ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺒﺎﺋﺢ ﻣﺎ ﺑﻌﻀﻪ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻤﺎ ﻋﻴﺮﻭﺍ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ, ﻗﺎﻝ
ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﻢ : } ﻭَﺻَﺪٌّ ﻋَﻦْ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﺃﻱ : ﺻﺪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ ﻣﻦ ﻳﺮﻳﺪ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺑﺮﺳﻮﻟﻪ, ﻭﻓﺘﻨﺘﻬﻢ ﻣﻦ ﺁﻣﻦ ﺑﻪ, ﻭﺳﻌﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺭﺩﻫﻢ ﻋﻦ ﺩﻳﻨﻬﻢ, ﻭﻛﻔﺮﻫﻢ ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻬﺮ
ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ, ﻭﺍﻟﺒﻠﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ, ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺑﻤﺠﺮﺩﻩ, ﻛﺎﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮ،
ﻓﻜﻴﻒ ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺷﻬﺮ ﺣﺮﺍﻡ ﻭﺑﻠﺪ ﺣﺮﺍﻡ؟ ! }ﻭَﺇِﺧْﺮَﺍﺝُ ﺃَﻫْﻠِﻪِ { ﺃﻱ : ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ, ﻭﻫﻢ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ, ﻷﻧﻬﻢ ﺃﺣﻖ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﻴﻦ, ﻭﻫﻢ ﻋﻤﺎﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ, ﻓﺄﺧﺮﺟﻮﻫﻢ }ﻣِﻨْﻪُ { ﻭﻟﻢ ﻳﻤﻜﻨﻮﻫﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻴﻪ, ﻣﻊ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺳﻮﺍﺀ ﺍﻟﻌﺎﻛﻒ ﻓﻴﻪ ﻭﺍﻟﺒﺎﺩ، ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻬﺎ } ﺃَﻛْﺒَﺮُ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻘَﺘْﻞِ{ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻬﺮ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ, ﻓﻜﻴﻒ ﻭﻗﺪ ﺍﺟﺘﻤﻌﺖ
ﻓﻴﻬﻢ؟ ! ﻓﻌﻠﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻓﺴﻘﺔ ﻇﻠﻤﺔ, ﻓﻲ ﺗﻌﻴﻴﺮﻫﻢ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ . ﺛﻢ ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻧﻬﻢ ﻟﻦ ﻳﺰﺍﻟﻮﺍ ﻳﻘﺎﺗﻠﻮﻥ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻭﻟﻴﺲ ﻏﺮﺿﻬﻢ ﻓﻲ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ ﻭﻗﺘﻠﻬﻢ , ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻏﺮﺿﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﺮﺟﻌﻮﻫﻢ ﻋﻦ ﺩﻳﻨﻬﻢ, ﻭﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻛﻔﺎﺭﺍ ﺑﻌﺪ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﺴﻌﻴﺮ، ﻓﻬﻢ ﺑﺎﺫﻟﻮﻥ ﻗﺪﺭﺗﻬﻢ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ, ﺳﺎﻋﻮﻥ ﺑﻤﺎ ﺃﻣﻜﻨﻬﻢ , } ﻭﻳﺄﺑﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻻ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﻧﻮﺭﻩ ﻭﻟﻮ ﻛﺮﻩ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮﻭﻥ{
ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺻﻒ ﻋﺎﻡ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ, ﻻ ﻳﺰﺍﻟﻮﻥ ﻳﻘﺎﺗﻠﻮﻥ ﻏﻴﺮﻫﻢ , ﺣﺘﻰ ﻳﺮﺩﻭﻫﻢ ﻋﻦ ﺩﻳﻨﻬﻢ، ﻭ ﺧﺼﻮﺻًﺎ , ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ, ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭﺍﻟﻨﺼﺎﺭﻯ, ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺑﺬﻟﻮﺍ ﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺎﺕ, ﻭﻧﺸﺮﻭﺍ ﺍﻟﺪﻋﺎﺓ, ﻭﺑﺜﻮﺍ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ , ﻭﺑﻨﻮﺍ ﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ, ﻟﺠﺬﺏ ﺍﻷﻣﻢ ﺇﻟﻰ ﺩﻳﻨﻬﻢ, ﻭﺗﺪﺧﻴﻠﻬﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ, ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺒﻪ, ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻜﻬﻢ ﻓﻲ ﺩﻳﻨﻬﻢ .
ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺮﺟﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺍﻟﺬﻱ ﻣَﻦّ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ
ﺑﺎﻹﺳﻼﻡ, ﻭﺍﺧﺘﺎﺭ ﻟﻬﻢ ﺩﻳﻨﻪ ﺍﻟﻘﻴﻢ, ﻭﺃﻛﻤﻞ ﻟﻬﻢ ﺩﻳﻨﻪ، ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻧﻌﻤﺘﻪ ﺑﺎﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻪ ﺃﺗﻢ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ, ﻭﺃﻥ ﻳﺨﺬﻝ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﻄﻔﺊ ﻧﻮﺭﻩ, ﻭﻳﺠﻌﻞ ﻛﻴﺪﻫﻢ ﻓﻲ ﻧﺤﻮﺭﻫﻢ, ﻭﻳﻨﺼﺮ ﺩﻳﻨﻪ , ﻭﻳﻌﻠﻲ ﻛﻠﻤﺘﻪ .
ﻭﺗﻜﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﺻﺎﺩﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﻳﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ, ﻛﻤﺎ ﺻﺪﻗﺖ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻬﻢ: } ﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭﺍ ﻳُﻨْﻔِﻘُﻮﻥَ ﺃَﻣْﻮَﺍﻟَﻬُﻢْ ﻟِﻴَﺼُﺪُّﻭﺍ ﻋَﻦْ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﺴَﻴُﻨْﻔِﻘُﻮﻧَﻬَﺎ ﺛُﻢَّ ﺗَﻜُﻮﻥُ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ﺣَﺴْﺮَﺓً ﺛُﻢَّ ﻳُﻐْﻠَﺒُﻮﻥَ ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻛَﻔَﺮُﻭﺍ ﺇِﻟَﻰ ﺟَﻬَﻨَّﻢَ ﻳُﺤْﺸَﺮُﻭﻥَ { ﺛﻢ ﺃﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﺪ ﻋﻦ ﺍﻹﺳﻼﻡ, ﺑﺄﻥ ﺍﺧﺘﺎﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻜﻔﺮ ﻭﺍﺳﺘﻤﺮ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺣﺘﻰ ﻣﺎﺕ ﻛﺎﻓﺮﺍ، } ﻓَﺄُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺣَﺒِﻄَﺖْ ﺃَﻋْﻤَﺎﻟُﻬُﻢْ
ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ { ﻟﻌﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺷﺮﻃﻬﺎ ﻭﻫﻮ ﺍﻹﺳﻼﻡ،
} ﻭَﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺃَﺻْﺤَﺎﺏُ ﺍﻟﻨَّﺎﺭِ ﻫُﻢْ ﻓِﻴﻬَﺎ ﺧَﺎﻟِﺪُﻭﻥَ { ﻭﺩﻟﺖ ﺍﻵﻳﺔ ﺑﻤﻔﻬﻮﻣﻬﺎ, ﺃﻥ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﺪ ﺛﻢ ﻋﺎﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﺳﻼﻡ, ﺃﻧﻪ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻴﻪ ﻋﻤﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺒﻞ ﺭﺩﺗﻪ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻣﻦ ﺗﺎﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ, ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻌﻮﺩ ﺇﻟﻴﻪ ﺃﻋﻤﺎﻟﻪ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ .


‏[218 ‏] } ﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻫَﺎﺟَﺮُﻭﺍ ﻭَﺟَﺎﻫَﺪُﻭﺍ ﻓِﻲ ﺳَﺒِﻴﻞِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻳَﺮْﺟُﻮﻥَ ﺭَﺣْﻤَﺔَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ{


ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ, ﻫﻲ ﻋﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻭﻗﻄﺐ ﺭﺣﻰ
ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ, ﻭﺑﻬﺎ ﻳﻌﺮﻑ ﻣﺎ ﻣﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ , ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺑﺢ ﻭﺍﻟﺨﺴﺮﺍﻥ، ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ, ﻓﻼ ﺗﺴﺄﻝ ﻋﻦ ﻓﻀﻴﻠﺘﻪ, ﻭﻛﻴﻒ ﺗﺴﺄﻝ ﻋﻦ ﺷﻲﺀ ﻫﻮ ﺍﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﻘﺎﻭﺓ, ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻨﺎﺭ؟ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﺒﺪ, ﻗﺒﻠﺖ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻣﻨﻪ, ﻭﺇﺫﺍ ﻋﺪﻡ ﻣﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻘﺒﻞ ﻟﻪ ﺻﺮﻑ ﻭﻻ ﻋﺪﻝ, ﻭﻻ ﻓﺮﺽ, ﻭﻻ ﻧﻔﻞ .
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻬﺠﺮﺓ : ﻓﻬﻲ ﻣﻔﺎﺭﻗﺔ ﺍﻟﻤﺤﺒﻮﺏ ﺍﻟﻤﺄﻟﻮﻑ, ﻟﺮﺿﺎ ﺍﻟﻠﻪ
ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻴﺘﺮﻙ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮ ﻭﻃﻨﻪ ﻭﺃﻣﻮﺍﻟﻪ, ﻭﺃﻫﻠﻪ, ﻭﺧﻼﻧﻪ, ﺗﻘﺮﺑﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻧﺼﺮﺓ ﻟﺪﻳﻨﻪ .
ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ : ﻓﻬﻮ ﺑﺬﻝ ﺍﻟﺠﻬﺪ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺭﻋﺔ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ, ﻭﺍﻟﺴﻌﻲ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﻓﻲ ﻧﺼﺮﺓ ﺩﻳﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻗﻤﻊ ﺩﻳﻦ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ، ﻭﻫﻮ ﺫﺭﻭﺓ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ, ﻭﺟﺰﺍﺅﻩ, ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻷﻛﺒﺮ, ﻟﺘﻮﺳﻴﻊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺧﺬﻻﻥ ﻋﺒﺎﺩ ﺍﻷﺻﻨﺎﻡ, ﻭﺃﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ
ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ ﻭﺃﻭﻻﺩﻫﻢ .
ﻓﻤﻦ ﻗﺎﻡ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻋﻠﻰ ﻷﻭﺍﺋﻬﺎ ﻭﻣﺸﻘﺘﻬﺎ ﻛﺎﻥ ﻟﻐﻴﺮﻫﺎ ﺃﺷﺪ ﻗﻴﺎﻣﺎ ﺑﻪ ﻭﺗﻜﻤﻴﻠًﺎ . ﻓﺤﻘﻴﻖ ﺑﻬﺆﻻﺀ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻫﻢ ﺍﻟﺮﺍﺟﻮﻥ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ, ﻷﻧﻬﻢ ﺃﺗﻮﺍ ﺑﺎﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻤﻮﺟﺐ ﻟﻠﺮﺣﻤﺔ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺟﺎﺀ ﻻ
ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺄﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﺮﺟﺎﺀ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻟﻠﻜﺴﻞ, ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺎﻷﺳﺒﺎﺏ, ﻓﻬﺬﺍ ﻋﺠﺰ ﻭﺗﻤﻦ ﻭﻏﺮﻭﺭ، ﻭﻫﻮ ﺩﺍﻝ ﻋﻠﻰ ﺿﻌﻒ ﻫﻤﺔ ﺻﺎﺣﺒﻪ, ﻭﻧﻘﺺ ﻋﻘﻠﻪ, ﺑﻤﻨﺰﻟﺔ ﻣﻦ ﻳﺮﺟﻮ
ﻭﺟﻮﺩ ﻭﻟﺪ ﺑﻼ ﻧﻜﺎﺡ, ﻭﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻐﻠﺔ ﺑﻼ ﺑﺬﺭ, ﻭﺳﻘﻲ, ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ . ﻭﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: } ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻳَﺮْﺟُﻮﻥَ ﺭَﺣْﻤَﺔَ ﺍﻟﻠَّﻪِ{ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﻟﻮ ﺃﺗﻰ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺑﻤﺎ ﺃﺗﻰ ﺑﻪ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﻭﻳﻌﻮﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﺑﻞ ﻳﺮﺟﻮ ﺭﺣﻤﺔ ﺭﺑﻪ, ﻭﻳﺮﺟﻮ ﻗﺒﻮﻝ ﺃﻋﻤﺎﻟﻪ ﻭﻣﻐﻔﺮﺓ ﺫﻧﻮﺑﻪ, ﻭﺳﺘﺮ ﻋﻴﻮﺑﻪ .
ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ : } ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭٌ { ﺃﻱ : ﻟﻤﻦ ﺗﺎﺏ ﺗﻮﺑﺔ ﻧﺼﻮﺣﺎ }ﺭَﺣِﻴﻢٌ {
ﻭﺳﻌﺖ ﺭﺣﻤﺘﻪ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ, ﻭﻋﻢ ﺟﻮﺩﻩ ﻭﺇﺣﺴﺎﻧﻪ ﻛﻞ ﺣﻲ . ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻗﺎﻡ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ, ﺣﺼﻞ ﻟﻪ ﻣﻐﻔﺮﺓ ﺍﻟﻠﻪ, ﺇﺫ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ ﻳﺬﻫﺒﻦ ﺍﻟﺴﻴﺌﺎﺕ ﻭﺣﺼﻠﺖ ﻟﻪ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ .
ﻭﺇﺫﺍ ﺣﺼﻠﺖ ﻟﻪ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ, ﺍﻧﺪﻓﻌﺖ ﻋﻨﻪ ﻋﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ، ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻟﺬﻧﻮﺏ, ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻏﻔﺮﺕ ﻭﺍﺿﻤﺤﻠﺖ ﺁﺛﺎﺭﻫﺎ، ﻭﺇﺫﺍ
ﺣﺼﻠﺖ ﻟﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ, ﺣﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺧﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ؛ ﺑﻞ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﺍﻟﻤﺬﻛﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﻢ, ﻓﻠﻮﻻ ﺗﻮﻓﻴﻘﻪ ﺇﻳﺎﻫﻢ, ﻟﻢ ﻳﺮﻳﺪﻭﻫﺎ, ﻭﻟﻮﻻ ﺇﻗﺪﺍﺭﻫﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﻟﻢ ﻳﻘﺪﺭﻭﺍ ﻋﻠﻴﻬﺎ, ﻭﻟﻮﻻ ﺇﺣﺴﺎﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻤﻬﺎ ﻭﻳﻘﺒﻠﻬﺎ ﻣﻨﻬﻢ، ﻓﻠﻪ ﺍﻟﻔﻀﻞ ﺃﻭﻻ ﻭﺁﺧﺮﺍ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻦّ
ﺑﺎﻟﺴﺒﺐ ﻭﺍﻟﻤﺴﺒﺐ .


‏[219 ـ 220 ‏] ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦِ ﺍﻟْﺨَﻤْﺮِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻴْﺴِﺮِ ﻗُﻞْ ﻓِﻴﻬِﻤَﺎ ﺇِﺛْﻢٌ ﻛَﺒِﻴﺮٌ ﻭَﻣَﻨَﺎﻓِﻊُ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻭَﺇِﺛْﻤُﻬُﻤَﺎ ﺃَﻛْﺒَﺮُ ﻣِﻦْ ﻧَﻔْﻌِﻬِﻤَﺎ
ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻣَﺎﺫَﺍ ﻳُﻨْﻔِﻘُﻮﻥَ ﻗُﻞِ ﺍﻟْﻌَﻔْﻮَ ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺂﻳَﺎﺕِ ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ *ٌ


ﺃﻱ : ﻳﺴﺄﻟﻚ ـ ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ـ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﻋﻦ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺨﻤﺮ ﻭﺍﻟﻤﻴﺴﺮ, ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻧﺎ ﻣﺴﺘﻌﻤﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﻭﺃﻭﻝ ﺍﻹﺳﻼﻡ, ﻓﻜﺄﻧﻪ ﻭﻗﻊ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﺇﺷﻜﺎﻝ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺳﺄﻟﻮﺍ ﻋﻦ ﺣﻜﻤﻬﻤﺎ، ﻓﺄﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ
ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻧﺒﻴﻪ, ﺃﻥ ﻳﺒﻴﻦ ﻟﻬﻢ ﻣﻨﺎﻓﻌﻬﻤﺎ ﻭﻣﻀﺎﺭﻫﻤﺎ, ﻟﻴﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻟﺘﺤﺮﻳﻤﻬﻤﺎ, ﻭﺗﺤﺘﻴﻢ ﺗﺮﻛﻬﻤﺎ .
ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺃﻥ ﺇﺛﻤﻬﻤﺎ ﻭﻣﻀﺎﺭﻫﻤﺎ, ﻭﻣﺎ ﻳﺼﺪﺭ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺫﻫﺎﺏ
ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ , ﻭﺍﻟﺼﺪ ﻋﻦ ﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺼﻼﺓ, ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻭﺓ, ﻭﺍﻟﺒﻐﻀﺎﺀ ـ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﻈﻨﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﻧﻔﻌﻬﻤﺎ, ﻣﻦ ﻛﺴﺐ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﺎﻟﺘﺠﺎﺭﺓ ﺑﺎﻟﺨﻤﺮ , ﻭﺗﺤﺼﻴﻠﻪ ﺑﺎﻟﻘﻤﺎﺭ ﻭﺍﻟﻄﺮﺏ ﻟﻠﻨﻔﻮﺱ, ﻋﻨﺪ ﺗﻌﺎﻃﻴﻬﻤﺎ، ﻭﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺯﺍﺟﺮﺍ ﻟﻠﻨﻔﻮﺱ ﻋﻨﻬﻤﺎ, ﻷﻥ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ
ﻳﺮﺟﺢ ﻣﺎ ﺗﺮﺟﺤﺖ ﻣﺼﻠﺤﺘﻪ , ﻭﻳﺠﺘﻨﺐ ﻣﺎ ﺗﺮﺟﺤﺖ ﻣﻀﺮﺗﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺃﻟﻔﻮﻫﻤﺎ, ﻭﺻﻌﺐ ﺍﻟﺘﺤﺘﻴﻢ ﺑﺘﺮﻛﻬﻤﺎ ﺃﻭﻝ ﻭﻫﻠﺔ, ﻗﺪﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻟﻠﺘﺤﺮﻳﻢ, ﺍﻟﺬﻱ ﺫﻛﺮﻩ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﺍﻟْﺨَﻤْﺮُ ﻭَﺍﻟْﻤَﻴْﺴِﺮُ ﻭَﺍﻟْﺄَﻧْﺼَﺎﺏُ ﻭَﺍﻟْﺄَﺯْﻟَﺎﻡُ ﺭِﺟْﺲٌ ﻣِﻦْ
ﻋَﻤَﻞِ ﺍﻟﺸَّﻴْﻄَﺎﻥِ { ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻟﻪ : }ﻣُﻨْﺘَﻬُﻮﻥَ { ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﻟﻄﻔﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻟﻤﺎ ﻧﺰﻟﺖ, ﻗﺎﻝ ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ : ﺍﻧﺘﻬﻴﻨﺎ ﺍﻧﺘﻬﻴﻨﺎ .
ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻟﺨﻤﺮ : ﻓﻬﻮ ﻛﻞ ﻣﺴﻜﺮ ﺧﺎﻣﺮ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﻏﻄﺎﻩ, ﻣﻦ ﺃﻱ ﻧﻮﻉ ﻛﺎﻥ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﻴﺴﺮ : ﻓﻬﻮ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻐﺎﻟﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻮﺽ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ, ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺮﺩ, ﻭﺍﻟﺸﻄﺮﻧﺞ, ﻭﻛﻞ ﻣﻐﺎﻟﺒﺔ ﻗﻮﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﻓﻌﻠﻴﺔ, ﺑﻌﻮﺽ ﺳﻮﻯ ﻣﺴﺎﺑﻘﺔ ﺍﻟﺨﻴﻞ, ﻭﺍﻹﺑﻞ, ﻭﺍﻟﺴﻬﺎﻡ, ﻓﺈﻧﻬﺎ
ﻣﺒﺎﺣﺔ, ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺭﺧﺺ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ .
} ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻣَﺎﺫَﺍ ﻳُﻨْﻔِﻘُﻮﻥَ ﻗُﻞِ ﺍﻟْﻌَﻔْﻮَ ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺂﻳَﺎﺕِ ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ {
ﻭﻫﺬﺍ ﺳﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﻣﻘﺪﺍﺭ ﻣﺎ ﻳﻨﻔﻘﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ، ﻓﻴﺴﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ ﺍﻷﻣﺮ, ﻭﺃﻣﺮﻫﻢ ﺃﻥ ﻳﻨﻔﻘﻮﺍ ﺍﻟﻌﻔﻮ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺘﻴﺴﺮ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ, ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻪ ﺣﺎﺟﺘﻬﻢ ﻭﺿﺮﻭﺭﺗﻬﻢ، ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺃﺣﺪ ﺑﺤﺴﺒﻪ, ﻣﻦ ﻏﻨﻲ ﻭﻓﻘﻴﺮ ﻭﻣﺘﻮﺳﻂ, ﻛﻞ ﻟﻪ ﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﻔﺎﻕ ﻣﺎ ﻋﻔﺎ ﻣﻦ ﻣﺎﻟﻪ, ﻭﻟﻮ ﺷﻖ ﺗﻤﺮﺓ . ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻌﻔﻮ ﻣﻦ ﺃﺧﻼﻕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺻﺪﻗﺎﺗﻬﻢ, ﻭﻻ ﻳﻜﻠﻔﻬﻢ ﻣﺎ ﻳﺸﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ . ﺫﻟﻚ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻟﻢ ﻳﺄﻣﺮﻧﺎ ﺑﻤﺎ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺑﻪ ﺣﺎﺟﺔ ﻣﻨﻪ ﻟﻨﺎ, ﺃﻭ ﺗﻜﻠﻴﻔﺎ ﻟﻨﺎ ‏[ﺑﻤﺎ ﻳﺸﻖ ‏] ﺑﻞ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﺳﻌﺎﺩﺗﻨﺎ, ﻭﻣﺎ ﻳﺴﻬﻞ ﻋﻠﻴﻨﺎ, ﻭﻣﺎ ﺑﻪ ﺍﻟﻨﻔﻊ ﻟﻨﺎ ﻭﻹﺧﻮﺍﻧﻨﺎ ﻓﻴﺴﺘﺤﻖ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﺗﻢ
ﺍﻟﺤﻤﺪ . ﻭﻟﻤﺎ ﺑﻴّﻦ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﺸﺎﻓﻲ, ﻭﺃﻃﻠﻊ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺷﺮﻋﻪ ﻗﺎﻝ : } ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺂﻳَﺎﺕِ { ﺃﻱ : ﺍﻟﺪﺍﻻﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ, ﺍﻟﻤﺤﺼﻼﺕ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﻓﻊ ﻭﺍﻟﻔﺮﻗﺎﻥ، }ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ { ﺃﻱ : ﻟﻜﻲ ﺗﺴﺘﻌﻤﻠﻮﺍ ﺃﻓﻜﺎﺭﻛﻢ ﻓﻲ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺷﺮﻋﻪ, ﻭﺗﻌﺮﻓﻮﺍ ﺃﻥ ﺃﻭﺍﻣﺮﻩ, ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻭﺃﻳﻀًﺎ ﻟﻜﻲ ﺗﺘﻔﻜﺮﻭﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺳﺮﻋﺔ ﺍﻧﻘﻀﺎﺋﻬﺎ, ﻓﺘﺮﻓﻀﻮﻫﺎ ﻭﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﻭﺑﻘﺎﺋﻬﺎ, ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﻓﺘﻌﻤﺮﻭﻫﺎ ..

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين سبتمبر 22, 2014 8:51 pm

‏[219 ـ 220 ‏] ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦِ ﺍﻟْﺨَﻤْﺮِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻴْﺴِﺮِ ﻗُﻞْ ﻓِﻴﻬِﻤَﺎ ﺇِﺛْﻢٌ ﻛَﺒِﻴﺮٌ ﻭَﻣَﻨَﺎﻓِﻊُ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻭَﺇِﺛْﻤُﻬُﻤَﺎ ﺃَﻛْﺒَﺮُ ﻣِﻦْ ﻧَﻔْﻌِﻬِﻤَﺎ ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻣَﺎﺫَﺍ ﻳُﻨْﻔِﻘُﻮﻥَ ﻗُﻞِ ﺍﻟْﻌَﻔْﻮَ ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺂﻳَﺎﺕِ ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ * ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦِ ﺍﻟْﻴَﺘَﺎﻣَﻰ ﻗُﻞْ ﺇِﺻْﻠَﺎﺡٌ ﻟَﻬُﻢْ ﺧَﻴْﺮٌ ﻭَﺇِﻥْ ﺗُﺨَﺎﻟِﻄُﻮﻫُﻢْ ﻓَﺈِﺧْﻮَﺍﻧُﻜُﻢْ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﻌْﻠَﻢُ ﺍﻟْﻤُﻔْﺴِﺪَ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻤُﺼْﻠِﺢِ ﻭَﻟَﻮْ ﺷَﺎﺀَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﺄَﻋْﻨَﺘَﻜُﻢْ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ{
ﺃﻱ : ﻳﺴﺄﻟﻚ ـ ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ـ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﻋﻦ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺨﻤﺮ ﻭﺍﻟﻤﻴﺴﺮ, ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻧﺎ ﻣﺴﺘﻌﻤﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﻭﺃﻭﻝ ﺍﻹﺳﻼﻡ, ﻓﻜﺄﻧﻪ ﻭﻗﻊ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﺇﺷﻜﺎﻝ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺳﺄﻟﻮﺍ ﻋﻦ ﺣﻜﻤﻬﻤﺎ، ﻓﺄﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻧﺒﻴﻪ, ﺃﻥ ﻳﺒﻴﻦ ﻟﻬﻢ ﻣﻨﺎﻓﻌﻬﻤﺎ ﻭﻣﻀﺎﺭﻫﻤﺎ, ﻟﻴﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻟﺘﺤﺮﻳﻤﻬﻤﺎ, ﻭﺗﺤﺘﻴﻢ ﺗﺮﻛﻬﻤﺎ .
ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺃﻥ ﺇﺛﻤﻬﻤﺎ ﻭﻣﻀﺎﺭﻫﻤﺎ, ﻭﻣﺎ ﻳﺼﺪﺭ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺫﻫﺎﺏ
ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ , ﻭﺍﻟﺼﺪ ﻋﻦ ﺫﻛﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺼﻼﺓ, ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻭﺓ, ﻭﺍﻟﺒﻐﻀﺎﺀ ـ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﻈﻨﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﻧﻔﻌﻬﻤﺎ, ﻣﻦ ﻛﺴﺐ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﺎﻟﺘﺠﺎﺭﺓ ﺑﺎﻟﺨﻤﺮ , ﻭﺗﺤﺼﻴﻠﻪ ﺑﺎﻟﻘﻤﺎﺭ ﻭﺍﻟﻄﺮﺏ ﻟﻠﻨﻔﻮﺱ, ﻋﻨﺪ ﺗﻌﺎﻃﻴﻬﻤﺎ، ﻭﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺯﺍﺟﺮﺍ ﻟﻠﻨﻔﻮﺱ ﻋﻨﻬﻤﺎ, ﻷﻥ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ ﻳﺮﺟﺢ ﻣﺎ ﺗﺮﺟﺤﺖ ﻣﺼﻠﺤﺘﻪ , ﻭﻳﺠﺘﻨﺐ ﻣﺎ ﺗﺮﺟﺤﺖ ﻣﻀﺮﺗﻪ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺃﻟﻔﻮﻫﻤﺎ, ﻭﺻﻌﺐ ﺍﻟﺘﺤﺘﻴﻢ ﺑﺘﺮﻛﻬﻤﺎ ﺃﻭﻝ ﻭﻫﻠﺔ, ﻗﺪﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻟﻠﺘﺤﺮﻳﻢ, ﺍﻟﺬﻱ ﺫﻛﺮﻩ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ : } ﻳَﺎ ﺃَﻳُّﻬَﺎ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﺍﻟْﺨَﻤْﺮُ ﻭَﺍﻟْﻤَﻴْﺴِﺮُ ﻭَﺍﻟْﺄَﻧْﺼَﺎﺏُ ﻭَﺍﻟْﺄَﺯْﻟَﺎﻡُ ﺭِﺟْﺲٌ ﻣِﻦْ ﻋَﻤَﻞِ ﺍﻟﺸَّﻴْﻄَﺎﻥِ { ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻟﻪ : }ﻣُﻨْﺘَﻬُﻮﻥَ { ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﻟﻄﻔﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻟﻤﺎ ﻧﺰﻟﺖ, ﻗﺎﻝ ﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ : ﺍﻧﺘﻬﻴﻨﺎ ﺍﻧﺘﻬﻴﻨﺎ .
ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻟﺨﻤﺮ : ﻓﻬﻮ ﻛﻞ ﻣﺴﻜﺮ ﺧﺎﻣﺮ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﻏﻄﺎﻩ, ﻣﻦ ﺃﻱ ﻧﻮﻉ ﻛﺎﻥ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﻴﺴﺮ : ﻓﻬﻮ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻐﺎﻟﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻮﺽ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ, ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺮﺩ, ﻭﺍﻟﺸﻄﺮﻧﺞ, ﻭﻛﻞ ﻣﻐﺎﻟﺒﺔ ﻗﻮﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﻓﻌﻠﻴﺔ, ﺑﻌﻮﺽ ﺳﻮﻯ ﻣﺴﺎﺑﻘﺔ ﺍﻟﺨﻴﻞ, ﻭﺍﻹﺑﻞ, ﻭﺍﻟﺴﻬﺎﻡ, ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻣﺒﺎﺣﺔ, ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺭﺧﺺ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ .


} ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻣَﺎﺫَﺍ ﻳُﻨْﻔِﻘُﻮﻥَ ﻗُﻞِ ﺍﻟْﻌَﻔْﻮَ ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺂﻳَﺎﺕِ ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ {
ﻭﻫﺬﺍ ﺳﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﻣﻘﺪﺍﺭ ﻣﺎ ﻳﻨﻔﻘﻮﻧﻪ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ، ﻓﻴﺴﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ ﺍﻷﻣﺮ, ﻭﺃﻣﺮﻫﻢ ﺃﻥ ﻳﻨﻔﻘﻮﺍ ﺍﻟﻌﻔﻮ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺘﻴﺴﺮ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ, ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻪ ﺣﺎﺟﺘﻬﻢ ﻭﺿﺮﻭﺭﺗﻬﻢ، ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﻛﻞ ﺃﺣﺪ ﺑﺤﺴﺒﻪ, ﻣﻦ ﻏﻨﻲ ﻭﻓﻘﻴﺮ ﻭﻣﺘﻮﺳﻂ, ﻛﻞ ﻟﻪ ﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﻔﺎﻕ ﻣﺎ ﻋﻔﺎ ﻣﻦ ﻣﺎﻟﻪ, ﻭﻟﻮ ﺷﻖ ﺗﻤﺮﺓ .
ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻌﻔﻮ ﻣﻦ ﺃﺧﻼﻕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺻﺪﻗﺎﺗﻬﻢ, ﻭﻻ ﻳﻜﻠﻔﻬﻢ ﻣﺎ ﻳﺸﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ . ﺫﻟﻚ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻟﻢ ﻳﺄﻣﺮﻧﺎ ﺑﻤﺎ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺑﻪ ﺣﺎﺟﺔ ﻣﻨﻪ ﻟﻨﺎ, ﺃﻭ ﺗﻜﻠﻴﻔﺎ ﻟﻨﺎ ‏[ﺑﻤﺎ ﻳﺸﻖ ‏] ﺑﻞ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﺳﻌﺎﺩﺗﻨﺎ, ﻭﻣﺎ ﻳﺴﻬﻞ ﻋﻠﻴﻨﺎ, ﻭﻣﺎ ﺑﻪ ﺍﻟﻨﻔﻊ ﻟﻨﺎ ﻭﻹﺧﻮﺍﻧﻨﺎ ﻓﻴﺴﺘﺤﻖ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﺗﻢ ﺍﻟﺤﻤﺪ .
ﻭﻟﻤﺎ ﺑﻴّﻦ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﺸﺎﻓﻲ, ﻭﺃﻃﻠﻊ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺷﺮﻋﻪ ﻗﺎﻝ : } ﻛَﺬَﻟِﻚَ ﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢُ ﺍﻟْﺂﻳَﺎﺕِ { ﺃﻱ : ﺍﻟﺪﺍﻻﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ, ﺍﻟﻤﺤﺼﻼﺕ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﻓﻊ ﻭﺍﻟﻔﺮﻗﺎﻥ، }ﻟَﻌَﻠَّﻜُﻢْ ﺗَﺘَﻔَﻜَّﺮُﻭﻥَ ﻓِﻲ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻭَﺍﻟْﺂﺧِﺮَﺓِ { ﺃﻱ : ﻟﻜﻲ ﺗﺴﺘﻌﻤﻠﻮﺍ ﺃﻓﻜﺎﺭﻛﻢ ﻓﻲ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺷﺮﻋﻪ, ﻭﺗﻌﺮﻓﻮﺍ ﺃﻥ ﺃﻭﺍﻣﺮﻩ, ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻭﺃﻳﻀًﺎ ﻟﻜﻲ ﺗﺘﻔﻜﺮﻭﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺳﺮﻋﺔ ﺍﻧﻘﻀﺎﺋﻬﺎ, ﻓﺘﺮﻓﻀﻮﻫﺎ ﻭﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﻭﺑﻘﺎﺋﻬﺎ, ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﻓﺘﻌﻤﺮﻭﻫﺎ .
} ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦِ ﺍﻟْﻴَﺘَﺎﻣَﻰ ﻗُﻞْ ﺇِﺻْﻠَﺎﺡٌ ﻟَﻬُﻢْ ﺧَﻴْﺮٌ ﻭَﺇِﻥْ ﺗُﺨَﺎﻟِﻄُﻮﻫُﻢْ ﻓَﺈِﺧْﻮَﺍﻧُﻜُﻢْ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﻌْﻠَﻢُ ﺍﻟْﻤُﻔْﺴِﺪَ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻤُﺼْﻠِﺢِ ﻭَﻟَﻮْ ﺷَﺎﺀَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﺄَﻋْﻨَﺘَﻜُﻢْ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ{
ﻟﻤﺎ ﻧﺰﻝ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﺇِﻥَّ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳَﺄْﻛُﻠُﻮﻥَ ﺃَﻣْﻮَﺍﻝَ ﺍﻟْﻴَﺘَﺎﻣَﻰ ﻇُﻠْﻤًﺎ ﺇِﻧَّﻤَﺎ ﻳَﺄْﻛُﻠُﻮﻥَ ﻓِﻲ ﺑُﻄُﻮﻧِﻬِﻢْ ﻧَﺎﺭًﺍ ﻭَﺳَﻴَﺼْﻠَﻮْﻥَ ﺳَﻌِﻴﺮًﺍ{ ﺷﻖ ﺫﻟﻚ
ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ, ﻭﻋﺰﻟﻮﺍ ﻃﻌﺎﻣﻬﻢ ﻋﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﺍﻟﻴﺘﺎﻣﻰ , ﺧﻮﻓﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻣﻦ ﺗﻨﺎﻭﻟﻬﺎ, ﻭﻟﻮ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﺮﺕ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﺑﺎﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﻓﻴﻬﺎ, ﻭﺳﺄﻟﻮﺍ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ
ـ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ، ﻓﺄﺧﺒﺮﻫﻢ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ, ﺇﺻﻼﺡ ﺃﻣﻮﺍﻝ
ﺍﻟﻴﺘﺎﻣﻰ, ﺑﺤﻔﻈﻬﺎ ﻭﺻﻴﺎﻧﺘﻬﺎ, ﻭﺍﻻﺗﺠﺎﺭ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﺃﻥ ﺧﻠﻄﺘﻬﻢ ﺇﻳﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﻃﻌﺎﻡ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺟﺎﺋﺰ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﻻ ﻳﻀﺮ ﺑﺎﻟﻴﺘﺎﻣﻰ, ﻷﻧﻬﻢ ﺇﺧﻮﺍﻧﻜﻢ, ﻭﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺍﻷﺥ ﻣﺨﺎﻟﻄﺔ ﺃﺧﻴﻪ, ﻭﺍﻟﻤﺮﺟﻊ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻓﻤﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻧﻴﺘﻪ ﺃﻧﻪ ﻣﺼﻠﺢ ﻟﻠﻴﺘﻴﻢ, ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻃﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺎﻟﻪ, ﻓﻠﻮ ﺩﺧﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻗﺼﺪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺄﺱ، ﻭﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻧﻴﺘﻪ, ﺃﻥ ﻗﺼﺪﻩ ﺑﺎﻟﻤﺨﺎﻟﻄﺔ,
ﺍﻟﺘﻮﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﺃﻛﻠﻬﺎ ﻭﺗﻨﺎﻭﻟﻬﺎ, ﻓﺬﻟﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺮﺝ ﻭﺃﺛﻢ, ﻭ " ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻟﻬﺎ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻤﻘﺎﺻﺪ "
ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺟﻮﺍﺯ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻤﺨﺎﻟﻄﺎﺕ, ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺂﻛﻞ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﺭﺏ, ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ, ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺧﺼﺔ , ﻟﻄﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ‏[ ﺗﻌﺎﻟﻰ ‏] ﻭﺇﺣﺴﺎﻥ, ﻭﺗﻮﺳﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻭﺇﻻ ﻓـ } ﻟَﻮْ ﺷَﺎﺀَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﺄَﻋْﻨَﺘَﻜُﻢْ{ ﺃﻱ : ﺷﻖ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺑﻌﺪﻡ ﺍﻟﺮﺧﺼﺔ ﺑﺬﻟﻚ, ﻓﺤﺮﺟﺘﻢ .
ﻭﺷﻖ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻭﺃﺛﻤﺘﻢ، } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋَﺰِﻳﺰٌ{ ﺃﻱ : ﻟﻪ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ, ﻭﺍﻟﻘﻬﺮ ﻟﻜﻞ ﺷﻲﺀ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ }ﺣَﻜِﻴﻢٌ{ ﻻ ﻳﻔﻌﻞ ﺇﻻ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻘﺘﻀﻰ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻭﻋﻨﺎﻳﺘﻪ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ, ﻓﻌﺰﺗﻪ ﻻ ﺗﻨﺎﻓﻲ ﺣﻜﻤﺘﻪ، ﻓﻼ ﻳﻘﺎﻝ : ﺇﻧﻪ ﻣﺎ ﺷﺎﺀ ﻓﻌﻞ, ﻭﺍﻓﻖ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺃﻭ ﺧﺎﻟﻔﻬﺎ، ﺑﻞ ﻳﻘﺎﻝ : ﺇﻥ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺃﺣﻜﺎﻣﻪ, ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﺤﻜﻤﺘﻪ, ﻓﻼ ﻳﺨﻠﻖ ﺷﻴﺌًﺎ ﻋﺒﺜﺎ, ﺑﻞ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺣﻜﻤﺔ, ﻋﺮﻓﻨﺎﻫﺎ, ﺃﻡ ﻟﻢ ﻧﻌﺮﻓﻬﺎ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻟﻢ ﻳﺸﺮﻉ ﻟﻌﺒﺎﺩﻩ ﺷﻴﺌًﺎ ﻣﺠﺮﺩﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ، ﻓﻼ ﻳﺄﻣﺮ ﺇﻻ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔ , ﺃﻭ ﺭﺍﺟﺤﺔ, ﻭﻻ ﻳﻨﻬﻰ ﺇﻻ ﻋﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻔﺴﺪﺓ ﺧﺎﻟﺼﺔ ﺃﻭ ﺭﺍﺟﺤﺔ, ﻟﺘﻤﺎﻡ ﺣﻜﻤﺘﻪ ﻭﺭﺣﻤﺘﻪ .


‏[221 ‏] }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﻨْﻜِﺤُﻮﺍ ﺍﻟْﻤُﺸْﺮِﻛَﺎﺕِ ﺣَﺘَّﻰ ﻳُﺆْﻣِﻦَّ ﻭَﻟَﺄَﻣَﺔٌ ﻣُﺆْﻣِﻨَﺔٌ ﺧَﻴْﺮٌ ﻣِﻦْ ﻣُﺸْﺮِﻛَﺔٍ ﻭَﻟَﻮْ ﺃَﻋْﺠَﺒَﺘْﻜُﻢْ ﻭَﻟَﺎ ﺗُﻨْﻜِﺤُﻮﺍ ﺍﻟْﻤُﺸْﺮِﻛِﻴﻦَ ﺣَﺘَّﻰ ﻳُﺆْﻣِﻨُﻮﺍ ﻭَﻟَﻌَﺒْﺪٌ ﻣُﺆْﻣِﻦٌ ﺧَﻴْﺮٌ ﻣِﻦْ ﻣُﺸْﺮِﻙٍ ﻭَﻟَﻮْ ﺃَﻋْﺠَﺒَﻜُﻢْ ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻳَﺪْﻋُﻮﻥَ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻨَّﺎﺭِ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﺪْﻋُﻮ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟْﺠَﻨَّﺔِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻐْﻔِﺮَﺓِ ﺑِﺈِﺫْﻧِﻪِ ﻭَﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺁﻳَﺎﺗِﻪِ ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻟَﻌَﻠَّﻬُﻢْ ﻳَﺘَﺬَﻛَّﺮُﻭﻥَ{


ﺃﻱ : }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﻨْﻜِﺤُﻮﺍ{ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ } ﺍﻟْﻤُﺸْﺮِﻛَﺎﺕِ { ﻣﺎ ﺩﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﺷﺮﻛﻬﻦ } ﺣَﺘَّﻰ ﻳُﺆْﻣِﻦَّ{ ﻷﻥ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﺔ ﻭﻟﻮ ﺑﻠﻐﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻣﺎﻣﺔ ﻣﺎ ﺑﻠﻐﺖ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﺔ, ﻭﻟﻮ ﺑﻠﻐﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﻣﺎ ﺑﻠﻐﺖ, ﻭﻫﺬﻩ ﻋﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺸﺮﻛﺎﺕ، ﻭﺧﺼﺼﺘﻬﺎ ﺁﻳﺔ ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ, ﻓﻲ ﺇﺑﺎﺣﺔ ﻧﺴﺎﺀ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : }ﻭَﺍﻟْﻤُﺤْﺼَﻨَﺎﺕُ ﻣِﻦَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃُﻭﺗُﻮﺍ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏَ{
}ﻭَﻟَﺎ ﺗُﻨْﻜِﺤُﻮﺍ ﺍﻟْﻤُﺸْﺮِﻛِﻴﻦَ ﺣَﺘَّﻰ ﻳُﺆْﻣِﻨُﻮﺍ { ﻭﻫﺬﺍ ﻋﺎﻡ ﻻ ﺗﺨﺼﻴﺺ ﻓﻴﻪ .
ﺛﻢ ﺫﻛﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﻧﻜﺎﺡ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺔ,
ﻟﻤﻦ ﺧﺎﻟﻔﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻘﺎﻝ : } ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻳَﺪْﻋُﻮﻥَ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻨَّﺎﺭِ { ﺃﻱ : ﻓﻲ ﺃﻗﻮﺍﻟﻬﻢ ﺃﻭ ﺃﻓﻌﺎﻟﻬﻢ ﻭﺃﺣﻮﺍﻟﻬﻢ, ﻓﻤﺨﺎﻟﻄﺘﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺧﻄﺮ ﻣﻨﻬﻢ, ﻭﺍﻟﺨﻄﺮ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﻄﺎﺭ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ, ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﻘﺎﺀ ﺍﻷﺑﺪﻱ .
ﻭﻳﺴﺘﻔﺎﺩ ﻣﻦ ﺗﻌﻠﻴﻞ ﺍﻵﻳﺔ, ﺍﻟﻨﻬﻲ ﻋﻦ ﻣﺨﺎﻟﻄﺔ ﻛﻞ ﻣﺸﺮﻙ ﻭﻣﺒﺘﺪﻉ, ﻷﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﺠﺰ ﺍﻟﺘﺰﻭﺝ ﻣﻊ ﺃﻥ ﻓﻴﻪ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﺎﻟﺨﻠﻄﺔ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩﺓ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺃﻭﻟﻰ, ﻭ ﺧﺼﻮﺻًﺎ, ﺍﻟﺨﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﺍﻟﻤﺸﺮﻙ ﻭﻧﺤﻮﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ, ﻛﺎﻟﺨﺪﻣﺔ ﻭﻧﺤﻮﻫﺎ .
ﻭﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: }ﻭَﻟَﺎ ﺗُﻨْﻜِﺤُﻮﺍ ﺍﻟْﻤُﺸْﺮِﻛِﻴﻦَ { ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻮﻟﻲ ‏[ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻜﺎﺡ ‏] . } ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻳَﺪْﻋُﻮ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟْﺠَﻨَّﺔِ ﻭَﺍﻟْﻤَﻐْﻔِﺮَﺓِ { ﺃﻱ : ﻳﺪﻋﻮ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﻟﺘﺤﺼﻴﻞ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ, ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻦ ﺁﺛﺎﺭﻫﺎ, ﺩﻓﻊ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺎﻟﺪﻋﻮﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﺒﺎﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ, ﻭﺍﻟﺘﻮﺑﺔ ﺍﻟﻨﺼﻮﺡ, ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﻓﻊ , ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ . } ﻭَﻳُﺒَﻴِّﻦُ ﺁﻳَﺎﺗِﻪِ { ﺃﻱ : ﺃﺣﻜﺎﻣﻪ ﻭﺣﻜﻤﻬﺎ } ﻟِﻠﻨَّﺎﺱِ ﻟَﻌَﻠَّﻬُﻢْ ﻳَﺘَﺬَﻛَّﺮُﻭﻥَ { ﻓﻴﻮﺟﺐ ﻟﻬﻢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﺬﻛﺮ ﻟﻤﺎ ﻧﺴﻮﻩ, ﻭﻋﻠﻢ ﻣﺎ ﺟﻬﻠﻮﻩ , ﻭﺍﻻﻣﺘﺜﺎﻝ ﻟﻤﺎ ﺿﻴﻌﻮﻩ .


ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ :
‏[222 ـ 223 ‏] } ﻭَﻳَﺴْﺄَﻟُﻮﻧَﻚَ ﻋَﻦِ ﺍﻟْﻤَﺤِﻴﺾِ ﻗُﻞْ ﻫُﻮَ ﺃَﺫًﻯ ﻓَﺎﻋْﺘَﺰِﻟُﻮﺍ ﺍﻟﻨِّﺴَﺎﺀَ ﻓِﻲ ﺍﻟْﻤَﺤِﻴﺾِ ﻭَﻟَﺎ ﺗَﻘْﺮَﺑُﻮﻫُﻦَّ ﺣَﺘَّﻰ ﻳَﻄْﻬُﺮْﻥَ ﻓَﺈِﺫَﺍ ﺗَﻄَﻬَّﺮْﻥَ ﻓَﺄْﺗُﻮﻫُﻦَّ ﻣِﻦْ ﺣَﻴْﺚُ ﺃَﻣَﺮَﻛُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟﺘَّﻮَّﺍﺑِﻴﻦَ ﻭَﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟْﻤُﺘَﻄَﻬِّﺮِﻳﻦَ * ﻧِﺴَﺎﺅُﻛُﻢْ ﺣَﺮْﺙٌ ﻟَﻜُﻢْ ﻓَﺄْﺗُﻮﺍ ﺣَﺮْﺛَﻜُﻢْ ﺃَﻧَّﻰ ﺷِﺌْﺘُﻢْ ﻭَﻗَﺪِّﻣُﻮﺍ ﻟِﺄَﻧْﻔُﺴِﻜُﻢْ ﻭَﺍﺗَّﻘُﻮﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻭَﺍﻋْﻠَﻤُﻮﺍ ﺃَﻧَّﻜُﻢْ ﻣُﻠَﺎﻗُﻮﻩُ ﻭَﺑَﺸِّﺮِ ﺍﻟْﻤُﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ {


ﻳﺨﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻦ ﺳﺆﺍﻟﻬﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﻴﺾ, ﻭﻫﻞ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ
ﺑﺤﺎﻟﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﻴﺾ, ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺒﻞ ﺫﻟﻚ, ﺃﻡ ﺗﺠﺘﻨﺐ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ؟ .
ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻴﺾ ﺃﺫﻯ, ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺃﺫﻯ, ﻓﻤﻦ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺃﻥ ﻳﻤﻨﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﻋﻦ ﺍﻷﺫﻯ ﻭﺣﺪﻩ, ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ : }ﻓَﺎﻋْﺘَﺰِﻟُﻮﺍ ﺍﻟﻨِّﺴَﺎﺀَ ﻓِﻲ ﺍﻟْﻤَﺤِﻴﺾِ{ ﺃﻱ : ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﻴﺾ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻮﻁﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﺝ ﺧﺎﺻﺔ, ﻓﻬﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺤﺮﻡ ﺇﺟﻤﺎﻋﺎ، ﻭﺗﺨﺼﻴﺺ ﺍﻻﻋﺘﺰﺍﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﻴﺾ, ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﺍﻟﺤﺎﺋﺾ ﻭﻣﻼﻣﺴﺘﻬﺎ, ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻮﻁﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﺝ ﺟﺎﺋﺰ .
ﻟﻜﻦ ﻗﻮﻟﻪ : }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﻘْﺮَﺑُﻮﻫُﻦَّ ﺣَﺘَّﻰ ﻳَﻄْﻬُﺮْﻥَ{ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﻓﻴﻤﺎ ﻗﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺮﺝ, ﻭﺫﻟﻚ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﺮﺓ ﻭﺍﻟﺮﻛﺒﺔ, ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺗﺮﻛﻪ ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﺇﺫﺍ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﺷﺮ ﺍﻣﺮﺃﺗﻪ ﻭﻫﻲ ﺣﺎﺋﺾ, ﺃﻣﺮﻫﺎ ﺃﻥ ﺗﺘﺰﺭ , ﻓﻴﺒﺎﺷﺮﻫﺎ .
ﻭﺣﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻋﺘﺰﺍﻝ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻘﺮﺑﺎﻥ ﻟﻠﺤُﻴَّﺾ } ﺣَﺘَّﻰ ﻳَﻄْﻬُﺮْﻥَ{ ﺃﻱ : ﻳﻨﻘﻄﻊ ﺩﻣﻬﻦ, ﻓﺈﺫﺍ ﺍﻧﻘﻄﻊ ﺍﻟﺪﻡ, ﺯﺍﻝ ﺍﻟﻤﻨﻊ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﻭﻗﺖ ﺟﺮﻳﺎﻧﻪ , ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻟﺤﻠﻪ ﺷﺮﻃﺎﻥ, ﺍﻧﻘﻄﺎﻉ ﺍﻟﺪﻡ, ﻭﺍﻻﻏﺘﺴﺎﻝ ﻣﻨﻪ .
ﻓﻠﻤﺎ ﺍﻧﻘﻄﻊ ﺍﻟﺪﻡ, ﺯﺍﻝ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﺍﻷﻭﻝ ﻭﺑﻘﻲ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ, ﻓﻠﻬﺬﺍ
ﻗﺎﻝ : } ﻓَﺈِﺫَﺍ ﺗَﻄَﻬَّﺮْﻥَ { ﺃﻱ : ﺍﻏﺘﺴﻠﻦ } ﻓَﺄْﺗُﻮﻫُﻦَّ ﻣِﻦْ ﺣَﻴْﺚُ ﺃَﻣَﺮَﻛُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ { ﺃﻱ : ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺒﻞ ﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺑﺮ, ﻷﻧﻪ ﻣﺤﻞ ﺍﻟﺤﺮﺙ .
ﻭﻓﻴﻪ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺏ ﺍﻻﻏﺘﺴﺎﻝ ﻟﻠﺤﺎﺋﺾ, ﻭﺃﻥ ﺍﻧﻘﻄﺎﻉ ﺍﻟﺪﻡ, ﺷﺮﻁ ﻟﺼﺤﺘﻪ .
ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻨﻊ ﻟﻄﻔﺎ ﻣﻨﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻌﺒﺎﺩﻩ , ﻭﺻﻴﺎﻧﺔ ﻋﻦ ﺍﻷﺫﻯ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﺇِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟﺘَّﻮَّﺍﺑِﻴﻦَ { ﺃﻱ : ﻣﻦ ﺫﻧﻮﺑﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﺍﻡ } ﻭَﻳُﺤِﺐُّ ﺍﻟْﻤُﺘَﻄَﻬِّﺮِﻳﻦَ { ﺃﻱ : ﺍﻟﻤﺘﻨﺰﻫﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻵﺛﺎﻡ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺸﻤﻞ ﺍﻟﺘﻄﻬﺮ ﺍﻟﺤﺴﻲ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﺠﺎﺱ ﻭﺍﻷﺣﺪﺍﺙ .
ﻓﻔﻴﻪ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﻄﻬﺎﺭﺓ ﻣﻄﻠﻘﺎ, ﻷﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺤﺐ ﺍﻟﻤﺘﺼﻒ ﺑﻬﺎ, ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻄﻬﺎﺭﺓ ﻣﻄﻠﻘﺎ, ﺷﺮﻃﺎ ﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﻄﻮﺍﻑ, ﻭﺟﻮﺍﺯ ﻣﺲ ﺍﻟﻤﺼﺤﻒ، ﻭﻳﺸﻤﻞ ﺍﻟﺘﻄﻬﺮ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻋﻦ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﺮﺫﻳﻠﺔ, ﻭﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻘﺒﻴﺤﺔ, ﻭﺍﻷﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺨﺴﻴﺴﺔ .
 } ﻧِﺴَﺎﺅُﻛُﻢْ ﺣَﺮْﺙٌ ﻟَﻜُﻢْ ﻓَﺄْﺗُﻮﺍ ﺣَﺮْﺛَﻜُﻢْ ﺃَﻧَّﻰ ﺷِﺌْﺘُﻢْ{ ﻣﻘﺒﻠﺔ ﻭﻣﺪﺑﺮﺓ ﻏﻴﺮ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺒﻞ , ﻟﻜﻮﻧﻪ ﻣﻮﺿﻊ ﺍﻟﺤﺮﺙ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻮﻟﺪ .
ﻭﻓﻴﻪ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺍﻟﻮﻁﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺑﺮ, ﻷﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﺒﺢ ﺇﺗﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﺤﺮﺙ، ﻭﻗﺪ ﺗﻜﺎﺛﺮﺕ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ ﻓﻲ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺫﻟﻚ, ﻭﻟﻌﻦ ﻓﺎﻋﻠﻪ .
} ﻭَﻗَﺪِّﻣُﻮﺍ ﻟِﺄَﻧْﻔُﺴِﻜُﻢْ{ ﺃﻱ : ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﺮﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻔﻌﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮﺍﺕ, ﻭﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﺷﺮ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻣﺮﺃﺗﻪ, ﻭﻳﺠﺎﻣﻌﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﻘﺮﺑﺔ ﻭﺍﻻﺣﺘﺴﺎﺏ, ﻭﻋﻠﻰ ﺭﺟﺎﺀ ﺗﺤﺼﻴﻞ ﺍﻟﺬﺭﻳﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻨﻔﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﻢ .
} ﻭَﺍﺗَّﻘُﻮﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ { ﺃﻱ : ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺣﻮﺍﻟﻜﻢ , ﻛﻮﻧﻮﺍ ﻣﻼﺯﻣﻴﻦ ﻟﺘﻘﻮﻯ ﺍﻟﻠﻪ, ﻣﺴﺘﻌﻴﻨﻴﻦ ﺑﺬﻟﻚ ﻟﻌﻠﻤﻜﻢ، } ﺃَﻧَّﻜُﻢْ ﻣُﻠَﺎﻗُﻮﻩُ { ﻭﻣﺠﺎﺯﻳﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺃﻋﻤﺎﻟﻜﻢ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ .
ﺛﻢ ﻗﺎﻝ : } ﻭَﺑَﺸِّﺮِ ﺍﻟْﻤُﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ { ﻟﻢ ﻳﺬﻛﺮ ﺍﻟﻤﺒﺸﺮ ﺑﻪ ﻟﻴﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻮﻡ, ﻭﺃﻥ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﺒﺸﺮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻭﻛﻞ ﺧﻴﺮ ﻭﺍﻧﺪﻓﺎﻉ ﻛﻞ ﺿﻴﺮ, ﺭﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻓﻬﻮ ﺩﺍﺧﻞ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﺸﺎﺭﺓ ..
ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻣﺤﺒﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻠﻤﺆﻣﻨﻴﻦ, ﻭﻣﺤﺒﺔ ﻣﺎ ﻳﺴﺮﻫﻢ, ﻭﺍﺳﺘﺤﺒﺎﺏ ﺗﻨﺸﻴﻄﻬﻢ ﻭﺗﺸﻮﻳﻘﻬﻢ ﺑﻤﺎ ﺃﻋﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺰﺍﺀ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻱ
ﻭﺍﻷﺧﺮﻭﻱ .


‏[224 ‏] }ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺠْﻌَﻠُﻮﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻋُﺮْﺿَﺔً ﻟِﺄَﻳْﻤَﺎﻧِﻜُﻢْ ﺃَﻥْ ﺗَﺒَﺮُّﻭﺍ ﻭَﺗَﺘَّﻘُﻮﺍ ﻭَﺗُﺼْﻠِﺤُﻮﺍ ﺑَﻴْﻦَ ﺍﻟﻨَّﺎﺱِ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﺳَﻤِﻴﻊٌ ﻋَﻠِﻴﻢٌ{ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻤﻴﻦ، ﻭﺍﻟﻘﺴﻢ ﺗﻌﻈﻴﻢ ﺍﻟﻤﻘﺴﻢ ﺑﻪ, ﻭﺗﺄﻛﻴﺪ ﺍﻟﻤﻘﺴﻢ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪ ﺃﻣﺮ ﺑﺤﻔﻆ ﺍﻷﻳﻤﺎﻥ, ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻘﺘﻀﻰ ﺫﻟﻚ ﺣﻔﻈﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ، ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﺳﺘﺜﻨﻰ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺒﺮ ﺑﺎﻟﻴﻤﻴﻦ, ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺗﺮﻙ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃﺣﺐ ﺇﻟﻴﻪ،
ﻓﻨﻬﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻠﻮﺍ ﺃﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﻋﺮﺿﺔ, ﺃﻱ : ﻣﺎﻧﻌﺔ ﻭﺣﺎﺋﻠﺔ ﻋﻦ ﺃﻥ ﻳﺒﺮﻭﺍ : ﺃﻥ ﻳﻔﻌﻠﻮﺍ ﺧﻴﺮﺍ , ﺃﻭ ﻳﺘﻘﻮﺍ ﺷﺮﺍ, ﺃﻭ ﻳﺼﻠﺤﻮﺍ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻤﻦ ﺣﻠﻒ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﻙ ﻭﺍﺟﺐ ﻭﺟﺐ ﺣﻨﺜﻪ, ﻭﺣﺮﻡ ﺇﻗﺎﻣﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻳﻤﻴﻨﻪ، ﻭﻣﻦ ﺣﻠﻒ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﻙ ﻣﺴﺘﺤﺐ, ﺍﺳﺘﺤﺐ ﻟﻪ ﺍﻟﺤﻨﺚ، ﻭﻣﻦ ﺣﻠﻒ ﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ ﻣﺤﺮﻡ, ﻭﺟﺐ ﺍﻟﺤﻨﺚ, ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ ﻣﻜﺮﻭﻩ ﺍﺳﺘﺤﺐ ﺍﻟﺤﻨﺚ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺒﺎﺡ ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﻓﻴﻪ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻴﻤﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻨﺚ .
ﻭﻳﺴﺘﺪﻝ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ, ﺃﻧﻪ " ﺇﺫﺍ ﺗﺰﺍﺣﻤﺖ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ, ﻗﺪﻡ ﺃﻫﻤﻬﺎ " ﻓﻬﻨﺎ ﺗﺘﻤﻴﻢ ﺍﻟﻴﻤﻴﻦ ﻣﺼﻠﺤﺔ, ﻭﺍﻣﺘﺜﺎﻝ ﺃﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ, ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ, ﻓﻘﺪﻣﺖ ﻟﺬﻟﻚ .
ﺛﻢ ﺧﺘﻢ ﺍﻵﻳﺔ ﺑﻬﺬﻳﻦ ﺍﻻﺳﻤﻴﻦ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﻴﻦ ﻓﻘﺎﻝ : } ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﺳَﻤِﻴﻊٌ{ ﺃﻱ : ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ } ﻋَﻠِﻴﻢٌ{ ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺻﺪ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺕ, ﻭﻣﻨﻪ ﺳﻤﺎﻋﻪ ﻷﻗﻮﺍﻝ ﺍﻟﺤﺎﻟﻔﻴﻦ , ﻭﻋﻠﻤﻪ ﺑﻤﻘﺎﺻﺪﻫﻢ ﻫﻞ ﻫﻲ ﺧﻴﺮ ﺃﻡ ﺷﺮ، ﻭﻓﻲ ﺿﻤﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮ ﻣﻦ ﻣﺠﺎﺯﺍﺗﻪ, ﻭﺃﻥ ﺃﻋﻤﺎﻟﻜﻢ ﻭﻧﻴﺎﺗﻜﻢ, ﻗﺪ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﻋﻠﻤﻬﺎ ﻋﻨﺪﻩ ..

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين سبتمبر 22, 2014 8:56 pm

‏[225 ‏] ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻟَﺎ ﻳُﺆَﺍﺧِﺬُﻛُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑِﺎﻟﻠَّﻐْﻮِ ﻓِﻲ ﺃَﻳْﻤَﺎﻧِﻜُﻢْ ﻭَﻟَﻜِﻦْ ﻳُﺆَﺍﺧِﺬُﻛُﻢْ ﺑِﻤَﺎ ﻛَﺴَﺒَﺖْ ﻗُﻠُﻮﺑُﻜُﻢْ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭٌ ﺣَﻠِﻴﻢٌ{
ﺃﻱ : ﻻ ﻳﺆﺍﺧﺬﻛﻢ ﺑﻤﺎ ﻳﺠﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﺃﻟﺴﻨﺘﻜﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﻼﻏﻴﺔ, ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻌﺒﺪ , ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻗﺼﺪ ﻣﻨﻪ ﻭﻻ ﻛﺴﺐ ﻗﻠﺐ, ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺟﺮﺕ ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎﻧﻪ ﻛﻘﻮﻝ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻓﻲ ﻋﺮﺽ ﻛﻼﻣﻪ : " ﻻ
ﻭﺍﻟﻠﻪ " ﻭ "ﺑﻠﻰ ﻭﺍﻟﻠﻪ " ﻭﻛﺤﻠﻔﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺮ ﻣﺎﺽ, ﻳﻈﻦ ﺻﺪﻕ ﻧﻔﺴﻪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﻤﺆﺍﺧﺬﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻗﺼﺪﻩ ﺍﻟﻘﻠﺐ .
ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻤﻘﺎﺻﺪ ﻓﻲ ﺍﻷﻗﻮﺍﻝ, ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ .
} ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻏﻔﻮﺭ{ ﻟﻤﻦ ﺗﺎﺏ ﺇﻟﻴﻪ, } ﺣﻠﻴﻢ{ ﺑﻤﻦ ﻋﺼﺎﻩ, ﺣﻴﺚ ﻟﻢ
ﻳﻌﺎﺟﻠﻪ ﺑﺎﻟﻌﻘﻮﺑﺔ, ﺑﻞ ﺣﻠﻢ ﻋﻨﻪ ﻭﺳﺘﺮ, ﻭﺻﻔﺢ ﻣﻊ ﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﻛﻮﻧﻪ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻪ .
‏[226 ـ 227 ‏] } ﻟِﻠَّﺬِﻳﻦَ ﻳُﺆْﻟُﻮﻥَ ﻣِﻦْ ﻧِﺴَﺎﺋِﻬِﻢْ ﺗَﺮَﺑُّﺺُ ﺃَﺭْﺑَﻌَﺔِ ﺃَﺷْﻬُﺮٍ ﻓَﺈِﻥْ ﻓَﺎﺀُﻭﺍ ﻓَﺈِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻏَﻔُﻮﺭٌ ﺭَﺣِﻴﻢٌ * ﻭَﺇِﻥْ ﻋَﺰَﻣُﻮﺍ ﺍﻟﻄَّﻠَﺎﻕَ ﻓَﺈِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺳَﻤِﻴﻊٌ ﻋَﻠِﻴﻢٌ {
ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﺍﻷﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﺰﻭﺟﺔ, ﻓﻲ ﺃﻣﺮ ﺧﺎﺹ ﻭﻫﻮ ﺣﻠﻒ ﺍﻟﺰﻭﺝ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﻙ ﻭﻁﺀ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﺃﻭ ﻣﻘﻴﺪﺍ، ﺑﺄﻗﻞ ﻣﻦ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﺃﻭ ﺃﻛﺜﺮ .
ﻓﻤﻦ ﺁﻟﻰ ﻣﻦ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﺧﺎﺻﺔ، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﺪﻭﻥ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ , ﻓﻬﺬﺍ ﻣﺜﻞ ﺳﺎﺋﺮ ﺍﻷﻳﻤﺎﻥ, ﺇﻥ ﺣﻨﺚ ﻛﻔﺮ, ﻭﺇﻥ ﺃﺗﻢ ﻳﻤﻴﻨﻪ, ﻓﻼ ﺷﻲﺀ ﻋﻠﻴﻪ, ﻭﻟﻴﺲ ﻟﺰﻭﺟﺘﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺳﺒﻴﻞ, ﻷﻧﻪ ﻣﻠﻜﻪ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ .
ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺃﺑﺪًﺍ, ﺃﻭ ﻣﺪﺓ ﺗﺰﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ, ﺿﺮﺑﺖ ﻟﻪ ﻣﺪﺓ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻣﻦ ﻳﻤﻴﻨﻪ, ﺇﺫﺍ ﻃﻠﺒﺖ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﺫﻟﻚ , ﻷﻧﻪ ﺣﻖ ﻟﻬﺎ، ﻓﺈﺫﺍ ﺗﻤﺖ ﺃﻣﺮ ﺑﺎﻟﻔﻴﺌﺔ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻮﻁﺀ، ﻓﺈﻥ ﻭﻃﺊ, ﻓﻼ ﺷﻲﺀ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻻ ﻛﻔﺎﺭﺓ ﺍﻟﻴﻤﻴﻦ، ﻭﺇﻥ ﺍﻣﺘﻨﻊ, ﺃﺟﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﻼﻕ, ﻓﺈﻥ ﺍﻣﺘﻨﻊ, ﻃﻠﻖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ .
ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﻔﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﺮﺟﻮﻉ ﺇﻟﻰ ﺯﻭﺟﺘﻪ, ﺃﺣﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ : } ﻓَﺈِﻥْ ﻓَﺎﺀُﻭﺍ{ ﺃﻱ : ﺭﺟﻌﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﺣﻠﻔﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﻛﻪ, ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻮﻁﺀ . } ﻓَﺈِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻏَﻔُﻮﺭٌ{ ﻳﻐﻔﺮ ﻟﻬﻢ ﻣﺎ ﺣﺼﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻠﻒ, ﺑﺴﺒﺐ ﺭﺟﻮﻋﻬﻢ . }ﺭَﺣِﻴﻢٌ{ ﺣﻴﺚ ﺟﻌﻞ ﻷﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﻛﻔﺎﺭﺓ ﻭﺗﺤﻠﺔ, ﻭﻟﻢ ﻳﺠﻌﻠﻬﺎ ﻻﺯﻣﺔ ﻟﻬﻢ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻼﻧﻔﻜﺎﻙ, ﻭﺭﺣﻴﻢ ﺑﻬﻢ ﺃﻳﻀًﺎ, ﺣﻴﺚ ﻓﺎﺀﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺯﻭﺟﺎﺗﻬﻢ, ﻭﺣﻨﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﻦ ﻭﺭﺣﻤﻮﻫﻦ .
} ﻭَﺇِﻥْ ﻋَﺰَﻣُﻮﺍ ﺍﻟﻄَّﻠَﺎﻕَ{ ﺃﻱ : ﺍﻣﺘﻨﻌﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻴﺌﺔ, ﻓﻜﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺩﻟﻴﻼ ﻋﻠﻰ ﺭﻏﺒﺘﻬﻢ ﻋﻨﻬﻦ , ﻭﻋﺪﻡ ﺇﺭﺍﺩﺗﻬﻢ ﻷﺯﻭﺍﺟﻬﻢ, ﻭﻫﺬﺍ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﻋﺰﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﻼﻕ، ﻓﺈﻥ ﺣﺼﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﻣﻨﻪ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ, ﻭﺇﻻ ﺃﺟﺒﺮﻩ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻭ ﻗﺎﻡ ﺑﻪ .
} ﻓَﺈِﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺳَﻤِﻴﻊٌ ﻋَﻠِﻴﻢٌ{ ﻓﻴﻪ ﻭﻋﻴﺪ ﻭﺗﻬﺪﻳﺪ, ﻟﻤﻦ ﻳﺤﻠﻒ ﻫﺬﺍ
ﺍﻟﺤﻠﻒ, ﻭﻳﻘﺼﺪ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻗﺔ .
ﻭﻳﺴﺘﺪﻝ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻹﻳﻼﺀ, ﺧﺎﺹ ﺑﺎﻟﺰﻭﺟﺔ, ﻟﻘﻮﻟﻪ :
}ﻣﻦ ﻧﺴﺎﺋﻬﻢ { ﻭﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺏ ﺍﻟﻮﻁﺀ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻣﺮﺓ, ﻷﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ, ﻳﺠﺒﺮ ﺇﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﻁﺀ, ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﻼﻕ, ﻭﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﺇﻻ ﻟﺘﺮﻛﻪ ﻭﺍﺟﺒًﺎ .
‏[228 ‏] }ﻭَﺍﻟْﻤُﻄَﻠَّﻘَﺎﺕُ ﻳَﺘَﺮَﺑَّﺼْﻦَ ﺑِﺄَﻧْﻔُﺴِﻬِﻦَّ ﺛَﻠَﺎﺛَﺔَ ﻗُﺮُﻭﺀٍ ﻭَﻟَﺎ ﻳَﺤِﻞُّ ﻟَﻬُﻦَّ ﺃَﻥْ ﻳَﻜْﺘُﻤْﻦَ ﻣَﺎ ﺧَﻠَﻖَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻓِﻲ ﺃَﺭْﺣَﺎﻣِﻬِﻦَّ ﺇِﻥْ ﻛُﻦَّ ﻳُﺆْﻣِﻦَّ ﺑِﺎﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟْﻴَﻮْﻡِ ﺍﻟْﺂﺧِﺮِ ﻭَﺑُﻌُﻮﻟَﺘُﻬُﻦَّ ﺃَﺣَﻖُّ ﺑِﺮَﺩِّﻫِﻦَّ ﻓِﻲ ﺫَﻟِﻚَ ﺇِﻥْ ﺃَﺭَﺍﺩُﻭﺍ ﺇِﺻْﻠَﺎﺣًﺎ ﻭَﻟَﻬُﻦَّ ﻣِﺜْﻞُ ﺍﻟَّﺬِﻱ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻦَّ ﺑِﺎﻟْﻤَﻌْﺮُﻭﻑِ ﻭَﻟِﻠﺮِّﺟَﺎﻝِ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻦَّ ﺩَﺭَﺟَﺔٌ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ
ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ{ ﺃﻱ : ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻼﺗﻲ ﻃﻠﻘﻬﻦ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ } ﻳَﺘَﺮَﺑَّﺼْﻦَ ﺑِﺄَﻧْﻔُﺴِﻬِﻦَّ{ ﺃﻱ:
ﻳﻨﺘﻈﺮﻥ ﻭﻳﻌﺘﺪﺩﻥ ﻣﺪﺓ } ﺛَﻠَﺎﺛَﺔَ ﻗُﺮُﻭﺀٍ{ ﺃﻱ : ﺣﻴﺾ, ﺃﻭ ﺃﻃﻬﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺬﻟﻚ, ﻣﻊ ﺃﻥ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺮﺀ, ﺍﻟﺤﻴﺾ , ﻭﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻌﺪﺓِ ﻋِﺪّﺓُ ﺣِﻜَﻢٍ، ﻣﻨﻬﺎ : ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺒﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﺮﺣﻢ, ﺇﺫﺍ ﺗﻜﺮﺭﺕ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺛﻼﺛﺔ ﺍﻷﻗﺮﺍﺀ, ﻋﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺭﺣﻤﻬﺎ ﺣﻤﻞ, ﻓﻼ ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﺧﺘﻼﻁ ﺍﻷﻧﺴﺎﺏ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺃﻭﺟﺐ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻠﻴﻬﻦ ﺍﻹﺧﺒﺎﺭ ﻋﻦ } ﻣَﺎ ﺧَﻠَﻖَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻓِﻲ ﺃَﺭْﺣَﺎﻣِﻬِﻦَّ{ ﻭﺣﺮﻡ ﻋﻠﻴﻬﻦ, ﻛﺘﻤﺎﻥ ﺫﻟﻚ, ﻣﻦ ﺣﻤﻞ ﺃﻭ ﺣﻴﺾ, ﻷﻥ ﻛﺘﻤﺎﻥ ﺫﻟﻚ, ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﻔﺎﺳﺪ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻓﻜﺘﻤﺎﻥ ﺍﻟﺤﻤﻞ, ﻣﻮﺟﺐ ﺃﻥ ﺗﻠﺤﻘﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﻣﻦ ﻫﻮ ﻟﻪ, ﺭﻏﺒﺔ ﻓﻴﻪ ﻭﺍﺳﺘﻌﺠﺎﻻ ﻻﻧﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻌﺪﺓ، ﻓﺈﺫﺍ ﺃﻟﺤﻘﺘﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﺃﺑﻴﻪ , ﺣﺼﻞ ﻣﻦ ﻗﻄﻊ ﺍﻟﺮﺣﻢ ﻭﺍﻹﺭﺙ, ﻭﺍﺣﺘﺠﺎﺏ ﻣﺤﺎﺭﻣﻪ ﻭﺃﻗﺎﺭﺑﻪ ﻋﻨﻪ, ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺗﺰﻭﺝ ﺫﻭﺍﺕ ﻣﺤﺎﺭﻣﻪ، ﻭﺣﺼﻞ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺫﻟﻚ, ﺇﻟﺤﺎﻗﻪ ﺑﻐﻴﺮ
ﺃﺑﻴﻪ, ﻭﺛﺒﻮﺕ ﺗﻮﺍﺑﻊ ﺫﻟﻚ , ﻣﻦ ﺍﻹﺭﺙ ﻣﻨﻪ ﻭﻟﻪ, ﻭﻣﻦ ﺟﻌﻞ ﺃﻗﺎﺭﺏ ﺍﻟﻤﻠﺤﻖ ﺑﻪ, ﺃﻗﺎﺭﺏ ﻟﻪ، ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮ ﻭﺍﻟﻔﺴﺎﺩ, ﻣﺎ ﻻ
ﻳﻌﻠﻤﻪ ﺇﻻ ﺭﺏ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ، ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ, ﺇﻻ ﺇﻗﺎﻣﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﻣﻦ ﻧﻜﺎﺣﻬﺎ ﺑﺎﻃﻞ ﻓﻲ ﺣﻘﻪ, ﻭﻓﻴﻪ ﺍﻹﺻﺮﺍﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺓ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ, ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺰﻧﺎ ﻟﻜﻔﻰ ﺑﺬﻟﻚ ﺷﺮًﺍ .
ﻭﺃﻣﺎ ﻛﺘﻤﺎﻥ ﺍﻟﺤﻴﺾ, ﺑﺄﻥ ﺍﺳﺘﻌﺠﻠﺖ ﻭﺃﺧﺒﺮﺕ ﺑﻪ ﻭﻫﻲ ﻛﺎﺫﺑﺔ, ﻓﻔﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﻧﻘﻄﺎﻉ ﺣﻖ ﺍﻟﺰﻭﺝ ﻋﻨﻬﺎ, ﻭﺇﺑﺎﺣﺘﻬﺎ ﻟﻐﻴﺮﻩ ﻭﻣﺎ ﻳﺘﻔﺮﻉ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮ, ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ، ﻭﺇﻥ ﻛﺬﺑﺖ ﻭﺃﺧﺒﺮﺕ ﺑﻌﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺤﻴﺾ , ﻟﺘﻄﻮﻝ ﺍﻟﻌﺪﺓ, ﻓﺘﺄﺧﺬ ﻣﻨﻪ ﻧﻔﻘﺔ ﻏﻴﺮ ﻭﺍﺟﺒﺔ ﻋﻠﻴﻪ, ﺑﻞ
ﻫﻲ ﺳﺤﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﺤﺮﻣﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺘﻴﻦ :
ﻣﻦ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺴﺘﺤﻘﻪ, ﻭﻣﻦ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﻧﺴﺒﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﺸﺮﻉ
ﻭﻫﻲ ﻛﺎﺫﺑﺔ, ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺭﺍﺟﻌﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻧﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻌﺪﺓ, ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﺳﻔﺎﺣًﺎ , ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﺃﺟﻨﺒﻴﺔ ﻋﻨﻪ, ﻓﻠﻬﺬﺍ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: }ﻭَﻟَﺎ ﻳَﺤِﻞُّ ﻟَﻬُﻦَّ ﺃَﻥْ ﻳَﻜْﺘُﻤْﻦَ ﻣَﺎ ﺧَﻠَﻖَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻓِﻲ ﺃَﺭْﺣَﺎﻣِﻬِﻦَّ ﺇِﻥْ ﻛُﻦَّ ﻳُﺆْﻣِﻦَّ ﺑِﺎﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟْﻴَﻮْﻡِ ﺍﻟْﺂﺧِﺮِ{
ﻓﺼﺪﻭﺭ ﺍﻟﻜﺘﻤﺎﻥ ﻣﻨﻬﻦ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺇﻳﻤﺎﻧﻬﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻵﺧﺮ, ﻭﺇﻻ ﻓﻠﻮ ﺁﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻵﺧﺮ, ﻭﻋﺮﻓﻦ ﺃﻧﻬﻦ ﻣﺠﺰﻳﺎﺕ ﻋﻦ ﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻦ, ﻟﻢ ﻳﺼﺪﺭ ﻣﻨﻬﻦ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ .
ﻭﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻗﺒﻮﻝ ﺧﺒﺮ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ, ﻋﻤﺎ ﺗﺨﺒﺮ ﺑﻪ ﻋﻦ
ﻧﻔﺴﻬﺎ, ﻣﻦ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻄﻠﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﻏﻴﺮﻫﺎ, ﻛﺎﻟﺤﻴﺾ ﻭﺍﻟﺤﻤﻞ ﻭﻧﺤﻮﻩ
ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﺑُﻌُﻮﻟَﺘُﻬُﻦَّ ﺃَﺣَﻖُّ ﺑِﺮَﺩِّﻫِﻦَّ ﻓِﻲ ﺫَﻟِﻚَ { ﺃﻱ :
ﻷﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﻣﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﻣﺘﺮﺑﺼﺔ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﺪﺓ, ﺃﻥ ﻳﺮﺩﻭﻫﻦ ﺇﻟﻰ ﻧﻜﺎﺣﻬﻦ } ﺇِﻥْ ﺃَﺭَﺍﺩُﻭﺍ ﺇِﺻْﻠَﺎﺣًﺎ{ ﺃﻱ : ﺭﻏﺒﺔ ﻭﺃﻟﻔﺔ ﻭﻣﻮﺩﺓ .
ﻭﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻵﻳﺔ ﺃﻧﻬﻢ ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺮﻳﺪﻭﺍ ﺍﻹﺻﻼﺡ, ﻓﻠﻴﺴﻮﺍ ﺑﺄﺣﻖ
ﺑﺮﺩﻫﻦ , ﻓﻼ ﻳﺤﻞ ﻟﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﺟﻌﻮﻫﻦ, ﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﻤﻀﺎﺭﺓ ﻟﻬﺎ, ﻭﺗﻄﻮﻳﻞ ﺍﻟﻌﺪﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﻫﻞ ﻳﻤﻠﻚ ﺫﻟﻚ, ﻣﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺼﺪ؟ ﻓﻴﻪ ﻗﻮﻻﻥ .
ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﻤﻠﻚ ﺫﻟﻚ, ﻣﻊ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﻢ, ﻭﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﺮﺩ ﺍﻹﺻﻼﺡ, ﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﺫﻟﻚ , ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻇﺎﻫﺮ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ, ﻭﻫﺬﻩ ﺣﻜﻤﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺑﺺ، ﻭﻫﻲ : ﺃﻧﻪ ﺭﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﻧﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺍﻗﻪ ﻟﻬﺎ, ﻓﺠﻌﻠﺖ ﻟﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺪﺓ, ﻟﻴﺘﺮﻭﻯ ﺑﻬﺎ ﻭﻳﻘﻄﻊ ﻧﻈﺮﻩ .
ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ, ﻟﻸﻟﻔﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺰﻭﺟﻴﻦ, ﻭﻛﺮﺍﻫﺘﻪ ﻟﻠﻔﺮﺍﻕ, ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻨﺒﻲ ـ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ـ : ‏( ﺃﺑﻐﺾ ﺍﻟﺤﻼﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻄﻼﻕ‏) ﻭﻫﺬﺍ ﺧﺎﺹ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﺍﻟﺮﺟﻌﻲ، ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﺍﻟﺒﺎﺋﻦ, ﻓﻠﻴﺲ ﺍﻟﺒﻌﻞ ﺑﺄﺣﻖ ﺑﺮﺟﻌﺘﻬﺎ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﺗﺮﺍﺿﻴﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ, ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ ﻋﻘﺪ ﺟﺪﻳﺪ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ .
ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻭَﻟَﻬُﻦَّ ﻣِﺜْﻞُ ﺍﻟَّﺬِﻱ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻦَّ ﺑِﺎﻟْﻤَﻌْﺮُﻭﻑِ { ﺃﻱ :
ﻭﻟﻠﻨﺴﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﻮﻟﺘﻬﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﻭﺍﻟﻠﻮﺍﺯﻡ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﻠﻴﻬﻦ ﻷﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﺤﺒﺔ .
ﻭﻣﺮﺟﻊ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺰﻭﺟﻴﻦ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ, ﻭﻫﻮ :
ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺠﺎﺭﻳﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻣﻦ ﻣﺜﻠﻬﺎ ﻟﻤﺜﻠﻪ، ﻭﻳﺨﺘﻠﻒ ﺫﻟﻚ ﺑﺎﺧﺘﻼﻑ ﺍﻷﺯﻣﻨﺔ ﻭﺍﻷﻣﻜﻨﺔ, ﻭﺍﻷﺣﻮﺍﻝ, ﻭﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﺋﺪ .
ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﻜﺴﻮﺓ, ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺷﺮﺓ, ﻭﺍﻟﻤﺴﻜﻦ, ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻮﻁﺀ ـ ﺍﻟﻜﻞ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ، ﻓﻬﺬﺍ ﻣﻮﺟﺐ ﺍﻟﻌﻘﺪ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ .
ﻭﺃﻣﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﺮﻁ , ﻓﻌﻠﻰ ﺷﺮﻃﻬﻤﺎ, ﺇﻻ ﺷﺮﻃًﺎ ﺃﺣﻞ ﺣﺮﺍﻣًﺎ, ﺃﻭ ﺣﺮﻡ ﺣﻼﻟًﺎ .
} ﻭَﻟِﻠﺮِّﺟَﺎﻝِ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻦَّ ﺩَﺭَﺟَﺔٌ { ﺃﻱ : ﺭﻓﻌﺔ ﻭﺭﻳﺎﺳﺔ, ﻭﺯﻳﺎﺩﺓ ﺣﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ,
ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﺍﻟﺮِّﺟَﺎﻝُ ﻗَﻮَّﺍﻣُﻮﻥَ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻨِّﺴَﺎﺀِ ﺑِﻤَﺎ ﻓَﻀَّﻞَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺑَﻌْﻀَﻬُﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﺑَﻌْﺾٍ ﻭَﺑِﻤَﺎ ﺃَﻧْﻔَﻘُﻮﺍ ﻣِﻦْ ﺃَﻣْﻮَﺍﻟِﻬِﻢْ{
ﻭﻣﻨﺼﺐ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ, ﻭﺍﻹﻣﺎﻣﺔ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﻭﺍﻟﻜﺒﺮﻯ, ﻭﺳﺎﺋﺮ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﻣﺨﺘﺺ ﺑﺎﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻭﻟﻪ ﺿﻌﻔﺎ ﻣﺎ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺭ, ﻛﺎﻟﻤﻴﺮﺍﺙ ﻭﻧﺤﻮﻩ .
} ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ { ﺃﻱ : ﻟﻪ ﺍﻟﻌﺰﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ, ﺍﻟﺬﻱ ﺩﺍﻧﺖ ﻟﻪ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ, ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻣﻊ ﻋﺰﺗﻪ ﺣﻜﻴﻢ ﻓﻲ ﺗﺼﺮﻓﻪ .
ﻭﻳﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻋﻤﻮﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ, ﺍﻟﺤﻮﺍﻣﻞ , ﻓﻌﺪﺗﻬﻦ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﺤﻤﻞ، ﻭﺍﻟﻼﺗﻲ ﻟﻢ ﻳﺪﺧﻞ ﺑﻬﻦ, ﻓﻠﻴﺲ ﻟﻬﻦ ﻋﺪﺓ، ﻭﺍﻹﻣﺎﺀ, ﻓﻌﺪﺗﻬﻦ
ﺣﻴﻀﺘﺎﻥ, ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻗﻮﻝ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ، ﻭﺳﻴﺎﻕ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﺤﺮﺓ .
‏[229 ‏] } ﺍﻟﻄَّﻠَﺎﻕُ ﻣَﺮَّﺗَﺎﻥِ ﻓَﺈِﻣْﺴَﺎﻙٌ ﺑِﻤَﻌْﺮُﻭﻑٍ ﺃَﻭْ ﺗَﺴْﺮِﻳﺢٌ ﺑِﺈِﺣْﺴَﺎﻥٍ ﻭَﻟَﺎ ﻳَﺤِﻞُّ ﻟَﻜُﻢْ ﺃَﻥْ ﺗَﺄْﺧُﺬُﻭﺍ ﻣِﻤَّﺎ ﺁﺗَﻴْﺘُﻤُﻮﻫُﻦَّ ﺷﻴﺌًﺎ ﺇِﻟَّﺎ ﺃَﻥْ ﻳَﺨَﺎﻓَﺎ ﺃَﻟَّﺎ ﻳُﻘِﻴﻤَﺎ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﺈِﻥْ ﺧِﻔْﺘُﻢْ ﺃَﻟَّﺎ ﻳُﻘِﻴﻤَﺎ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﻠَﺎ ﺟُﻨَﺎﺡَ
ﻋَﻠَﻴْﻬِﻤَﺎ ﻓِﻴﻤَﺎ ﺍﻓْﺘَﺪَﺕْ ﺑِﻪِ ﺗِﻠْﻚَ ﺣُﺪُﻭﺩُ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﻠَﺎ ﺗَﻌْﺘَﺪُﻭﻫَﺎ ﻭَﻣَﻦْ ﻳَﺘَﻌَﺪَّ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﺄُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻫُﻢُ ﺍﻟﻈَّﺎﻟِﻤُﻮﻥَ {
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ , ﻭﺍﺳﺘﻤﺮ ﺃﻭﻝ ﺍﻹﺳﻼﻡ, ﻳﻄﻠﻖ ﺍﻟﺮﺟﻞ  ﺯﻭﺟﺘﻪ ﺑﻼ ﻧﻬﺎﻳﺔ، ﻓﻜﺎﻥ ﺇﺫﺍ ﺃﺭﺍﺩ ﻣﻀﺎﺭﺗﻬﺎ, ﻃﻠﻘﻬﺎ, ﻓﺈﺫﺍ ﺷﺎﺭﻓﺖ ﺍﻧﻘﻀﺎﺀ ﻋﺪﺗﻬﺎ, ﺭﺍﺟﻌﻬﺎ, ﺛﻢ ﻃﻠﻘﻬﺎ ﻭﺻﻨﻊ ﺑﻬﺎ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ ﺃﺑﺪًﺍ, ﻓﻴﺤﺼﻞ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﻣﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻢ، ﻓﺄﺧﺒﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ } ﺍﻟﻄَّﻠَﺎﻕَ{ ﺃﻱ : ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﺼﻞ ﺑﻪ ﺍﻟﺮﺟﻌﺔ } ﻣَﺮَّﺗَﺎﻥِ{ ﻟﻴﺘﻤﻜﻦ ﺍﻟﺰﻭﺝ ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺮﺩ ﺍﻟﻤﻀﺎﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﺠﺎﻋﻬﺎ , ﻭﻳﺮﺍﺟﻊ ﺭﺃﻳﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺪﺓ، ﻭﺃﻣﺎ ﻣﺎ ﻓﻮﻗﻬﺎ, ﻓﻠﻴﺲ ﻣﺤﻼ ﻟﺬﻟﻚ, ﻷﻥ ﻣﻦ ﺯﺍﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻨﺘﻴﻦ , ﻓﺈﻣﺎ ﻣﺘﺠﺮﺉ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺤﺮﻡ, ﺃﻭ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﺭﻏﺒﺔ ﻓﻲ
ﺇﻣﺴﺎﻛﻬﺎ, ﺑﻞ ﻗﺼﺪﻩ ﺍﻟﻤﻀﺎﺭﺓ، ﻓﻠﻬﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﺰﻭﺝ, ﺃﻥ ﻳﻤﺴﻚ ﺯﻭﺟﺘﻪ } ﺑِﻤَﻌْﺮُﻭﻑٍ{ ﺃﻱ : ﻋﺸﺮﺓ ﺣﺴﻨﺔ, ﻭﻳﺠﺮﻱ ﻣﺠﺮﻯ ﺃﻣﺜﺎﻟﻪ ﻣﻊ ﺯﻭﺟﺎﺗﻬﻢ, ﻭﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻷﺭﺟﺢ , ﻭﺇﻻ ﻳﺴﺮﺣﻬﺎ ﻭﻳﻔﺎﺭﻗﻬﺎ } ﺑِﺈِﺣْﺴَﺎﻥٍ{ ﻭﻣﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﻥ, ﺃﻥ ﻻ ﻳﺄﺧﺬ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺍﻗﻪ ﻟﻬﺎ ﺷﻴﺌًﺎ ﻣﻦ ﻣﺎﻟﻬﺎ, ﻷﻧﻪ ﻇﻠﻢ, ﻭﺃﺧﺬ ﻟﻠﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﺑﺸﻲﺀ, ﻓﻠﻬﺬﺍ
ﻗﺎﻝ : }ﻭَﻟَﺎ ﻳَﺤِﻞُّ ﻟَﻜُﻢْ ﺃَﻥْ ﺗَﺄْﺧُﺬُﻭﺍ ﻣِﻤَّﺎ ﺁﺗَﻴْﺘُﻤُﻮﻫُﻦَّ ﺷﻴﺌًﺎ ﺇِﻟَّﺎ ﺃَﻥْ ﻳَﺨَﺎﻓَﺎ ﺃَﻟَّﺎ ﻳُﻘِﻴﻤَﺎ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﺨﺎﻟﻌﺔ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ, ﺑﺄﻥ ﻛﺮﻫﺖ ﺍﻟﺰﻭﺟﺔ ﺯﻭﺟﻬﺎ, ﻟﺨﻠﻘﻪ ﺃﻭ ﺧﻠﻘﻪ ﺃﻭ ﻧﻘﺺ ﺩﻳﻨﻪ, ﻭﺧﺎﻓﺖ ﺃﻥ ﻻ ﺗﻄﻴﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ، } ﻓَﺈِﻥْ ﺧِﻔْﺘُﻢْ ﺃَﻟَّﺎ ﻳُﻘِﻴﻤَﺎ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﻠَﺎ ﺟُﻨَﺎﺡَ
ﻋَﻠَﻴْﻬِﻤَﺎ ﻓِﻴﻤَﺎ ﺍﻓْﺘَﺪَﺕْ ﺑِﻪِ{ ﻷﻧﻪ ﻋﻮﺽ ﻟﺘﺤﺼﻴﻞ ﻣﻘﺼﻮﺩﻫﺎ ﻣﻦ
ﺍﻟﻔﺮﻗﺔ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺨﻠﻊ , ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ .
} ﺗِﻠْﻚَ{ ﺃﻱ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ } ﺣُﺪُﻭﺩُ ﺍﻟﻠَّﻪِ{ ﺃﻱ :
ﺃﺣﻜﺎﻣﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺷﺮﻋﻬﺎ ﻟﻜﻢ, ﻭﺃﻣﺮ ﺑﺎﻟﻮﻗﻮﻑ ﻣﻌﻬﺎ، } ﻭَﻣَﻦْ ﻳَﺘَﻌَﺪَّ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﺄُﻭﻟَﺌِﻚَ ﻫُﻢُ ﺍﻟﻈَّﺎﻟِﻤُﻮﻥَ { ﻭﺃﻱ ﻇﻠﻢ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻤﻦ ﺍﻗﺘﺤﻢ ﺍﻟﺤﻼﻝ , ﻭﺗﻌﺪﻯ ﻣﻨﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ, ﻓﻠﻢ ﻳﺴﻌﻪ ﻣﺎ ﺃﺣﻞ ﺍﻟﻠﻪ؟
ﻭﺍﻟﻈﻠﻢ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻗﺴﺎﻡ :
ﻇﻠﻢ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻇﻠﻢ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺍﻷﻛﺒﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺮﻙ , ﻭﻇﻠﻢ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻠﻖ، ﻓﺎﻟﺸﺮﻙ ﻻ ﻳﻐﻔﺮﻩ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺘﻮﺑﺔ, ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ, ﻻ ﻳﺘﺮﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻨﻬﺎ ﺷﻴﺌًﺎ، ﻭﺍﻟﻈﻠﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﻭﺭﺑﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﺸﺮﻙ, ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻤﺸﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ .
‏[230 ـ 231 ‏] } ﻓَﺈِﻥْ ﻃَﻠَّﻘَﻬَﺎ ﻓَﻠَﺎ ﺗَﺤِﻞُّ ﻟَﻪُ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪُ ﺣَﺘَّﻰ ﺗَﻨْﻜِﺢَ ﺯَﻭْﺟًﺎ ﻏَﻴْﺮَﻩُ ﻓَﺈِﻥْ ﻃَﻠَّﻘَﻬَﺎ ﻓَﻠَﺎ ﺟُﻨَﺎﺡَ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻤَﺎ ﺃَﻥْ ﻳَﺘَﺮَﺍﺟَﻌَﺎ ﺇِﻥْ ﻇَﻨَّﺎ ﺃَﻥْ ﻳُﻘِﻴﻤَﺎ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺗِﻠْﻚَ ﺣُﺪُﻭﺩُ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻳُﺒَﻴِّﻨُﻬَﺎ ﻟِﻘَﻮْﻡٍ ﻳَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ * ﻭَﺇِﺫَﺍ ﻃَﻠَّﻘْﺘُﻢُ ﺍﻟﻨِّﺴَﺎﺀَ ﻓَﺒَﻠَﻐْﻦَ ﺃَﺟَﻠَﻬُﻦَّ ﻓَﺄَﻣْﺴِﻜُﻮﻫُﻦَّ ﺑِﻤَﻌْﺮُﻭﻑٍ ﺃَﻭْ ﺳَﺮِّﺣُﻮﻫُﻦَّ ﺑِﻤَﻌْﺮُﻭﻑٍ ﻭَﻟَﺎ ﺗُﻤْﺴِﻜُﻮﻫُﻦَّ ﺿِﺮَﺍﺭًﺍ ﻟِﺘَﻌْﺘَﺪُﻭﺍ ﻭَﻣَﻦْ ﻳَﻔْﻌَﻞْ ﺫَﻟِﻚَ ﻓَﻘَﺪْ ﻇَﻠَﻢَ ﻧَﻔْﺴَﻪُ ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺘَّﺨِﺬُﻭﺍ ﺁﻳَﺎﺕِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻫُﺰُﻭًﺍ ﻭَﺍﺫْﻛُﺮُﻭﺍ ﻧِﻌْﻤَﺔَ ﺍﻟﻠَّﻪِ
ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻭَﻣَﺎ ﺃَﻧْﺰَﻝَ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻜِﺘَﺎﺏِ ﻭَﺍﻟْﺤِﻜْﻤَﺔِ ﻳَﻌِﻈُﻜُﻢْ ﺑِﻪِ ﻭَﺍﺗَّﻘُﻮﺍ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﻭَﺍﻋْﻠَﻤُﻮﺍ ﺃَﻥَّ ﺍﻟﻠَّﻪَ ﺑِﻜُﻞِّ ﺷَﻲْﺀٍ ﻋَﻠِﻴﻢٌ {
ﻳﻘﻮﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ : } ﻓَﺈِﻥْ ﻃَﻠَّﻘَﻬَﺎ{ ﺃﻱ: ﺍﻟﻄﻠﻘﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ } ﻓَﻠَﺎ ﺗَﺤِﻞُّ ﻟَﻪُ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪُ ﺣَﺘَّﻰ ﺗَﻨْﻜِﺢَ ﺯَﻭْﺟًﺎ ﻏَﻴْﺮَﻩُ{ ﺃﻱ : ﻧﻜﺎﺣﺎ ﺻﺤﻴﺤﺎ ﻭﻳﻄﺆﻫﺎ , ﻷﻥ ﺍﻟﻨﻜﺎﺡ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺇﻻ ﺻﺤﻴﺤﺎ, ﻭﻳﺪﺧﻞ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻌﻘﺪ ﻭﺍﻟﻮﻁﺀ, ﻭﻫﺬﺍ ﺑﺎﻻﺗﻔﺎﻕ .
ﻭﻳﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻧﻜﺎﺡ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ , ﻧﻜﺎﺡ ﺭﻏﺒﺔ، ﻓﺈﻥ ﻗﺼﺪ ﺑﻪ ﺗﺤﻠﻴﻠﻬﺎ ﻟﻸﻭﻝ , ﻓﻠﻴﺲ ﺑﻨﻜﺎﺡ, ﻭﻻ ﻳﻔﻴﺪ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ، ﻭﻻ ﻳﻔﻴﺪ ﻭﻁﺀ ﺍﻟﺴﻴﺪ, ﻷﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺑﺰﻭﺝ، ﻓﺈﺫﺍ ﺗﺰﻭﺟﻬﺎ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺭﺍﻏﺒﺎ ﻭﻭﻃﺌﻬﺎ , ﺛﻢ ﻓﺎﺭﻗﻬﺎ ﻭﺍﻧﻘﻀﺖ ﻋﺪﺗﻬﺎ } ﻓَﻠَﺎ ﺟُﻨَﺎﺡَ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻤَﺎ{ ﺃﻱ: ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺰﻭﺝ ﺍﻷﻭﻝ ﻭﺍﻟﺰﻭﺟﺔ } ﺃَﻥْ ﻳَﺘَﺮَﺍﺟَﻌَﺎ { ﺃﻱ : ﻳﺠﺪﺩﺍ ﻋﻘﺪﺍ ﺟﺪﻳﺪﺍ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ, ﻹﺿﺎﻓﺘﻪ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ ﺇﻟﻴﻬﻤﺎ, ﻓﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﺘﺮﺍﺿﻲ .
ﻭﻟﻜﻦ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ ﺃﻥ ﻳﻈﻨﺎ } ﺃَﻥْ ﻳُﻘِﻴﻤَﺎ ﺣُﺪُﻭﺩَ ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﺑﺄﻥ ﻳﻘﻮﻡ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ, ﺑﺤﻖ ﺻﺎﺣﺒﻪ، ﻭﺫﻟﻚ ﺇﺫﺍ ﻧﺪﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺸﺮﺗﻬﻤﺎ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﺒﺔ ﻟﻠﻔﺮﺍﻕ, ﻭﻋﺰﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﺒﺪﻻﻫﺎ ﺑﻌﺸﺮﺓ ﺣﺴﻨﺔ, ﻓﻬﻨﺎ ﻻ ﺟﻨﺎﺡ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺍﺟﻊ .
ﻭﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻵﻳﺔ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ, ﺃﻧﻬﻤﺎ ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻈﻨﺎ ﺃﻥ ﻳﻘﻴﻤﺎ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﻠﻪ, ﺑﺄﻥ ﻏﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﻇﻨﻬﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺑﺎﻗﻴﺔ, ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻟﺴﻴﺌﺔ ﻏﻴﺮ ﺯﺍﺋﻠﺔ ﺃﻥ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺟﻨﺎﺣﺎ, ﻷﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﻣﻮﺭ, ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻘﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ, ﻭﻳﺴﻠﻚ ﺑﻬﺎ ﻃﺎﻋﺘﻪ, ﻟﻢ ﻳﺤﻞ ﺍﻹﻗﺪﺍﻡ ﻋﻠﻴﻬﺎ .
ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺩﻻﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ, ﺇﺫﺍ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺃﻣﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻮﺭ, ﺧﺼﻮﺻًﺎ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ, ﺍﻟﺼﻐﺎﺭ, ﻭﺍﻟﻜﺒﺎﺭ, ﻧﻈﺮ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ، ﻓﺈﻥ ﺭﺃﻯ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻗﻮﺓ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ, ﻭﻭﺛﻖ ﺑﻬﺎ, ﺃﻗﺪﻡ, ﻭﺇﻻ ﺃﺣﺠﻢ .
ﻭﻟﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻗﺎﻝ : } ﻭَﺗِﻠْﻚَ ﺣُﺪُﻭﺩُ ﺍﻟﻠَّﻪِ { ﺃﻱ : ﺷﺮﺍﺋﻌﻪ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺪﺩﻫﺎ ﻭﺑﻴﻨﻬﺎ ﻭﻭﺿﺤﻬﺎ .
}ﻳُﺒَﻴِّﻨُﻬَﺎ ﻟِﻘَﻮْﻡٍ ﻳَﻌْﻠَﻤُﻮﻥَ { ﻷﻧﻬﻢ ﻫﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﻔﻌﻮﻥ ﺑﻬﺎ , ﺍﻟﻨﺎﻓﻌﻮﻥ
ﻟﻐﻴﺮﻫﻢ .
ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻌﻠﻢ, ﻣﺎ ﻻ ﻳﺨﻔﻰ, ﻷﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺟﻌﻞ ﺗﺒﻴﻴﻨﻪ ﻟﺤﺪﻭﺩﻩ, ﺧﺎﺻﺎ ﺑﻬﻢ, ﻭﺃﻧﻬﻢ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩﻭﻥ ﺑﺬﻟﻚ، ﻭﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﺤﺐ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩﻩ, ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺣﺪﻭﺩ ﻣﺎ ﺃﻧﺰﻝ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﻮﻟﻪ ﻭﺍﻟﺘﻔﻘﻪ ﺑﻬﺎ

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأربعاء سبتمبر 24, 2014 11:31 pm

232‏]‏ ‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏


هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة‏,‏ وأراد زوجها أن ينكحها‏,‏ ورضيت بذلك‏,‏ فلا يجوز لوليها‏,‏ من أب وغيره‏;‏ أن يعضلها‏;‏ أي‏:‏ يمنعها من التزوج به حنقا عليه‏;‏ وغضبا‏;‏ واشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول‏.‏


وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي‏:‏ واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له كما هو عادة المترفعين المتكبرين‏.‏


فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه‏,‏ فالله ‏{‏يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}‏ فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم‏,‏ مريد لها‏,‏ قادر عليها‏,‏ ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره‏.‏


وفي هذه الآية‏,‏ دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح‏,‏ لأنه نهى الأولياء عن العضل‏,‏ ولا ينهاهم إلا عن أمر‏,‏ هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق‏.‏


ثم قال تعالى‏:‏


‏[‏233‏]‏ ‏{‏وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏


هذا خبر بمعنى الأمر‏,‏ تنزيلا له منزلة المتقرر‏,‏ الذي لا يحتاج إلى أمر بأن ‏{‏يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ‏}‏


ولما كان الحول‏,‏ يطلق على الكامل‏,‏ وعلى معظم الحول قال‏:‏ ‏{‏كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ‏}‏ فإذا تم للرضيع حولان‏,‏ فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك‏,‏ بمنزلة سائر الأغذية‏,‏ فلهذا كان الرضاع بعد الحولين‏,‏ غير معتبر‏,‏ لا يحرم‏.‏


ويؤخذ من هذا النص‏,‏ ومن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا‏}‏ أن أقل مدة الحمل ستة أشهر‏,‏ وأنه يمكن وجود الولد بها‏.‏


‏{‏وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‏}‏ أي‏:‏ الأب ‏{‏رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة‏,‏ فإن على الأب رزقها‏,‏ أي‏:‏ نفقتها وكسوتها‏,‏ وهي الأجرة للرضاع‏.‏


ودل هذا‏,‏ على أنها إذا كانت في حباله‏,‏ لا يجب لها أجرة‏,‏ غير النفقة والكسوة‏,‏ وكل بحسب حاله‏,‏ فلهذا قال‏:‏ ‏{‏لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا‏}‏ فلا يكلف الفقير أن ينفق نفقة الغني‏,‏ ولا من لم يجد شيئًا بالنفقة حتى يجد، ‏{‏لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏}‏ أي‏:‏ لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها‏,‏ إما أن تمنع من إرضاعه‏,‏ أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة‏,‏ والكسوة أو الأجرة، ‏{‏وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏}‏ بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة له‏,‏ أو تطلب زيادة عن الواجب‏,‏ ونحو ذلك من أنواع الضرر‏.‏


ودل قوله‏:‏ ‏{‏مَوْلُودٌ لَهُ‏}‏ أن الولد لأبيه‏,‏ لأنه موهوب له‏,‏ ولأنه من كسبه، فلذلك جاز له الأخذ من ماله‏,‏ رضي أو لم يرض‏,‏ بخلاف الأم‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ على وارث الطفل إذا عدم الأب‏,‏ وكان الطفل ليس له مال‏,‏ مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين‏,‏ على القريب الوارث الموسر، ‏{‏فَإِنْ أَرَادَا‏}‏ أي‏:‏ الأبوان ‏{‏فِصَالًا‏}‏ أي‏:‏ فطام الصبي قبل الحولين، ‏{‏عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا‏}‏ بأن يكونا راضيين ‏{‏وَتَشَاوُرٍ‏}‏ فيما بينهما‏,‏ هل هو مصلحة للصبي أم لا‏؟‏ فإن كان مصلحة ورضيا ‏{‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا‏}‏ في فطامه قبل الحولين، فدلت الآية بمفهومها‏,‏ على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر‏,‏ أو لم يكن مصلحة للطفل‏,‏ أنه لا يجوز فطامه‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه المضارة ‏{‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ أي‏:‏ للمرضعات‏,‏ ‏{‏وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ فمجازيكم على ذلك بالخير والشر‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأربعاء سبتمبر 24, 2014 11:38 pm

[‏234‏]‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏


أي‏:‏ إذا توفي الزوج‏,‏ مكثت زوجته‏,‏ متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا، والحكمة في ذلك‏,‏ ليتبين الحمل في مدة الأربعة‏,‏ ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل‏,‏ فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة‏,‏ عدتها على النصف من عدة الحرة‏,‏ شهران وخمسة أيام‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ انقضت عدتهن ‏{‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ‏}‏ أي‏:‏ من مراجعتها للزينة والطيب، ‏{‏بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ أي‏:‏ على وجه غير محرم ولا مكروه‏.‏


وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة‏,‏ على المتوفى عنها زوجها‏,‏ دون غيرها من المطلقات والمفارقات‏,‏ وهو مجمع عليه بين العلماء‏.‏


‏{‏وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ عالم بأعمالكم‏,‏ ظاهرها وباطنها‏,‏ جليلها وخفيها‏,‏ فمجازيكم عليها‏.‏


وفي خطابه للأولياء بقوله‏:‏ ‏{‏فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ‏}‏ دليل على أن الولي ينظر على المرأة‏,‏ ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب‏,‏ وأنه مخاطب بذلك‏,‏ واجب عليه‏.‏


‏[‏235‏]‏ ‏{‏وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏}‏


هذا حكم المعتدة من وفاة‏,‏ أو المبانة في الحياة، فيحرم على غير مبينها أن يصرح لها في الخطبة‏,‏ وهو المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا‏}‏ وأما التعريض‏,‏ فقد أسقط تعالى فيه الجناح‏.‏


والفرق بينهما‏:‏ أن التصريح‏,‏ لا يحتمل غير النكاح‏,‏ فلهذا حرم‏,‏ خوفا من استعجالها‏,‏ وكذبها في انقضاء عدتها‏,‏ رغبة في النكاح، ففيه دلالة على منع وسائل المحرم‏,‏ وقضاء لحق زوجها الأول‏,‏ بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها‏.‏


وأما التعريض‏,‏ وهو الذي يحتمل النكاح وغيره‏,‏ فهو جائز للبائن كأن يقول لها‏:‏ إني أريد التزوج‏,‏ وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك‏,‏ ونحو ذلك‏,‏ فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة الصريح‏,‏ وفي النفوس داع قوي إليه‏.‏


وكذلك إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها‏,‏ إذا انقضت، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ‏}‏ هذا التفصيل كله في مقدمات العقد‏.‏


وأما عقد النكاح فلا يحل ‏{‏حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ‏}‏ أي‏:‏ تنقضي العدة‏.‏


‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ فانووا الخير‏,‏ ولا تنووا الشر‏,‏ خوفا من عقابه ورجاء لثوابه‏.‏


‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ‏}‏ لمن صدرت منه الذنوب‏,‏ فتاب منها‏,‏ ورجع إلى ربه ‏{‏حَلِيمٌ‏}‏ حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم‏,‏ مع قدرته عليهم‏.‏


‏[‏236‏]‏ ‏{‏لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏


أي‏:‏ ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح وإثم‏,‏ بتطليق النساء قبل المسيس‏,‏ وفرض المهر‏,‏ وإن كان في ذلك كسر لها‏,‏ فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن بأن تعطوهن شيئًا من المال‏,‏ جبرا لخواطرهن‏.‏ ‏{‏عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ‏}‏ أي‏:‏ المعسر ‏{‏قَدَرُهُ‏}‏


وهذا يرجع إلى العرف‏,‏ وأنه يختلف باختلاف الأحوال ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ فهذا حق واجب ‏{‏عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ليس لهم أن يبخسوهن‏.‏


فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن‏,‏ وتعلق قلوبهن‏,‏ ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه‏,‏ فعليهم في مقابلة ذلك المتعة‏.‏


فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي‏,‏ وأدله على حكمة شارعه ورحمته ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون‏؟‏ فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر‏.‏


ثم ذكر حكم المفروض لهن فقال‏:‏


‏[‏237‏]‏ ‏{‏وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏


أي‏:‏ إذا طلقتم النساء قبل المسيس‏,‏ وبعد فرض المهر‏,‏ فللمطلقات من المهر المفروض نصفه‏,‏ ولكم نصفه‏.‏


هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة‏,‏ بأن تعفو عن نصفها لزوجها‏,‏ إذا كان يصح عفوها‏,‏ ‏{‏أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ‏}‏ وهو الزوج على الصحيح لأنه الذي بيده حل عقدته؛ ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة‏,‏ لكونه غير مالك ولا وكيل‏.‏


ثم رغب في العفو‏,‏ وأن من عفا‏,‏ كان أقرب لتقواه‏,‏ لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر‏,‏ ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف‏,‏ وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة‏,‏ لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين‏:‏ إما عدل وإنصاف واجب‏,‏ وهو‏:‏ أخذ الواجب‏,‏ وإعطاء الواجب‏.‏ وإما فضل وإحسان‏,‏ وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق‏,‏ والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة‏,‏ ولو في بعض الأوقات‏,‏ و خصوصًا لمن بينك وبينه معاملة‏,‏ أو مخالطة‏,‏ فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   السبت سبتمبر 27, 2014 12:06 am

ثم قال تعالى‏:‏ ‏[‏238 ـ 239‏]‏ ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ‏}
يأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا وعلى الصلاة الوسطى، وهي العصر خصوصًا، والمحافظة عليها أداؤهابوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ أي‏:‏ ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة‏.‏
‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ‏}‏ لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي‏:‏ إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة فصلوها ‏{‏رِجَالًا‏}‏ أي‏:‏ ماشين على أقدامكم، ‏{‏أَوْ رُكْبَانًا‏}‏ على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت ‏{‏فَإِذَا أَمِنْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ زال الخوف عنكم ‏{‏فَاذْكُرُوا اللَّهَ‏}‏ وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها ‏{‏كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون‏}‏ فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم ويزيدكم عليها‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏[‏240‏]‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
أي‏:‏ الأزواج الذين يموتون ويتركون خلفهم أزواجا فعليهم أن يوصوا ‏{‏وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج‏}‏ أي‏:‏ يوصون أن يلزمن بيوتهم مدة سنة لا يخرجن منها ‏{‏فإن خرجن‏}‏ من أنفسهن ‏{‏فلا جناح عليكم‏}‏ أيها الأولياء ‏{‏فيما فعلن في أنفسهم من معروف والله عزيز حكيم‏}‏ أي‏:‏ من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك وأكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة بما قبلها وهي قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا‏}‏ وقيل لم تنسخها بل الآية الأولى دلت على أن أربعة أشهر وعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة ينبغي فعلها تكميلا لحق الزوج، ومراعاة للزوجة، والدليل على أن ذلك مستحب أنه هنا نفى الجناح عن الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، فلو كان لزوم المسكن واجبا لم ينف الحرج عنهم‏.‏
‏[‏241 ـ 242‏]‏ ‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}
أي‏:‏ لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على كل متق، جبرا لخاطرها وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طلقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيّد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة‏.‏
ولما بيّن تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها على عباده فقال‏:‏ ‏{‏كذلك يبين الله لكم آياته‏}‏ أي‏:‏ حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها، ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏243 ـ 245‏]‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}
يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، ‏{‏فقال لهم الله موتوا‏}‏ فماتوا ‏{‏ثم‏}‏ إن الله تعالى ‏{‏أحياهم‏}‏ إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إن الله لذو فضل‏}‏ أي‏:‏ عظيم ‏{‏على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون‏}‏ فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم‏.‏
ثم أمر تعالى بالقتال في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال‏:‏ ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم‏}‏ أي‏:‏ فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئًا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك‏.‏
ولما كان القتال فى سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا‏}‏ فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصًا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى، ‏{‏فيضاعفه له أضعافا كثيرة‏}‏ الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله‏:‏ ‏{‏والله يقبض ويبسط‏}‏ أي‏:‏ يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملًا موفرا مضاعفا، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وإليه ترجعون‏}‏ فيجازيكم بأعمالكم‏.‏
ففي هذه الآيات دليل على أن الأسباب لا تنفع مع القضاء والقدر، و خصوصًا الأسباب التي تترك بها أوامر الله‏.‏ وفيها‏:‏ الآية العظيمة بإحياء الموتى أعيانا في هذه الدار‏.‏ وفيها‏:‏ الأمر بالقتال والنفقة في سبيل الله، وذكر الأسباب الداعية لذلك الحاثة عليه، من تسميته قرضا، ومضاعفته، وأن الله يقبض ويبسط وإليه ترجعون‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأحد سبتمبر 28, 2014 1:30 am

246 ـ 248‏]‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}
يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص الملأ بالذكر، لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام فقالوا له ‏{‏ابعث لنا ملكا‏}‏ أي‏:‏ عيِّن لنا ملكا ‏{‏نقاتل في سبيل الله‏}‏ ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة ‏{‏قال‏}‏ لهم نبيهم ‏{‏هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا‏}‏ أي‏:‏ لعلكم تطلبون شيئًا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا‏}‏ أي‏:‏ أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم ‏{‏فلما كتب عليهم القتال تولوا‏}‏ فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن ‏{‏إلا قليلا منهم‏}‏ فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏والله عليم بالظالمين وقال لهم نبيهم‏}‏ مجيبا لطلبهم ‏{‏إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا‏}‏ فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا‏:‏ ‏{‏أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال‏}‏ أي‏:‏ كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه‏.‏ ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم‏:‏ ‏{‏إن الله اصطفاه عليكم‏}‏ فلزمكم الانقياد لذلك ‏{‏وزاده بسطة في العلم والجسم‏}‏ أي‏:‏ فضله عليكم بالعلم والجسم، أي‏:‏ بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئًا ‏{‏والله واسع‏}‏ الفضل كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك ‏{‏عليم‏}‏ بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد‏.‏
ثم ذكر لهم نبيهم أيضًا آية حسية يشاهدونها وهي إتيان التابوت الذي قد فقدوه زمانا طويلا وفي ذلك التابوت سكينة تسكن بها قلوبهم، وتطمئن لها خواطرهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فأتت به الملائكة حاملة له وهم يرونه عيانا‏.‏
[‏249 ـ 252‏]‏ ‏{‏فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏}‏
أي‏:‏ لما تملَّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددا كثيرًا وجما غفيرًا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك فقال‏:‏ ‏{‏إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني‏}‏ فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته ‏{‏ومن لم يطعمه‏}‏ أي‏:‏ لم يشرب منه فإنه مني ‏{‏إلا من اغترف غرفة بيده‏}‏ فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلا على الله، وتضرعًا واستكانة وتبرؤا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جاوزه‏}‏ أي‏:‏ النهر ‏{‏هو‏}‏ أي‏:‏ طالوت ‏{‏والذين آمنوا معه‏}‏ وهم الذين أطاعوا أمر الله ولم يشربوا من النهر الشرب المنهي عنه فرأوا‏.‏‏.‏‏.‏ قلتهم وكثرة أعدائهم، قالوا أي‏:‏ قال كثير منهم ‏{‏لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده‏}‏ لكثرتهم وعَددهم وعُددهم ‏{‏قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله‏}‏ أي‏:‏ يستيقنون ذلك، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر ‏{‏كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله‏}‏ أي‏:‏ بإرادته ومشيئته فالأمر لله تعالى، والعزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فلا تغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، ‏{‏والله مع الصابرين‏}‏ بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم‏.‏
ولهذا لما برزوا لجالوت وجنوده ‏{‏قالوا‏}‏ جميعهم ‏{‏ربنا أفرغ علينا صبرا‏}‏ أي‏:‏ قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر، وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار، وانصرنا على القوم الكافرين‏.‏
من ها هنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارا، فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم ‏{‏فهزموهم بإذن الله وقتل داود‏}‏ عليه السلام، وكان مع جنود طالوت، ‏{‏جالوت‏}‏ أي‏:‏ باشر قتل ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره ‏{‏وآتاه الله‏}‏ أي‏:‏ آتى الله داود ‏{‏الملك والحكمة‏}‏ أي‏:‏ منَّ عليه بتملكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ولهذا قال ‏{‏وعلمه مما يشاء‏}‏ من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض‏}‏ أي‏:‏ لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه ‏{‏ولكن الله ذو فضل على العالمين‏}‏ حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق‏}‏ أي‏:‏ بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور ‏{‏وإنك لمن المرسلين‏}‏ فهذه شهادة من الله لرسوله برسالته التي من جملة أدلتها ما قصه الله عليه من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله إياه لما كان عنده بذلك علم بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدل أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون‏.‏
وفي هذه القصة من الآيات والعبر ما يتذكر به أولو الألباب، فمنها‏:‏ أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم ويلم متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم، ومنها‏:‏ أن الحق كلما عورض وأوردت عليه الشبه ازداد وضوحا وتميز وحصل به اليقين التام كما جرى لهؤلاء، لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشبه والريب‏.‏ ومنها‏:‏ أن العلم والرأي‏:‏ مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها‏.‏ ومنها‏:‏ أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم ‏{‏وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا‏}‏ فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله‏:‏ ‏{‏ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله‏}‏ ومنها‏:‏ أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز‏.‏ ومنها‏:‏ أن من رحمته وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، وأنه لولا ذلك لفسدت الأرض باستيلاء الكفر وشعائره عليها

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   السبت أكتوبر 18, 2014 4:17 pm

‏‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏}
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين ‏{‏وآتينا عيسى ابن مريم البينات‏}‏ الدالات على نبوته وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ‏{‏وأيدناه بروح القدس‏}‏ أي‏:‏ بالإيمان واليقين الذي أيده به الله وقواه على ما أمر به، وقيل أيده بجبريل عليه السلام يلازمه في أحواله ‏{‏ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات‏}‏ الموجبة للاجتماع على الإيمان ‏{‏ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر‏}‏ فكان موجب هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب، فلهذا قال ‏{‏ولكن الله يفعل ما يريد‏}‏ فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الاستواء والنزول والأقوال، والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية‏.‏
فائدة‏:‏ كما يجب على المكلف معرفته بربه، فيجب عليه معرفته برسله، ما يجب لهم ويمتنع عليهم ويجوز في حقهم، ويؤخذ جميع ذلك مما وصفهم الله به في آيات متعددة، منها‏:‏ أنهم رجال لا نساء، من أهل القرى لا من أهل البوادي، وأنهم مصطفون مختارون، جمع الله لهم من الصفات الحميدة ما به الاصطفاء والاختيار، وأنهم سالمون من كل ما يقدح في رسالتهم من كذب وخيانة وكتمان وعيوب مزرية، وأنهم لا يقرون على خطأ فيما يتعلق بالرسالة والتكليف، وأن الله تعالى خصهم بوحيه، فلهذا وجب الإيمان بهم وطاعتهم ومن لم يؤمن بهم فهو كافر، ومن قدح في واحد منهم أو سبه فهو كافر يتحتم قتله، ودلائل هذه الجمل كثيرة، من تدبر القرآن تبين له الحق، ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏254‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}
وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏والكافرون هم الظالمون‏}‏ وهذا من باب الحصر، أي‏:‏ الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏ ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏255‏]‏ ‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏}‏
هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن ‏{‏لا إله إلا هو‏}‏ أي‏:‏ لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلًا أوامره مجتنبًا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرًا فقيرًا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئًا من أنواع العبادة، وقوله‏:‏ ‏{‏الحي القيوم‏}‏ هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم‏:‏ هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين‏:‏ إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن ‏{‏لا تأخذه سنة ولا نوم‏}‏ والسنة النعاس ‏{‏له ما في السموات وما في الأرض‏}‏ أي‏:‏ هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فلهذا قال‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه‏}‏ أي‏:‏ لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال ‏{‏يعلم ما بين أيديهم‏}‏ أي‏:‏ ما مضى من جميع الأمور ‏{‏وما خلفهم‏}‏ أي‏:‏ ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض‏}‏ وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السموات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السموات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏ولا يؤوده‏}‏ أي‏:‏ يثقله ‏{‏حفظهما وهو العلي‏}‏ بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته ‏{‏العظيم‏}‏ الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا، ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏256 ـ 257‏]‏ ‏{‏لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}
يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحًا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته ‏{‏فقد استمسك بالعروة الوثقى‏}‏ أي‏:‏ بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي ‏{‏لا انفصام لها‏}‏ وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم ‏{‏والله سميع عليم‏}‏ فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها‏.‏
ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك فقال‏:‏ ‏{‏الله ولي الذين آمنوا‏}‏ وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد اتخذوه حبيبا ووليا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومنَّ عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور ‏{‏والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت‏}‏ فتولوا الشيطان وحزبه، واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم، فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا، ويزعجونهم إلى الشر إزعاجا، فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة إلى ظلمة الكفر والجهل والمعاصي، فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات، وفاتهم النعيم والبهجة والمسرات، وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الثلاثاء أكتوبر 21, 2014 1:35 am

[‏258‏]‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه‏}‏ أي‏:‏ إلى جرائته وتجاهله وعناده ومحاجته فيما لا يقبل التشكيك، وما حمله على ذلك إلا ‏{‏أن آتاه الله الملك‏}‏ فطغى وبغى ورأى نفسه مترئسا على رعيته، فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم في ربوبية الله فزعم أنه يفعل كما يفعل الله، فقال إبراهيم ‏{‏ربي الذي يحيي ويميت‏}‏ أي‏:‏ هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة، فقال ذلك المحاج‏:‏ ‏{‏أنا أحيي وأميت‏}‏ ولم يقل أنا الذي أحيي وأميت، لأنه لم يدع الاستقلال بالتصرف، وإنما زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلًا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل فقال إبراهيم‏:‏ ‏{‏فإن الله يأتي بالشمس من المشرق‏}‏ أي‏:‏ عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر ‏{‏فأت بها من المغرب‏}‏ وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه، فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحا يقدح في سبيله ‏{‏بهت الذي كفر‏}‏ أي‏:‏ تحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته، وهذه حالة المبطل المعاند الذي يريد أن يقاوم الحق ويغالبه، فإنه مغلوب مقهور، فلذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏والله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏ بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك، وإلا فلو كان قصدهم الحق والهداية لهداهم إليه ويسر لهم أسباب الوصول إليه، ففي هذه الآية برهان قاطع على تفرد الرب بالخلق والتدبير، ويلزم من ذلك أن يفرد بالعبادة والإنابة والتوكل عليه في جميع الأحوال، قال ابن القيم رحمه الله‏:‏ وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا، وهي أن شرك العالم إنما هو مستند إلى عبادة الكواكب والقبور، ثم صورت الأصنام على صورها، فتضمن الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك جملة بأن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد موته، فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة، ومن كان كذلك فكيف يكون إلها حتى يتخذ الصنم على صورته، ويعبد من دونه، وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس هذه الشمس وهي مربوبة مدبرة مسخرة، لا تصرف لها بنفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة، لا إله يعبد من دون الله‏.‏ ‏"‏من مفتاح دار السعادة‏"‏ ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏259‏]‏ ‏{‏أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏
وهذا أيضًا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء، فقال‏:‏ ‏{‏أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها‏}‏ أي‏:‏ قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها، فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة، فوقف عليها ذلك الرجل متعجبا و ‏{‏قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها‏}‏ استبعادا لذلك وجهلًا بقدرة الله تعالى، فلما أراد الله به خيرًا أراه آية في نفسه وفي حماره، وكان معه طعام وشراب، ‏{‏فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم‏}‏ استقصارا لتلك المدة التي مات فيها لكونه قد زالت معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته، فقيل له ‏{‏بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه‏}‏ أي‏:‏ لم يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه، ففيه أكبر دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد، مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادا ‏{‏وانظر إلى حمارك‏}‏ وكان قد مات وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه، وتفرقت أوصاله ‏{‏ولنجعلك آية للناس‏}‏ على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم، لتكون أنموذجا محسوسا مشاهدا بالأبصار، فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل ‏{‏وانظر إلى العظام كيف ننشزها‏}‏ أي‏:‏ ندخل بعضها في بعض، ونركب بعضها ببعض ‏{‏ثم نكسوها لحما‏}‏ فنظر إليها عيانا كما وصفها الله تعالى، ‏{‏فلما تبين له‏}‏ ذلك وعلم قدرة الله تعالى ‏{‏قال أعلم أن الله على كل شيء قدير‏}‏ والظاهر من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرا، وأن يجعله آية ودليلا للناس لثلاثة أوجه أحدها قوله ‏{‏أنى يحيي هذه الله بعد موتها‏}‏ ولو كان نبيا أو عبدا صالحا لم يقل ذلك، والثاني‏:‏ أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليراه بعينه فيقر بما أنكره، ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى حالتها، ولا في السياق ما يدل على ذلك، ولا في ذلك كثير فائدة، ما الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها أو غيرهم فعمروها‏؟‏‏!‏ وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه بحاله، والثالث في قوله‏:‏ ‏{‏فلما تبين له‏}‏ أي‏:‏ تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه، فعلم بذلك صحة ما ذكرناه، والله أعلم‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏260‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏
وهذا فيه أيضًا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانًا ليحصل له مرتبة عين اليقين، فلهذا قال الله له‏:‏ ‏{‏أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي‏}‏ وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان، فقال له ربه ‏{‏فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك‏}‏ أي‏:‏ ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك‏.‏ ‏{‏ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا‏}‏ أي‏:‏ مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض، واجعل على كل جبل، أي‏:‏ من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء ‏{‏ثم ادعهن يأتينك سعيًا‏}‏ أي‏:‏ تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك وحصل له ما أراد وهذا من ملكوت السموات والأرض الذي أراه الله إياه في قوله ‏{‏وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏واعلم أن الله عزيز حكيم‏}‏ أي‏:‏ ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئًا عبثًا، ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏261‏]‏ ‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏
هذا بيان للمضاعفة التي ذكرها الله في قوله ‏{‏من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة‏}‏ وهنا قال‏:‏ ‏{‏مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله‏}‏ أي‏:‏ في طاعته ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد في سبيله ‏{‏كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة‏}‏ وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كان العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة، ‏{‏والله يضاعف‏}‏ هذه المضاعفة ‏{‏لمن يشاء‏}‏ أي‏:‏ بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها، ويحتمل أن يكون ‏{‏والله يضاعف‏}‏ أكثر من هذه المضاعفة ‏{‏لمن يشاء‏}‏ فيعطيهم أجرهم بغير حساب ‏{‏والله واسع‏}‏ الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته، ومع هذا فهو ‏{‏عليم‏}‏ بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته‏.‏
‏[‏262‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ‏}‏
أي‏:‏ الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله، ولا يتبعونها بما ينقصها ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدد عليه إحسانه ويطلب منه مقابلته، ولا أذية له قولية أو فعلية، فهؤلاء لهم أجرهم اللائق بهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم الخير واندفع عنهم الشر لأنهم عملوا عملا خالصا لله سالما من المفسدات‏.‏
‏{‏قول معروف‏}‏ أي‏:‏ تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له ‏{‏ومغفرة‏}‏ لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي، فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى، لأن القول المعروف إحسان قولي، والمغفرة إحسان أيضًا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنّ أو غيره، ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرمًا، لأن المنّة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضًا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه، والذل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم، ‏{‏والله غني‏}‏ عنها، ومع هذا فهو ‏{‏حليم‏}‏ على من عصاه لا يعاجله بعقوبة مع قدرته عليه، ولكن رحمته وإحسانه وحلمه يمنعه من معاجلته للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلًات أنزل بهم عقابه وحرمهم جزيل ثوابه‏.‏
‏[‏264‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‏}‏
ينهى عباده تعالى لطفا بهم ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى ففيه أن المن والأذى يبطل الصدقة، ويستدل بهذا على أن الأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون‏}‏ فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى ‏{‏ولا تبطلوا أعمالكم‏}‏ حث على تكميل الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع العمل سدى، وقوله‏:‏ ‏{‏كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر‏}‏ أي‏:‏ أنتم وإن قصدتم بذلك وجه الله في ابتداء الأمر، فإن المنة والأذى مبطلان لأعمالكم، فتصير أعمالكم بمنزلة الذي يعمل لمراءاة الناس ولا يريد به الله والدار الآخرة، فهذا لا شك أن عمله من أصله مردود، لأن شرط العمل أن يكون لله وحده وهذا في الحقيقة عمل للناس لا لله، فأعماله باطلة وسعيه غير مشكور، فمثله المطابق لحاله ‏{‏كمثل صفوان‏}‏ وهو الحجر الأملس الشديد ‏{‏عليه تراب فأصابه وابل‏}‏ أي‏:‏ مطر غزير ‏{‏فتركه صلدا‏}‏ أي‏:‏ ليس عليه شيء من التراب، فكذلك حال هذا المرائي، قلبه غليظ قاس بمنزلة الصفوان، وصدقته ونحوها من أعماله بمنزلة التراب الذي على الصفوان، إذا رآه الجاهل بحاله ظن أنه أرض زكية قابلة للنبات، فإذا انكشفت حقيقة حاله زال ذلك التراب وتبين أن عمله بمنزلة السراب، وأن قلبه غير صالح لنبات الزرع وزكائه عليه، بل الرياء الذي فيه والإرادات الخبيثة تمنع من انتفاعه بشيء من عمله، فلهذا ‏{‏لا يقدرون على شيء‏}‏ من أعمالهم التي اكتسبوها، لأنهم وضعوها في غير موضعها وجعلوها لمخلوق مثلهم، لا يملك لهم ضررا ولا نفعا وانصرفوا عن عبادة من تنفعهم عبادته، فصرف الله قلوبهم عن الهداية، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏والله لا يهدي القوم الكافرين‏}‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الثلاثاء أكتوبر 21, 2014 1:43 am

[‏265‏]‏ ‏{‏وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}
هذا مثل المنفقين أموالهم على وجه تزكو عليه نفقاتهم وتقبل به صدقاتهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله‏}‏ أي‏:‏ قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه ‏{‏وتثبيتا من أنفسهم‏}‏ أي‏:‏ صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم، فمثل نفقة هؤلاء ‏{‏كمثل جنة‏}‏ أي‏:‏ كثيرة الأشجار غزيرة الظلال، من الاجتنان وهو الستر، لستر أشجارها ما فيها، وهذه الجنة ‏{‏بربوة‏}‏ أي‏:‏ محل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس، فـ ‏{‏أصابها‏}‏ أي‏:‏ تلك الجنة التي بربوة ‏{‏وابل‏}‏ وهو المطر الغزير ‏{‏فآتت أكلها ضعفين‏}‏ أي‏:‏ تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك، وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها ‏{‏فإن لم يصبها وابل فطل‏}‏ أي‏:‏ مطر قليل يكفيها لطيب منبتها، فهذه حالة المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله، وكل ينمى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها، فيالله لو قدر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان، دائم مستمر فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدا في الآخرة ونعيمها، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه‏؟‏‏!‏ وإلا فلو تيقن العبد ذلك حق اليقين وباشر الإيمان به بشاشة قلبه لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت همم عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏والله بما تعملون بصير‏}‏ فيعلم عمل كل عامل ومصدر ذلك العمل، فيجازيه عليه أتم الجزاء ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏266‏]‏ ‏{‏أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ‏}
وهذا المثل مضروب لمن عمل عملا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها ثم عمل أعمالا تفسده، فمثله كمثل صاحب هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات، وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتا وفاكهة وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة، وكان صاحبها قد اغتبط بها وسرته، ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل وزاد حرصه، وكان له ذرية ضعفاء ما فيهم معاونة له، بل هم كل عليه، ونفقته ونفقتهم من تلك الجنة، فبينما هو كذلك إذ أصاب تلك الجنة إعصار وهو الريح القوية التي تستدير ثم ترتفع في الجو، وفي ذلك الإعصار نار فاحترقت تلك الجنة، فلا تسأل عما لقي ذلك الذي أصابه الكبر من الهم والغم والحزن، فلو قدر أن الحزن يقتل صاحبه لقتله الحزن، كذلك من عمل عملا لوجه الله فإن أعماله بمنزلة البذر للزروع والثمار، ولا يزال كذلك حتى يحصل له من عمله جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء، وتلك المفسدات التي تفسد الأعمال بمنزلة الإعصار الذي فيه نار، والعبد أحوج ما يكون لعمله إذا مات وكان بحالة لا يقدر معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل نفعه هباءً منثورًا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه‏.‏
والله سريع الحساب فلو علم الإنسان وتصور هذه الحال وكان له أدنى مسكة من عقل لم يقدم على ما فيه مضرته ونهاية حسرته ولكن ضعف الإيمان والعقل وقلة البصيرة يصير صاحبه إلى هذه الحالة التي لو صدرت من مجنون لا يعقل لكان ذلك عظيما وخطره جسيما، فلهذا أمر تعالى بالتفكر وحثَّ عليه، فقال‏:‏ ‏{‏كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون‏}‏
‏[‏267 ـ 268‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض فكما منَّ عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه شكرًا لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة ‏{‏واعلموا أن الله غني حميد‏}‏ فهو غني عنكم ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب وحياة النفوس ونعيم الأرواح، وإياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، ويخوفكم بالفقر والحاجة إذا أنفقتم، وليس هذا نصحًا لكم، بل هذا غاية الغش ‏{‏إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير‏}‏ بل أطيعوا ربكم الذي يأمركم بالنفقة على وجه يسهل عليكم ولا يضركم، ومع هذا فهو ‏{‏يعدكم مغفرة‏}‏ لذنوبكم وتطهيرا لعيوبكم ‏{‏وفضلا‏}‏ وإحسانا إليكم في الدنيا والآخرة، من الخلف العاجل، وانشراح الصدر ونعيم القلب والروح والقبر، وحصول ثوابها وتوفيتها يوم القيامة، وليس هذا عظيما عليه لأنه ‏{‏واسع‏}‏ الفضل عظيم الإحسان ‏{‏عليم‏}‏ بما يصدر منكم من النفقات قليلها وكثيرها، سرها وعلنها، فيجازيكم عليها من سعته وفضله وإحسانه، فلينظر العبد نفسه إلى أي الداعيين يميل، فقد تضمنت هاتان الآيتان أمورا عظيمة منها‏:‏ الحث على الإنفاق، ومنها‏:‏ بيان الأسباب الموجبة لذلك، ومنها‏:‏ وجوب الزكاة من النقدين وعروض التجارة كلها، لأنها داخلة في قوله‏:‏ ‏{‏من طيبات ما كسبتم‏}‏ ومنها‏:‏ وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن، ومنها‏:‏ أن الزكاة على من له الزرع والثمر لا على صاحب الأرض، لقوله ‏{‏أخرجنا لكم‏}‏ فمن أخرجت له وجبت عليه ومنها‏:‏ أن الأموال المعدة للاقتناء من العقارات والأواني ونحوها ليس فيها زكاة، وكذلك الديون والغصوب ونحوهما إذا كانت مجهولة، أو عند من لا يقدر ربها على استخراجها منه، ليس فيها زكاة، لأن الله أوجب النفقة من الأموال التي يحصل فيها النماء الخارج من الأرض، وأموال التجارة مواساة من نمائها، وأما الأموال التي غير معدة لذلك ولا مقدورا عليها فليس فيها هذا المعنى، ومنها‏:‏ أن الرديء ينهى عن إخراجه ولا يجزئ في الزكاة ثم قال تعالى‏:‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الثلاثاء أكتوبر 21, 2014 1:47 am

[‏269‏]‏ ‏{‏يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ‏}
لما أمر تعالى بهذه الأوامر العظيمة المشتملة على الأسرار والحكم وكان ذلك لا يحصل لكل أحد، بل لمن منَّ عليه وآتاه الله الحكمة، وهي العلم النافع والعمل الصالح ومعرفة أسرار الشرائع وحكمها، وإن من آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرا كثيرًا وأي خير أعظم من خير فيه سعادة الدارين والنجاة من شقاوتهما‏!‏ وفيه التخصيص بهذا الفضل وكونه من ورثة الأنبياء، فكمال العبد متوقف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية فتكميل قوته العلمية بمعرفة الحق ومعرفة المقصود به، وتكميل قوته العملية بالعمل بالخير وترك الشر، وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك، ولما كان الله تعالى قد فطر عباده على عبادته ومحبة الخير والقصد للحق، فبعث الله الرسل مذكرين لهم بما ركز في فطرهم وعقولهم، ومفصلين لهم ما لم يعرفوه، انقسم الناس قسمين قسم أجابوا دعوتهم فتذكروا ما ينفعهم ففعلوه، وما يضرهم فتركوه، وهؤلاء هم أولو الألباب الكاملة، والعقول التامة، وقسم لم يستجيبوا لدعوتهم، بل أجابوا ما عرض لفطرهم من الفساد، وتركوا طاعة رب العباد، فهؤلاء ليسوا من أولي الألباب، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما يذكر إلا أولو الألباب‏}‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأحد أكتوبر 26, 2014 9:54 pm

270‏]‏ ‏{‏وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ‏}‏
وهذا فيه المجازاة على النفقات، واجبها ومستحبها، قليلها وكثيرها، التي أمر الله بها، والنذور التي ألزمها المكلف نفسه، وإن الله تعالى يعلمها فلا يخفى عليه منها شيء، ويعلم ما صدرت عنه، هل هو الإخلاص أو غيره، فإن صدرت عن إخلاص وطلب لمرضاة الله جازى عليها بالفضل العظيم والثواب الجسيم، وإن لم ينفق العبد ما وجب عليه من النفقات ولم يوف ما أوجبه على نفسه من المنذورات، أو قصد بذلك رضى المخلوقات، فإنه ظالم قد وضع الشيء في غير موضعه، واستحق العقوبة البليغة، ولم ينفعه أحد من الخلق ولم ينصره، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وما للظالمين من أنصار‏}‏
‏[‏271‏]‏ ‏{‏إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏
أي‏:‏ ‏{‏إن تبدوا الصدقات‏}‏ فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله ‏{‏فنعما هي‏}‏ أي‏:‏ فنعم الشيء ‏{‏هي‏}‏ لحصول المقصود بها ‏{‏وإن تخفوها‏}‏ أي‏:‏ تسروها ‏{‏وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم‏}‏ ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه، فهو أفضل من الإسرار، ودل قوله‏:‏ ‏{‏وتؤتوها الفقراء‏}‏ على أنه ينبغي للمتصدق أن يتحرى بصدقته المحتاجين، ولا يعطي محتاجا وغيره أحوج منه، ولما ذكر تعالى أن الصدقة خير للمتصدق ويتضمن ذلك حصول الثواب قال‏:‏ ‏{‏ويكفر عنكم من سيئاتكم‏}‏ ففيه دفع العقاب ‏{‏والله بما تعملون خبير‏}‏ من خير وشر، قليل وكثير والمقصود من ذلك المجازاة‏.‏
‏[‏272 ـ 274‏]‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏
يقول تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس عليك هدي الخلق، وإنما عليك البلاغ المبين، والهداية بيد الله تعالى، ففيها دلالة على أن النفقة كما تكون على المسلم تكون على الكافر ولو لم يهتد، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وما تنفقوا من خير‏}‏ أي‏:‏ قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر ‏{‏فلأنفسكم‏}‏ أي‏:‏ نفعه راجع إليكم ‏{‏وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله‏}‏ هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص ‏{‏وما تنفقوا من خير يوف إليكم‏}‏ يوم القيامة تستوفون أجوركم ‏{‏وأنتم لا تظلمون‏}‏ أي‏:‏ تنقصون من أعمالكم شيئًا ولا مثقال ذرة، كما لا يزاد في سيئاتكم‏.‏
ثم ذكر مصرف النفقات الذين هم أولى الناس بها فوصفهم بست صفات أحدها الفقر، والثاني قوله‏:‏ ‏{‏أحصروا في سبيل الله‏}‏ أي‏:‏ قصروها على طاعة الله من جهاد وغيره، فهم مستعدون لذلك محبوسون له، الثالث عجزهم عن الأسفار لطلب الرزق فقال‏:‏ ‏{‏لا يستطيعون ضربا في الأرض‏}‏ أي‏:‏ سفرا للتكسب، الرابع قوله‏:‏ ‏{‏يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف‏}‏ وهذا بيان لصدق صبرهم وحسن تعففهم‏.‏ الخامس‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏{‏تعرفهم بسيماهم‏}‏ أي‏:‏ بالعلامة التي ذكرها الله في وصفهم، وهذا لا ينافي قوله‏:‏ ‏{‏يحسبهم الجاهل أغنياء‏}‏ فإن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، وأما الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، السادس قوله‏:‏ ‏{‏لا يسألون الناس إلحافا‏}‏ أي‏:‏ لا يسألونهم سؤال إلحاف، أي‏:‏ إلحاح، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا، فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات، وأما النفقة من حيث هي على أي شخص كان، فهي خير وإحسان وبر يثاب عليها صاحبها ويؤجر، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم‏}‏
ثم ذكر حالة المتصدقين في جميع الأوقات على جميع الأحوال فقال‏:‏ ‏{‏الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله‏}‏ أي‏:‏ طاعته وطريق مرضاته، لا في المحرمات والمكروهات وشهوات أنفسهم ‏{‏بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم‏}‏ أي‏:‏ أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم ‏{‏ولا خوف عليهم‏}‏ إذا خاف المقصرون ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ إذا حزن المفرطون، ففازوا بحصول المقصود المطلوب، ونجوا من الشرور والمرهوب، ولما كمل تعالى حالة المحسنين إلى عباده بأنواع النفقات ذكر حالة الظالمين المسيئين إليهم غاية الإساءة فقال‏:‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الأحد أكتوبر 26, 2014 10:13 pm

لإساءة فقال‏:‏
‏[‏275 ـ 281‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَ.‏}‏
يخبر تعالى عن أكلة الربا وسوء مآلهم وشدة منقلبهم، أنهم لا يقومون من قبورهم ليوم نشورهم ‏{‏إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏}‏ أي‏:‏ يصرعه الشيطان بالجنون، فيقومون من قبورهم حيارى سكارى مضطربين، متوقعين لعظيم النكال وعسر الوبال، فكما تقلبت عقولهم و ‏{‏قالوا إنما البيع مثل الربا‏}‏ وهذا لا يكون إلا من جاهل عظيم جهله، أو متجاهل عظيم عناده، جازاهم الله من جنس أحوالهم فصارت أحوالهم أحوال المجانين، ويحتمل أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس‏}‏ أنه لما انسلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم وحركاتهم يشبهون المجانين في عدم انتظامها وانسلاخ العقل الأدبي عنهم، قال الله تعالى رادا عليهم ومبينا حكمته العظيمة ‏{‏وأحل الله البيع‏}‏ أي‏:‏ لما فيه من عموم المصلحة وشدة الحاجة وحصول الضرر بتحريمه، وهذا أصل في حل جميع أنواع التصرفات الكسبية حتى يرد ما يدل على المنع ‏{‏وحرم الربا‏}‏ لما فيه من الظلم وسوء العاقبة، والربا نوعان‏:‏ ربا نسيئة كبيع الربا بما يشاركه في العلة نسيئة، ومنه جعل ما في الذمة رأس مال، سلم، وربا فضل، وهو بيع ما يجري فيه الربا بجنسه متفاضلا، وكلاهما محرم بالكتاب والسنة، والإجماع على ربا النسيئة، وشذ من أباح ربا الفضل وخالف النصوص المستفيضة، بل الربا من كبائر الذنوب وموبقاتها ‏{‏فمن جاءه موعظة من ربه‏}‏ أي‏:‏ وعظ وتذكير وترهيب عن تعاطي الربا على يد من قيضه الله لموعظته رحمة من الله بالموعوظ، وإقامة للحجة عليه ‏{‏فانتهى‏}‏ عن فعله وانزجر عن تعاطيه ‏{‏فله ما سلف‏}‏ أي‏:‏ ما تقدم من المعاملات التي فعلها قبل أن تبلغه الموعظة جزاء لقبوله للنصيحة، دل مفهوم الآية أن من لم ينته جوزي بالأول والآخر ‏{‏وأمره إلى الله‏}‏ في مجازاته وفيما يستقبل من أموره ‏{‏ومن عاد‏}‏ إلى تعاطي الربا ولم تنفعه الموعظة، بل أصر على ذلك ‏{‏فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏ اختلف العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من الذنوب التي دون الشرك بالله، والأحسن فيها أن يقال هذه الأمور التي رتب الله عليها الخلود في النار موجبات ومقتضيات لذلك، ولكن الموجب إن لم يوجد ما يمنعه ترتب عليه مقتضاه، وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار، فلولا ما مع الإنسان من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يمحق الله الربا‏}‏ أي‏:‏ يذهبه ويذهب بركته ذاتا ووصفا، فيكون سببا لوقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وإن أنفق منه لم يؤجر عليه بل يكون زادا له إلى النار ‏{‏ويربي الصدقات‏}‏ أي‏:‏ ينميها وينزل البركة في المال الذي أخرجت منه وينمي أجر صاحبها وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فإن المرابي قد ظلم الناس وأخذ أموالهم على وجه غير شرعي، فجوزي بذهاب ماله، والمحسن إليهم بأنواع الإحسان ربه أكرم منه، فيحسن عليه كما أحسن على عباده ‏{‏والله لا يحب كل كفار‏}‏ لنعم الله، لا يؤدي ما أوجب عليه من الصدقات، ولا يسلم منه ومن شره عباد الله ‏{‏أثيم‏}‏ أي‏:‏ قد فعل ما هو سبب لإثمه وعقوبته‏.‏
لما ذكر أكلة الربا وكان من المعلوم أنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا ينفعهم لم يصدر منهم ما صدر ذكر حالة المؤمنين وأجرهم، وخاطبهم بالإيمان، ونهاهم عن أكل الربا إن كانوا مؤمنين، وهؤلاء هم الذين يقبلون موعظة ربهم وينقادون لأمره، وأمرهم أن يتقوه، ومن جملة تقواه أن يذروا ما بقي من الربا أي‏:‏ المعاملات الحاضرة الموجودة، وأما ما سلف، فمن اتعظ عفا الله عنه ما سلف، وأما من لم ينزجر بموعظة الله ولم يقبل نصيحته فإنه مشاق لربه محارب له، وهو عاجز ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم الذي يمهل للظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر ‏{‏وإن تبتم‏}‏ عن الربا ‏{‏فلكم رءوس أموالكم‏}‏ أي‏:‏ أنزلوا عليها ‏{‏لا تظلمون‏}‏ من عاملتموه بأخذ الزيادة التي هي الربا ‏{‏ولا تظلمون‏}‏ بنقص رءوس أموالكم‏.‏
‏{‏وإن كان‏}‏ المدين ‏{‏ذو عسرة‏}‏ لا يجد وفاء ‏{‏فنظرة إلى ميسرة‏}‏ وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به ‏{‏وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون‏}‏ إما بإسقاطها أو بعضها‏.‏
‏{‏واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏}‏ وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك‏.‏
‏[‏282‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شيئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}
هذه آية الدين، وهي أطول آيات القرآن، وقد اشتملت على أحكام عظيمة جليلة المنفعة والمقدار، أحدها‏:‏ أنه تجوز جميع أنواع المداينات من سلم وغيره، لأن الله أخبر عن المداينة التي عليها المؤمنون إخبار مقرر لها ذاكرا أحكامها، وذلك يدل على الجواز، الثاني والثالث أنه لا بد للسلم من أجل وأنه لا بد أن يكون معينا معلوما فلا يصح حالا ولا إلى أجل مجهول، الرابع‏:‏ الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا وإما استحبابا لشدة الحاجة إلى كتابتها، لأنها بدون الكتابة يدخلها من الغلط والنسيان والمنازعة والمشاجرة شر عظيم، الخامس‏:‏ أمر الكاتب أن يكتب، السادس‏:‏ أن يكون عدلا في نفسه لأجل اعتبار كتابته، لأن الفاسق لا يعتبر قوله ولا كتابته، السابع أنه يجب عليه العدل بينهما، فلا يميل لأحدهما لقرابة أو صداقة أو غير ذلك، الثامن‏:‏ أن يكون الكاتب عارفا بكتابة الوثائق وما يلزم فيها كل واحد منهما، وما يحصل به التوثق، لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك، وهذا مأخوذ من قوله‏:‏ ‏{‏وليكتب بينكم كاتب بالعدل‏}‏ التاسع‏:‏ أنه إذا وجدت وثيقة بخط المعروف بالعدالة المذكورة يعمل بها، ولو كان هو والشهود قد ماتوا، العاشر‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏ولا يأب كاتب أن يكتب‏}‏ أي‏:‏ لا يمتنع من منَّ الله عليه بتعليمه الكتابة أن يكتب بين المتداينين، فكما أحسن الله إليه بتعليمه، فليحسن إلى عباد الله المحتاجين إلى كتابته، ولا يمتنع من الكتابة لهم، الحادي عشر‏:‏ أمر الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق، الثاني عشر‏:‏ أن الذي يملي من المتعاقدين من عليه الدين، الثالث عشر‏:‏ أمره أن يبين جميع الحق الذي عليه ولا يبخس منه شيئًا، الرابع عشر‏:‏ أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول، لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك ثبت موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به على نفسه، ولو ادعى بعد ذلك غلطًا أو سهوًا، الخامس عشر‏:‏ أن من عليه حقًا من الحقوق التي البينة على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة وتعجيل وتأجيل، أن قوله هو المقبول دون قول من له الحق، لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه، إلا أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار الحق وصفته، السادس عشر‏:‏ أنه يحرم على من عليه حق من الحقوق أن يبخس وينقص شيئًا من مقداره، أو طيبه وحسنه، أو أجله أو غير ذلك من توابعه ولواحقه، السابع عشر‏:‏ أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار، الثامن عشر‏:‏ أنه يلزم الولي من العدل ما يلزم من عليه الحق من العدل، وعدم البخس لقوله ‏{‏بالعدل‏}‏ التاسع عشر‏:‏ أنه يشترط عدالة الولي، لأن الإملاء بالعدل المذكور لا يكون من فاسق، العشرون‏:‏ ثبوت الولاية في الأموال، الحادي والعشرون‏:‏ أن الحق يكون على الصغير والسفيه والمجنون والضعيف، لا على وليهم، الثاني والعشرون‏:‏ أن إقرار الصغير والسفيه والمجنون والمعتوه ونحوهم وتصرفهم غير صحيح، لأن الله جعل الإملاء لوليهم، ولم يجعل لهم منه شيئًا لطفا بهم ورحمة، خوفا من تلاف أموالهم، الثالث والعشرون‏:‏ صحة تصرف الولي في مال من ذكر، الرابع والعشرون‏:‏ فيه مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه، لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع، الخامس والعشرون‏:‏ أن تعلم الكتابة مشروع، بل هو فرض كفاية، لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم، السادس والعشرون‏:‏ أنه مأمور بالإشهاد على العقود، وذلك على وجه الندب، لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق، فهو عائد لمصلحة المكلفين، نعم إن كان المتصرف ولي يتيم أو وقف ونحو ذلك مما يجب حفظه تعين أن يكون الإشهاد الذي به يحفظ الحق واجبا، السابع والعشرون‏:‏ أن نصاب الشهادة في الأموال ونحوها رجلان أو رجل وامرأتان، ودلت السنة أيضًا أنه يقبل الشاهد مع يمين المدعي، الثامن والعشرون‏:‏ أن شهادة الصبيان غير مقبولة لمفهوم لفظ الرجل، التاسع والعشرون‏:‏ أن شهادة النساء منفردات في الأموال ونحوها لا تقبل، لأن الله لم يقبلهن إلا مع الرجل، وقد يقال إن الله أقام المرأتين مقام رجل للحكمة التي ذكرها وهي موجودة سواء كن مع رجل أو منفردات والله أعلم‏.‏ الثلاثون‏:‏ أن شهادة العبد البالغ مقبولة كشهادة الحر لعموم قوله‏:‏ ‏{‏واستشهدوا شهيدين من رجالكم‏}‏ والعبد البالغ من رجالنا، الحادي والثلاثون‏:‏ أن شهادة الكفار ذكورا كانوا أو نساء غير مقبولة، لأنهم ليسوا منا، ولأن مبنى الشهادة على العدالة وهو غير عدل، الثاني والثلاثون‏:‏ فيه فضيلة الرجل على المرأة، وأن الواحد في مقابلة المرأتين لقوة حفظه ونقص حفظها، الثالث والثلاثون‏:‏ أن من نسي شهادته ثم ذكرها فذكر فشهادته مقبولة لقوله‏:‏ ‏{‏فتذكر إحداهما الأخرى‏}‏ الرابع والثلاثون‏:‏ يؤخذ من المعنى أن الشاهد إذا خاف نسيان شهادته في الحقوق الواجبة وجب عليه كتابتها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والخامس والثلاثون‏:‏ أنه يجب على الشاهد إذا دعي للشهادة وهو غير معذور، لا يجوز له أن يأبى لقوله‏:‏ ‏{‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏}‏ السادس والثلاثون‏:‏ أن من لم يتصف بصفة الشهداء المقبولة شهادتهم، لم يجب عليه الإجابة لعدم الفائدة بها ولأنه ليس من الشهداء، السابع والثلاثون‏:‏ النهي عن السآمة والضجر من كتابة الديون كلها من صغير وكبير وصفة الأجل وجميع ما احتوى عليه العقد من الشروط والقيود، الثامن والثلاثون‏:‏ بيان الحكمة في مشروعية الكتابة والإشهاد في العقود، وأنه ‏{‏أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا‏}‏ فإنها متضمنة للعدل الذي به قوام العباد والبلاد، والشهادة المقترنة بالكتابة تكون أقوم وأكمل وأبعد من الشك والريب والتنازع والتشاجر، التاسع والثلاثون‏:‏ يؤخذ من ذلك أن من اشتبه وشك في شهادته لم يجز له الإقدام عليها بل لا بد من اليقين، الأربعون‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها‏}‏ فيه الرخصة في ترك الكتابة إذا كانت التجارة حاضرا بحاضر، لعدم شدة الحاجة إلى الكتابة، الحادي والأربعون‏:‏ أنه وإن رخص في ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، فإنه يشرع الإشهاد لقوله‏:‏ ‏{‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ الثاني والأربعون‏:‏ النهي عن مضارة الكاتب بأن يدعى وقت اشتغال وحصول مشقة عليه، الثالث والأربعون‏:‏ النهي عن مضارة الشهيد أيضًا بأن يدعى إلى تحمل الشهادة أو أدائها في مرض أو شغل يشق عليه، أو غير ذلك هذا على جعل قوله‏:‏ ‏{‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏}‏ مبنيا للمجهول، وأما على جعلها مبنيا للفاعل ففيه نهي الشاهد والكاتب أن يضارا صاحب الحق بالامتناع أو طلب أجرة شاقة ونحو ذلك، وهذان هما الرابع والأربعون والخامس والأربعون والسادس والأربعون أن ارتكاب هذه المحرمات من خصال الفسق لقوله‏:‏ ‏{‏وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم‏}‏ السابع والأربعون أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق والعداوة والولاية ونحو ذلك تتجزأ في الإنسان، فتكون فيه مادة فسق وغيرها، وكذلك مادة إيمان وكفر لقوله‏:‏ ‏{‏فإنه فسوق بكم‏}‏ ولم يقل فأنتم فاسقون أو فُسّاق‏.‏ الثامن والأربعون‏:‏ ـ وحقه أن يتقدم على ما هنا لتقدم موضعه ـ اشتراط العدالة في الشاهد لقوله‏:‏ ‏{‏ممن ترضون من الشهداء‏}‏ التاسع والأربعون‏:‏ أن العدالة يشترط فيها العرف في كل مكان وزمان، فكل من كان مرضيا معتبرا عند الناس قبلت شهادته، الخمسون‏:‏ يؤخذ منها عدم قبول شهادة المجهول حتى يزكى، فهذه الأحكام مما يستنبط من هذه الآية الكريمة على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر، ولله في كلامه حكم وأسرار يخص بها من يشاء من عباده‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
هِنْـــد
المديرة
المديرة
avatar

عدد المساهمات : 471
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 06/05/2014
الموقع : ميثاقنا عهدٌ نشد حبالهُ يرقى بنا لمواطن الجنـاتِ ِ ولانها العلياءُ كان مدادنا نبضَ السماءِ ، محابرَ الخيراتِ


مُساهمةموضوع: رد: •° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي   الإثنين أكتوبر 27, 2014 4:58 pm

[‏283‏]‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بعضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏}
أي‏:‏ إن كنتم مسافرين ‏{‏ولم تجدوا كاتبًا‏}‏ يكتب بينكم ويحصل به التوثق ‏{‏فرهان مقبوضة‏}‏ أي‏:‏ يقبضها صاحب الحق وتكون وثيقة عنده حتى يأتيه حقه، ودل هذا على أن الرهن غير المقبوضة لا يحصل منها التوثق، ودل أيضًا على أن الراهن والمرتهن لو اختلفا في قدر ما رهنت به، كان القول قول المرتهن، ووجه ذلك أن الله جعل الرهن عوضًا عن الكتابة في توثق صاحب الحق، فلولا أن قول المرتهن مقبول في قدر الذي رهنت به لم يحصل المعنى المقصود، ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضرًا وسفرًا، وإنما نص الله على السفر، لأنه في مظنة الحاجة إليه لعدم الكاتب فيه، هذا كله إذا كان صاحب الحق يحب أن يتوثق لحقه، فما كان صاحب الحق آمنا من غريمه وأحب أن يعامله من دون رهن فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملًا غير ظالم له ولا باخس حقه ‏{‏وليتق الله ربه‏}‏ في أداء الحق ويجازي من أحسن به الظن بالإحسان ‏{‏ولا تكتموا الشهادة‏}‏ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم‏}‏ وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه‏.‏
‏[‏284‏]‏ ‏{‏لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}
هذا إخبار من الله أنه له ما في السموات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، ‏{‏فيغفر لمن يشاء‏}‏ وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره ‏{‏والله على كل شيء قدير‏}‏ لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه‏.‏
‏[‏285‏]‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏}
يخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه، وانقيادهم وطاعتهم وسؤالهم مع ذلك المغفرة، فأخبر أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا يتضمن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله من صفات كماله ونعوت جلاله على وجه الإجمال والتفصيل، وتنزيهه عن التمثيل والتعطيل وعن جميع صفات النقص، ويتضمن الإيمان بالملائكة الذين نصت عليهم الشرائع جملة وتفصيلا، وعلى الإيمان بجميع الرسل والكتب، أي‏:‏ بكل ما أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله، بل يؤمنون بجميعهم، لأنهم وسائط بين الله وبين عباده، فالكفر ببعضهم كفر بجميعهم بل كفر بالله ‏{‏وقالوا سمعنا‏}‏ ما أمرتنا به ونهيتنا ‏{‏وأطعنا‏}‏ لك في ذلك، ولم يكونوا ممن قالوا سمعنا وعصينا، ولما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق الله تعالى وهو محتاج إلى مغفرته على الدوام، قالوا ‏{‏غفرانك‏}‏ أي‏:‏ نسألك مغفرة لما صدر منا من التقصير والذنوب، ومحو ما اتصفنا به من العيوب ‏{‏وإليك المصير‏}‏ أي‏:‏ المرجع لجميع الخلائق فتجزيهم بما عملوا من خير وشر‏.‏
‏[‏286‏]‏ ‏{‏لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ‏}
لما نزل قوله تعالى ‏{‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏}‏ شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي‏:‏ أمرا تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، كما قال تعالى ‏{‏ما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏ فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدًان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم، ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما كسبت من الخير، وعليها ما اكتسبت من الشر، فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا تذهب حسنات العبد لغيره، وفي الإتيان بـ ‏"‏كسب‏"‏ في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى بـ ‏"‏اكتسب‏"‏ في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه، ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه وأن كل عامل سيجازى بعمله، وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان، وأخبر أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا، أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك، وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله قال‏:‏ قد فعلت‏.‏ إجابة لهذا الدعاء، فقال ‏{‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏ والفرق بينهما‏:‏ أن النسيان‏:‏ ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا، والخطأ‏:‏ أن يقصد شيئًا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله‏:‏ فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا، فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب، أو نجس، أو قد نسي نجاسة على بدنه، أو تكلم في الصلاة ناسيا، أو فعل مفطرا ناسيا، أو فعل محظورًا من محظورات الإحرام التي ليس فيها إتلاف ناسيا، فإنه معفو عنه، وكذلك لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا، وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم، وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف، وكذلك المواضع التي تجب فيها التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر‏.‏ ‏{‏ربنا ولا تحمل علينا إصرًا‏}‏ أي‏:‏ تكاليف مشقة ‏{‏كما حملته على الذين من قبلنا‏}‏ وقد فعل تعالى فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر من الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها ‏{‏ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به‏}‏ وقد فعل وله الحمد ‏{‏واعف عنا واغفر لنا وارحمنا‏}‏ فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع المكاره والشرور، والرحمة يحصل بها صلاح الأمور ‏{‏أنت مولانا‏}‏ أي‏:‏ ربنا ومليكنا وإلهنا الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات، ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة والمنحة الجسيمة، وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها، فنسألك يا ربنا ومولانا تمام نعمتك بأن تنصرنا على القوم الكافرين، الذين كفروا بك وبرسلك، وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك، فانصرنا عليهم بالحجة والبيان والسيف والسنان، بأن تمكن لنا في الأرض وتخذلهم وترزقنا الإيمان والأعمال التي يحصل بها النصر، والحمد لله رب العالمين‏.‏ تم تفسير سورة البقرة بعون الله وتوفيقه وصلى الله على محمد وسلم‏.‏

_________________
نبراس الدعوة
ينثُر من فضاء علم الشريعة زهراً يانعاً
تهفو لصيبٍ نافعٍ بنشر العلم الشرعي بطرق متنوعة
لتروي عطش الأمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
•° تفسير سورة البقرة من آيه ( ١ ) إلى (٢٨٦) °• تفسير السعدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبراس الدعوة :: الملتقى الدعوي :: حملتن القرَان وَگنتن كالمنَار فهنيئاً لگنّ تاج الوقار-
انتقل الى: